جاء في كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه التي رواها حرب الكرماني المتوفى سنة 280 هجري، بابا بعنوان: ” “باب القول بالمذهب”، ذكرَ فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، مأخوذة عن أئمة الإسلام كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم من علماء أهل العراق والحجاز والشام”.
وهذه العقيدة أثنى عليها المجسم ابن القيم في عدة مواضع من كتبه كنونيته المسماة “الكافية الشافية” حيث قال:
وانظر إلى حرب وإجماع حكى … للَّه درّك من فتى كرمان
وقد بين ابن تيمية زعيم المشبهة حال هذه العقيدة في كتابه الاستقامة،حيث قال ما نصه: ” وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها فإني تأملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة برجال مجاهيل والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل لا ألفاظ الإمام أحمد ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد كأبي بكر الخلال في كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكتاب أحمد ولا رواها المعروفون بنقل كلام الإمام لا سيما مثل هذه الرسالة الكبيرة وإن كانت راجت على كثير من المتأخرين”. انتهى
وحرب هذا هو صاحب المجسم محمد بن كرام كما ذكر ذلك الإمام الكوثري في معرض كلامه عن ابن تيمية ونص عبارته:” إنه كتب في معقوله غير منكر ما يرويه حرب بن اسماعيل الكرماني صاحب محمد بن كرام في مسائله عن أحمد و غيره في حقه تعالى: “يتكلم و يتحرك”. انتهى
و نقله الشيخ محمد الخضر الشنقيطي في كتاب “إستحالة المعية بالذات و ما يضاهيها من متشابه الصفات” صحيفة 307
وقال ابن الوزير اليماني المتوفى سنة 840 هجري في “العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم” جزء 3 / 315 – 316 عن حرب الكرماني: “ذكره الذهبي في التذكرة ، فلم يذكر أن أحداً وثَّقه ، ولو ظهر الإسناد – في رواية الاصطخري – لظهر فيه من الضعفاء ، ومَن لا يوثق به”. انتهى
أما قول الذهبي عنه في السير: “الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، أَبُو مُحَمَّدٍ حَرْبُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الكِرْمَانِيُّ، الفَقِيْهُ، تِلْمِيْذُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ. “. انتهى
وقول الخلال أيضا : “كان رجلاً جليلاً حثني المروذي على الخروج إليه” انتهى
فهذا ليس توثيقا له في الرواية كما هو معلوم عند أهل هذا الفن، بل دليل على تبحره في الفقه، أما في الحديث فهو مجهول الحال. فقد يكون العالم متقناً لفن من الفنون ، ومُبَرِّزاً في علم من العلوم، لكونه أنفق فيه جل حياته ، واعتنى بطلبه وتدريسه فيشار إليه بالبنان، بينما يكون مقصرا في فن آخر فتنزل مرتبته فيه ، و يكون غير معتمد. وكم من إمام في الفقه وهو ضعيف في الحديث كالخصيب بن جحدر البصري المتوفى سنة 150 هجري : قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام :” وكان من الفقهاء لكنه متروك الحديث ” انتهى
وكذلك محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي المتوفى سنة 586 هـجري : قال عنه الذهبي في السير :” وكان كبير الشأن ، انتهت إليه رئاسة الحفظ في الفتيا ، وقُدم للشورى من سنة إحدى وعشرين ، وعظم جاهه ، ونال دنيا عريضة ، ولم يكن يدري فن الحديث”. انتهى
و قال عنه أيضا: “وكان فقيه عصره “. انتهى
ثم إن هذه العقيدة لها نسخة يتيمة وهي صورة نسخة المسائل لحرب الكرماني الموجودة بمعهد البحوث العلمية بمكة، تحت رقم 32 – فقه حنبلي. وأصل المخطوط موجود في مكتبة يوسف آغا بتركيا.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن حرب ذكر في كتاب السنة له أنه سمع ابن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن”، وهذا النقل ليس موجودا في كتاب المسائل.
وهذا المعتقد جاء أيضًا منسوبًا إلى الإمام أحمد بن حنبل كما في رسالة أحمد بن جعفر الاصطخري عن الإمام أحمد، وقد روى هذه العقيدة كاملة ابن أبي يعلى في “طبقات الحنابلة” عند ترجمة الاصطخري.
ومما جاء في هذه العقيدة ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، حيث قال ما نصه: ” أخبرنا يوسف بن خليل بقراتي عليه غير مرة، أخبرنا أبو الفضل إسماعيل بن علي الجتروي غَيْرَ مَرَّةٍ، أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد الغساني، ثنا الحافظ أبو محمد عبدالعزيز بن أحمد الكتاني، أنبا محمد بن رزق المعروف بأبي عَمرٍو الأسودِ، ثنا أبو محمد عبدالله بن جعفر النهاوندي، ثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن زوزان، ثنا أبو العباس أحمد بن جعفر الإصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله:…… “
ثم قال: “ولله عز وجل عرشٌ، وللعرش حملة يحملونه، والله عز وجل على عرشه، وله حدٌّ، والله أعلم بِحَدِّهِ، يتحرك، ويتكلم، وينظر، ويضحك، ويفرحُ”. انتهى
وهذه العقيدة قد أنكرها جماعة من الحفاظ كابن الوزير و غيره وحكم الذهبي بوضعها حيث قال في سير أعلام النبلاء 11/303 ما نصه: ” أخبرنا أبو الوليد الدربندي سنة أربعين وأربع مئة أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الأسود بدمشق أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر النهاوندي حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن زوران لفظا حدثنا أحمد بن جعفر الاصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: هذا مذاهب أهل العلم والأثر فمن خالف شيئا من ذلك أو عاب قائلها فهو مبتدع….”. انتهى
ثم قال: ” وكلم الله موسى تكليما من فيه إلى أن ذكر أشياء من هذا الأنموذج المنكر والأشياء التي – والله – ما قالها الإمام. فقاتل الله واضعها ومن أسمج ما فيها قوله: ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدا، فهذا قول فاسق عدو لله. فانظر إلى جهل المحدثين كيف يروون هذه الخرافة، ويسكتون عنها”. انتهـى
وقال أيضا في سير أعلام النبلاء عند ترجمةِ الإمام أحمد : ” لا كرسالة الاصطخري ، ولا كالرد على الجهمية ، الموضوع على أبي عبد الله فإن الرجل كان تقياً ورعاً لا يتفوه بمثل ذلك ، ولعله قاله ” . انتهى
قال ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في تعقيبه على كلام الذهبي : ” هذا لفظ الذهبي ونصه بحروفه من خطه المعروف ، لكن فيه شَيءٌ مُصَلَّحٌ بِغيرِ خَطهِ ، وأحسبه لبعض المبتدعة ، وقد حذفته وهو ما لفظه [ ولعله قاله ] صلحه عقيب قول الذهبي : “فإن الرجل كان تقياً ورعاً لا يتفوه ذلك ” ، وكان مكان هذا اللفظ المصلح لفظ (( غيره )) بخط الذهبي ، وَبَدَّلَهُ بما يناقض كلام الذهبي ، وما خفي ذلك ولله الحمد لوجوه : أحدها : الكشط الواضح. وثانيها : الخط المخالف . وثالثها : المعنى المناقض لما قبله ولما بعده ، ولما تكرر من نحو ذلك في غير هذا الموضع” . انتهى
فقول الذهبي ” ولعله قاله” هو من كلام بعض المبتدعة ، وليس من كلام الذهبي كما ذكر ذلك ابن الوزير اليماني .
ثم إن سند هذه العقيدة فيه مجاهيل. فقد قال ابن الوزير في كتابه العواصم والقواصم: ” في إسنادها جماعة ماعرفتهم وعنعنة في مواضع تحتمل سقوط بعض المجاريح”. انتهى
وقال: “وقد رويت هذه العقيدة المنكرة عن أهل الحديث والسنة لا عن أحمد ، بطريقين غير هذه الطرق وكلا الطريقين غير صحيح”. انتهى
وفي ما يلي بعض من ذُكروا في السند:
– أحمد بن جعفر الإصطخري : مجهول العدالة وكل من ترجم له من أصحاب طبقات الإمام أحمد وغيرها، لم يذكر له توثيقا أو تعديلا. وليس كونه من تلاميذ الإمام دليل على عدالته وقبول روايته.
-أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر النهاوندي المالكي، ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق 32/174، وذكر أنه روى عن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوزان ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
– محمد بن إبراهيم بن زوزان : لا يوجد ما يخرجه عن حيّز الجهالة إلى التوثيق ، فقد قال ابن ماكولا في الإكمال 4/192 ما نصه: ” أما زوزان بزايين الأولى منهما مضمومة فهو أبو بكر محمد بن إبراهيم بن زوزان له رحلة في الحديث وحديثه منتشر، كتب بالعراق والشام ومصر حدث عن أبي الوليد بن برد وبشر بن موسى ومحمد بن كثير الصوري وأبي يزيد القراطيسي وأبي علاثة محمد بن عمرو بن خالد المصري وأحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي وخلق كثير روى عنه فرج بن إبراهيم النصيبي وأبو الحسين بن جميع”. انتهى
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/334 :”الحافظ العالم الرّحال … قال الأمير : له رحلة في الحديث إلى الشام والعراق ومصر”. انتهى
————————-
تجميع البحوث حول الكتب المنسوبة باطلا للسلف
https://www.facebook.com/share/p/1ZfejXLKbz/




![رؤية فرج المرأة [من مرآة أو ماء] و [من زجاج وفي ماء] = رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لابن عابدين و شرح فتح القدير لابن الهمام](https://lataef.blog/wp-content/uploads/2026/07/image-22.png)

