صفة اليد لله – بحث كامل

  1. الكلام عن الأصابع المضافة لله عز وجل
  2. لله تعالى صدقة جارية و صدقة عن روح المرحوم بإذن الله فتحي المهذبي
  3. حديث “ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن”
  4. بيان أن إجراء حديث اليهودي على ظاهره مشكل على مذهب المجسمة
  5. في بيان قول ابن عباس رضي الله عنهما وابن جبير أن إثبات اليهودي الأصابع لله من الشرك
  6. حديث ابن مسعود الذي ورد فيه ذكر الأصابع
  7. دعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي
  8. في بيان معنى ضحك النبي من اليهودي الذي نسب الأصابع لله عز وجل
  9. اختلاف ابن عيينة و الفضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر في قصة الحبر اليهودي الذي زعم أن الله يضع الخلائق على أصابعه
  10. بيان أن الأصابع المضافة لله عز وجل هي كناية عن القدرة والأمر والتدبير.

الكلام عن الأصابع المضافة لله عز وجل

لله تعالى صدقة جارية و صدقة عن روح المرحوم بإذن الله فتحي المهذبي

ورد ذكر الأصابع مضافة لله عز وجل في بعض الأحاديث، وللعلماء في ذلك مذاهب:

– الأول: إمرارها كما جاءت من غير التعرض لتفسيرها.

فقد سئل سفيان بن عيينة عن حديث عبد الله – أي ابن مسعود- أن الله يجعل السماء على اصبع وحديث إن قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن وإن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ونحو هذه الأحاديث فقال هذه الأحاديث نرويها ونقرّ بها كما جاءت بلا كيف.

وجاء في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد: ” قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعًا يقول: نسلِّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لم كذا. يعني: مثل حديث ابن مسعود: «إن الله -عز وجل- يحمل السماوات على أصبع، والجبال على أصبع»، وحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قلب ابنِ آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، ونحوها من الأحاديث”. انتهى

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ” ما قدروا الله حق قدره”، ما نصه: ” وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة ، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف ، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف “. انتهى

ثم ذكر حديث اليهودي

– الثاني: أنها ليست صفات، بدليل قوله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ

السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ”

فالأصابع مجاز عن القدرة وأمر الله، وهو مذهب ابن عبد البر المالكي والنجم الطوفي الحنبلي.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1DBWrR6JhS/

وقال ابن العربي في العواصم: “وتحقيقُ المسألة: أن أحدًا لم يقل قَطّ إنّ الأصابع والكفّ صفةٌ.”. انتهى

و قال الإمام البيهقي في الأسماء والصفات في تعليقه على حديث حمل السماوات على أصبع: “ذهب أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى أن الأصل في هذا وما أشبهه في إثبات الصفات أنه لا يجوز ذلك إلا أن يكون بكتاب ناطق أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فيما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصل في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها أو بموافقة معانيها، وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب.. وذِكْر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة التي شرطها في الثبوت ما وصفناه”. انتهى

وهذا المذهب يرويه بعض الحنابلة عن الإمام أحمد، فقد جاء في كتاب قواعد العقائد: “حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن» .انتهى

قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي : “ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ” إذ جعلوا صِفاته تتساعد وتتعاضد على حَمل مخلوقاته, وإنما ذكر الشرك في الآية ردا عليهم”. انتهى

كما في دفع شبه التشبيه للتقي الحصني

– الثالث: أنها صفات بلا كيف، ليست على معنى الجارحة و ليست جزء من اليد أو الكف، أو غيرها، ويجب تفويض معناها لله عز وجل. وهو مذهب البغوي في شرح السنة و ابن بطة و غيرهما من العلماء.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/16PQeyjRJY/

وقال البغوي: “الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله سبحانه وتعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل”. انتهى

وهذا مذهب مرجوح، لذلك لم يذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم، ونصه : ” هذا من أحاديث الصفات ، وفيها القولان السابقان قريبا : أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى ، بل يؤمن بأنها حق ، وأن ظاهرها غير مراد . قال الله تعالى : ليس كمثله شيء.

والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها ، فعلى هذا ، المراد المجاز كما يقال : فلان في قبضتي، وفي كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي. ويقال : فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت أي أنه مني على قهره والتصرف فيه كيف شئت . فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء ، لا يمتنع عليه منها شيء ، ولا يفوته ما أراده ، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه . فخاطب العرب بما يفهمونه ، ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم . فإن قيل : فقدرة الله تعالى واحدة ، والإصبعان للتثنية ، فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوا غير مقصود به التثنية والجمع . والله أعلم “. انتهى

وخالف في ذلك المجسمة فزعموا أن لله أصابع حقيقية مجهولة الكيف. وهي جزء من يده والعياذ بالله.

قال محمد خليل هراس في تعليقه على توحيد ابن خزيمة : “ومن أثبت الأصابع لله فكيف ينفي عنه اليد , والأصابع جزء من اليد؟”. انتهى

فصرح هنا بلفظ “جزء” , ولا يُعلم ما الذي أوصله إلى اعتقاد كون الأصابع جزء من اليد سوى رسوخ التجسيم في قرارة معتقده.

وقال ابنُ القيِّم في صواعقه: “وَإِذَا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ مَعَ عَظَمَتِهَا وَسَعَتِهَا يَجْعَلُهَا عَلَى إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَالْأَرْضُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْبِحَارُ عَلَى إِصْبَعٍ، فَمَا ‌الظَّنُّ ‌بِالْيَدِ ‌الْكَرِيمَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ؟”. انتهى

ولينظر كيف انتقَل ذهنه من مُقارنةٍ في الحَجم بين أصابع ربِّه وهذه المخلوقات العظيمة، إلى تَصوُّر تلك الأصابع باعتبارها جُزءًا مِن يدٍ ذات حَجمٍ أكبر وأكبر، ضخمة جدًّا ومُتَرامية الأطراف، على نحوٍ يُشبه المعهود في يَد المخلوق.

وقال الفوزان في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، بعد أن ذكر حديث الأصابع، ما نصه: ” فهذه خمسة أصابع عليها جميع المخلوقات العلوية والسفلية، كلّ إصبع عليه خلْقٌ من خلقه سبحانه وتعالى”.انتهـى

وقال عبد الله الغنيمان في شرح العقيدة الواسطية: “واليدان لها أصابع كما ثبت في الصحيحين، وكل يد لها ‌خمسة ‌أصابع كما ثبت ذلك”. انتهى

*****

حديث “ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن”

روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»

و ذكر الطبري في تفسيره أن النواس بن سمعان الكلابي قال سمعت الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ” ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن : إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه . وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ” انتهى

ومعنى الحديث أن الله يتصرف بقلوب العباد كما يشاء بلا ممانع ولا مضاد لأن الله قدرته كاملة تامة. وهذا أسلوبٌ من أساليبِ البلاغة في اللغةِ العربية. الرسول صلى الله عليه وسلم شرح هذا الحديث فقال: “إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه”, وهذا فيه دليل على التأويل التفصيلي.

فالرسول صلى الله عليه وسلم أوّل الحديث وفسّـره على ما يليق بالله. قال “إن شاء أقامه” أي إن شاء الله أقام قلب ذاك الإنسان وجعله على الصواب، “وإن شاء أزاغَهُ” أي إن شاء الله تعالى أزاغه أي حركه إلى الباطل والضلال.

ثم قال عليه السلام زيادةً في البيانِ وتفويضًا للأمور إلى اللهِ تعالى: ” يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك “

معناه يا الله أنت الذي تصرِّف القلوب، أنت توجهها كما تشاء، إن شئت تُوجهها الى الخير وإن شئت تصرفها إلى الضلالِ، ” ثبت قلوبنا على دينك ” أي اجعل قلوبنا ثابتة على دينك فأنت مالكُ الأمرِ كلِه. ولذلكَ كان الْمُسْلِمِونَ المؤمنونَ الرَّاسِخِونَ في العِلْمِ يقولون “رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بعد إذْ هَدَيْتَنَا” – -ءال عِمْران: 3-

وبعضُ الجهَّال يفسِّرون الحديثَ على حَسَبِ ما تُمْلِيهِ عليهِم أهواؤُهم ، فيظنُّون أنَّ لله تعالى أصابعَ مُحْدَثَةً كأصابعِ الإنسانِ. الله سبحانَه ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ وهو مُنَزَّهٌ عنِ الأجسامِ والْمُحْدَثَاتِ . ومن المعروفِ أنَّ الأصابعَ تكونُ أعضاءً مُرَكَّبَةً من لحمٍ وعظمٍ وأعصابٍ وتشتملُ على الأناملِ والأظفارِ ، وهي نابتةٌ في الكَفِّ ، مخلوقةٌ مُحْدَثَةٌ قابلةٌ للفَناء .

والله سبحانَه مُنَزَّهٌ عنِ التركيبِ والجوارح . فلا يجوزُ فَهْمُ الحديثِ على هذا المعنى، بل يجبُ تأويلُه، أي إخراجُه عن ظاهرِه.

وهذا المعنى ذكره شيخ المجسمة ابن تيمية في التدمرية حيث قال: ” “فإنه ليس في ظاهره أن القلب متَّصل بالأصابع، ولا مماسّ لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ ما يقتضي مباشرتَه ليديه، وإذا قيل: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} – البقرة: 164- لم يقتض أن يكون مماسًّا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة”. انتهى

و قال القاري في مرقاة المفاتيح: ” وأما مثل هذا الحديث فليس في الحقيقة من أقسام الصفات ، ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الاسم ، فوجب تخريجه على وجه يناسب نسق الكلام”. انتهى

و قال الملا علي القاري أيضا: “إِطْلَاقُ الْأُصْبُعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَجَازٌ أَيْ: تَقْلِيبُ الْقُلُوبِ فِي قُدْرَتِهِ يَسِيرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ، كَمَا يَقُولُ: فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي أَيْ: كَفِّي، لَا يُرَادُ أَنَّهُ فِي كَفِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَفُلَانٌ بَيْنَ أُصْبُعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ أَيْ: إِنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيَّ قَهْرُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأُصْبُعَيْنِ صِفَتَا اللَّهِ، وَهُمَا صِفَةُ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبِصِفَةِ الْجَلَالِ يُلْهِمُهَا فُجُورَهَا، وَبِصِفَةِ الْإِكْرَامِ يُلْهِمُهَا تَقْوَاهَا. أَيْ: يُقَلِّبُهَا تَارَةً مِنْ فُجُورِهَا إِلَى تَقْوَاهَا، وَتَارَةً مِنْ تَقْوَاهَا إِلَى فُجُورِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَيْنَ أَثَرَيْنِ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، وَقَهْرِهِ أَيْ: قَادِرٌ أَنْ يُقَلِّبُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ. قال القاضي : نسب تقليب القلوب إليه تعالى إشعارا بأنه تعالى تولى بذاته أمر قلوبهم ، ولم يكله إلى أحد من ملائكته ، وخص الرحمن بالذكر إيذانا بأن ذلك التولي محض رحمته كيلا يطلع أحد غيره على سرائرهم ، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم “. انتهى

و جاء في “فتاوى العز بن عبد السلام” مانصه: ” ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء” – رواه مسلم-، وهل يخرج الإنسان عن الواجب عليه بقوله: ما أقول في القرآن ولا في أحاديث الصفات شيئا، بل أعتقد في ذلك ما كان يعتقده السلف الصالح، والكلام فيه بدعة وأمرّ الأمر على الظاهر، أم لا بد في الاعتقاد من جزم؟

الجواب: “معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن”: أن الله مسؤول عليه بقدرته وتصريفه كيف يشاء من كفر إلى إيمان، ومن طاعة إلى عصيان أو عكس ذلك، وهو كقوله تعالى: “تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ” – الملك: 1-، وقوله: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى” – الأنفال: 70- ، ومعلوم أنهم لم يتركوا في أيدي المسلمين التي هي جوارح، وإنما كانوا تحت استيلائهم وقهرهم، وكذلك قول الخاصة والعامة: في يد فلان العبد، والدابة في يد فلان، ومعلوم أن ذلك استيلاؤه وتصرفه، وليس في يده التي في جارحته وكذلك قوله: “أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ” – البقرة: 237- ، ليست هي عقدة النكاح التي هي لفظ بيده التي هي جارحة، وإنما ذلك عبارة عن قدرته واستيلائه وتمكنه من التصرف فيها. ومن يقول : إنه يعتقد في ذلك ما يعتقده السلف فقد كذب، كيف يعتقد ما لم يشعر به، ولم يقف على معناه، وليس الكلام في هذا بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة، واجبة لما ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه، إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله ورسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم، وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك، ولا يردون على ذلك، ولا يردون على قائله، ولا نقل عن أحد من الصحابة شيء من ذلك إذ لا تدعو الحاجة إليه. والله أعلم.” انتهــــى

و جاء في بحر الكلام للشيخ الإمام أبو المعين ميمون بن محمد النسفي المتوفى سنة 508هجري عن الأصمعي أنه أول الإصبعين فقال: “بين أثرين من آثار الرحمن وهو التوفيق والخذلان ، فمن وفقه الله يشتغل بالطاعة ، ومن خذله يشتغل بالمعصية”. انتهى

و ذكر البيهقي في الأسماء و الصفات بعد أن أورد حديث رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ ، وَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ ” ما نصه: ” فَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي حَاتِمٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ , قِيلَ : مَعْنَاهُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمُلْكِهِ ، وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقُلُوبَ مَحِلا لِلْخَوَاطِرِ وَالإِيرَادَاتِ وَالْعُزُومِ وَالنِّيَّاتِ ، وَهِيَ مُقَدِّمَاتُ الأَفْعَالِ ، ثُمَّ جَعَلَ سَائِرَ الْجَوَارِحِ تَابَعَةٌ لَهَا فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ ، وَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالا مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ ، لا يَقَعُ شَيْءٌ دُونَ إِرَادَتِهِ ، وَمَثَّلَ لأَصْحَابِهِ قُدْرَتَهُ الْقَدِيمَةَ بِأَوْضَحِ مَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، لأَنَّ الْمَرْءَ لا يَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَيْنَ نِعْمَتَيِ النَّفْعِ وَالدَّفْعِ ، أَوْ بَيْنَ أَثَرَيْهِ فِي الْفَضْلِ وَالْعَدْلِ ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَخْبَارِ : ” إِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ ” . وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ : ” يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي ” . وَإِنَّمَا ثَنَّى لَفْظَ الإِصْبَعَيْنِ وَالْقُدْرَةُ وَاحِدَةٌ لأَنَّهُ جَرَى عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ لَفْظِ الْمَثَلِ . وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي تَأْكِيدِ التَّأْوِيلِ الأَوَّلِ بِقَوْلِهِمْ : مَا فُلانٌ إِلا فِي يَدِي ، وَمَا فُلانٌ إِلا فِي كَفِّي ، وَمَا فُلانٌ إِلا فِي خِنْصَرِي ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، لا أَنَّ خِنْصَرَهُ يَحْوِي فُلانًا ، وَكَيْفَ يَحْوِيهِ وَهِيَ بَعْضٌ مِنْ جَسَدِهِ ؟ وَقَدْ يَكُونُ فُلانٌ أَشَدَّ بَطْشًا وَأَعْظَمَ مِنْهُ جِسْمًا”. انتهى

و أما ما رواه الدارقطني في الرؤية قال: “حدثنا الحسين بن محمد بن سعيد المطبقى حدثنا محمد بن منصور الطوسى حدثنا أبو أحمد الزبيري قال سفيان عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: كان رسول الله يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقال له بعض أهله أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به, فقال: إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن عز و جل يقول بهما هكذا. وحرك أبو أحمد أصبعه “. انتهى

فلا يثبت ذلك عن الحافظ الدارقطني لأن كتاب ” الرؤية ” المنسوب له طبع من نسخة خطية وحيدة ، من محفوظات خزانة الاسكوريال – مدريد – إسبانيا، وهي مجهولة الناسخ، وتاريخ النسخ، وفيها سقط ونقص.

وهذا الكتاب لا يثبت أنه من تصنيفه. فقد جاء من رواية جماعة عن الحافظ ابي العلاء العطار بقراءته على الشيخ أبي العز أحمد بن عبيد الله بن محمد بن كادش براويته عن أبي طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري عن أبي الحسن الدارقطني.

وهذا سند لا يصح، ولا تثبت به نسبة كتاب ” الرؤية ” للحافظ الدارقطني لعدة أمور:

– سند الكتاب منقطع؛ إذ أنّ آخر من حدث به من الرواة المعروفين هو الحافظ أبو العلاء العطار، المتوفى سنة 569 هـجري. ومن رواه عنه هم جماعة مجهولون.

– هذا السند فيه أبو العز بن كادش.

قال الحافظ ابن النجار عنه كما في ” لسان الميزان ” للحافظ ابن حجر العسقلاني:” كان مخلطا كذابا لا يحتج بمثله وللائمة فيه مقال ” .انتهى

وقال الذهبي عنه في ” الميزان ” 1 / 118: ” أقر بوضع حديث وتاب وأناب ” انتهى

وقال السمعاني : “من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه “. انتهى

وقال ابن الانماطي : ” كان مخلطا ” كما في اللسان.

وقال ابن حجر في ” اللسان ” : ” وقال ابن عساكر : قال لي أبو العز ابن كادش وسمع رجلا قد وضع في حق علي حديثا ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثا بالله أليس فعلت جيدا” انتهى

قال الحافظ الذهبي في ” سير أعلام النبلاء “:” قال عمر بن علي القرشي : سمعت أبا القاسم علي بن الحسن الحافظ يقول : قال لي ابن كادش : وضع فلان حديثا في حق علي ، ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثا ، بالله أليس فعلت جيدا ؟ قلت : هذا يدل على جهله ، يفتخر بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ” انتهى

وقد استدل بعض المجسمة لاثبات نسبة الكتاب للدارقطني بما قاله ابن أبي يعلى والذهبي. على أن ابن أبي يعلى والذهبي لم يجزما بثبوت نسبة كتاب الرؤية للدارقطني، أو بثبوت تعدد روايته وطرقه. فقد قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: “و حكى لي بعض أصحاب الحديث قال: قرئ كتاب الرؤيا للدارقطني على أبي طالب العشاري” انتهى

و هذه العبارة حكاية مرسلة، مجهول قائلها، ولا حجية لها.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ما نصه: “وقيل: إنّ رجلاً قرأ على العشاري كتاب الرؤيا للدارقطني ” انتهى

و هذه العبارة صدرت بلفظة “قيل” وهي من صيغ التمريض الأدائية، وهي دالة على الاسترابة وعدم ثبوت ما بعدها.

****

بيان أن إجراء حديث اليهودي على ظاهره مشكل على مذهب المجسمة

إجراء حديث اليهودي على ظاهره يبطل مسألة البينونة التي يدعي المجسمة انهم يعتقدونها، ويصبح هذا الأثر حجة للحلولية والنصارى والباطنية وغلاة الرافضة لأن الحديث يدل أن كل ذلك في الدنيا لا الآخرة.

جاء في مسند الحافظ أبي يعلى الموصلي : ” حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ كُلَّهَا عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا الْمَلَكُ ، قَالَ: «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ»: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، الْآيَةُ، فَقُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: أَفِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: فِي الدُّنْيَا”. انتهى

قال حسين سليم أسد، محقق مسند أبي يعلى : إسناده صحيح”. انتهى

قال الحافظ أبو عوانة في مستخرجه: “حدَّثَنَا أبو جعفر الدَّقيقي، قال: حدَّثَنَا محمد بن الصبَّاح، قال: حدَّثَنَا جَريرُ ، ح.

وحدَّثنا أبو جعفر بن الجُنيد، قال: حدَّثَنَا إسحاق بن إسماعيل الطَّالِقَاني، قال: حدَّثَنَا جرير، وأبو معاوية ، عن الأعمش، ح.

وحدَّثنا محمد بن معاذ المروزي، قال: حدَّثَنَا خَلَف بن سالم ، قال: حدَّثَنَا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول اللَّه ﷺ، فقال: إنّ الله يُمسِكُ السماوات على إِصْبَع، والأرض على إِصْبَع، والجبال والشجر على إِصْبَع، والماء والثَّرى على إِصْبَع، والخلائق كلها على إِصْبَع. ثمَّ يقول: أنا الملك. قال: فضحِك رسول اللّه ﷺ حتَّى بدت نَواجِذه، ثمَّ قرأ هذه الآية: ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ” .

قال الأعمش: فقلت لإبراهيم: أفي الدُّنيا هذا، أم في الآخرة؟ قال: في الدُّنيا. هذا لفظ ابن الجُنيد. ورواه جَريرُ فقال وزاد فيه: “تصديقًا له، تعجُّبًا لما قال”. انتهى

فعلى هذا لا يبقى أمام المجسمة إلا ثلاث خيارات تنقض معتقدهم:

– الأول: أن يُجروا الحديث على ظاهره الحسي فيصيروا بذلك جهمية، يقولون ان الله بنفسه حال في خلقه غير بائن منهم.

– الثاني: أن يحكموا بشذوذ الحديث ونكارة متنه وهذا لا يتناسب مع مذهبهم في أخبار الآحاد فهي عندهم تفيد العلم.

– الثالث: أن يحملوا الحديث على المجاز والتمثيل وهذا تأويل وهو كفر في مذهبهم .

****

في بيان قول ابن عباس رضي الله عنهما وابن جبير أن إثبات اليهودي الأصابع لله من الشرك

قال أبو الشيخ في العظمة: ” أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ، قال : ” تكلمت اليهود في صفة الرب تبارك وتعالى ، فقالوا ما لا يعلمون ولم يدروا ، فأنزل الله عز وجل ” وما قدروا الله حق قدره” ، ثم بين عظمته للناس ، فقال : ” والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون “، فجعل صفتهم التي وصفوا بها الله تبارك وتعالى شركا ” . انتهى

و قال البيهقي في الأسماء والصفات: “قال أبو سليمان رحمه اللّه: و هذا قول النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لفظه جاء على وفاق الآية من قوله عز و جل: وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‌، ليس فيه ذكر الأصابع، و تقسيم الخليقة على أعدادها، فدل أن ذلك من تخليط اليهود و تحريفهم، و أن ضحك النبي صلى اللّه عليه و سلم إنما كان على معنى التعجب منه، و النكير له. و اللّه أعلم.

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَا: نا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا الْحَسَنُ يَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ‌إِنَّ ‌الْيَهُودَ ‌وَالنَّصَارَى ‌وَصَفُوا ‌الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ثُمَّ بَيَّنَ لِلنَّاسِ عَظَمَتَهُ، فَقَالَ: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] فَجَعَلَ وَصْفَهُمْ ذَلِكَ شِرْكًا”.

هذا الأثر عن ابن عباس إن صح يؤكد ما قاله أبو سليمان رحمه اللّه. و قال أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري رحمه اللّه: إنّا لا ننكر هذا الحديث و لا نبطله لصحة سنده، و لكن ليس فيه أن يجعل ذلك على اصبع نفسه”. انتهى

ورجال هذا السند كالتالي:

– أبو عبد الحافظ : هو الحاكم صاحب المستدرك:

قال الحافظ ابن الملقن في العقد المذهب: “قام الإجماع على ثقته”. انتهى

و وثقه أيضا أبو اسماعيل الهروي مع اتهامه بالرفض بزعمه.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/17nLoc5pDa/

– أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ: هو محمد بن يعقوب الأصم راوية الربيع ثقة حافظ، كان البيهقي يعول عليه كثيرا في نقل تفسير أحكام القرآن للشافعي. وقال أبو أحمد الحاكم : سمعت ابن أبي حاتم يقول : ما بقي ” لكتاب المبسوط ” راو غير أبي العباس الوراق ، وبلغنا أنه ثقة صدوق . انتهى

– الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ: قال الدارقطني: الحسن، وأخوه محمد ثقتان. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة حدثنا عنه ابن الأعرابي. كما في تهذيب التهذيب. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق. كما في الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة. وجاء في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ما نصه: “كتبنا عنه، وهو صدوق”. انتهى

– الْحَسَنُ ابْنَ عَطِيَّةَ: هو ابن نجيح القرشي.

قال أبو حاتم : صدوق . وقال الحافظ في تقريب التهذيب: صدوق من التاسعة.

– يَعْقُوبَ بن عبد الله الْقُمِّيِّ: قال أبو القاسم الطبراني: كان ثقة. وذكره بن حبان في الثقات. وقد روى له الأربعة واستشهد به البخاري في صحيحه في كتاب الطب. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الذهبي: صدوق. وليس هو ابن بابويه القمي الرافضي كما ظن بعض المتأخرين.

– جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ: ثقة وروايته عن سعيد بن جبير صحيحة. راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/16vXEU8wng/

– سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ: ثقة.

وإنما كان كلام اليهود شركا لأنهم مجسمة أثبتوا لله أصابع مركبة على اليد.

وكلام الصحابي والتابعي هنا مقدم على كلام بعض الرواة ممن توهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك من كلام اليهودي تصديقا لكلامه

****

حديث ابن مسعود الذي ورد فيه ذكر الأصابع

تستدل المجسمة لاثبات الأصابع لله بالحديث الذي رواه الشيخان و الترمذي و غيرهم من طريق ابن مسعود أن يهوديا ذكر للنبي أن الله يُمسك الخلائق على أصابع فضحك النبي تصديقا له.

فقد روى الترمذي في سننه ما نصه : “حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثني منصور وسليمان الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه: “قال وما قدروا الله حق قدره” قال هذا حديث حسن صحيح. حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح”. انتهى

ورواه البخاري ، والإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذي والنسائي في سننيهما ، كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش ، عن إبراهيم عن عبيدة ، عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه بنحو ذلك.

قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي مانصه: “زاد شيبان بن عبد الرحمن ” تصديقا لقول الحبر ” وفي رواية فضيل المذكورة هنا ” تعجبا وتصديقا له ” وعند مسلم ” تعجبا مما قال الحبر تصديقا له ، وفي رواية جرير عنده ” وتصديقا له ” بزيادة واو ، وأخرجه ابن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور ” حتى بدت نواجذه تصديقا لقوله .” انتهى

فعبارة ” تصديقا له” هي زيادة من عند بعض الرواة وليست هي من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه. فقد قال أبو سليمان الخطابي: ما نصه: “وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم من قول الحبر فيحتمل الرضا والإنكار ، وأما قول الراوي ” تصديقا ” له فظن منه وحسبان ، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة” . انتهى

نقله ابن حجر في الفتح 13/398

و قال القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري مانصه: “هذا من شديد الإشتباه وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة، وروي الحديث من غير واحد فلم يذكروا قوله صلى الله عليه وسلم إنه تعجب من قول الحبر تصديقاً لقوله بل ذكروا أنه صلى الله عليه وسلم تعجب من كذب اليهودي”. انتهى

و من جملة الأدلة على أن عبارة ” تصديقا له” أو ” تعجبا وتصديقا له ” أو غيرها من العبارات ليست من كلام ابن مسعود ما رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد 179/1 باسناده عن ابن مسعود ونص عبارته: “أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ من أهلِ الكتابِ ، فقال : يا أبا القاسمِ : أَبَلغَك أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحمِلُ الخلائقَ على أصبعٍ ، والسَّماواتِ على أصبعٍ ، والأرْضين على أصبعٍ ، والشَّجرَ على أصبعٍ ، والثَّرَى على أصبعٍ ، قال : فضحِك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بدت نواجذُه ، قال : فأنزل اللهُ تعالَى : “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” .انتهى

واسناده صحيح كما ذكر ابن خزيمة. وروى أبو نعيم أيضا في حلية الأولياء 7/141 ما نصه: “جاءَ جَائِي من أَهلِ الكتابِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال : يا محمَّدُ ! إنَّ اللَّهَ يَضعُ السَّماواتِ على أصبَعٍ ، والجبالَ على أصبَعٍ ، والشَّجرَ على أصبَعٍ ، والماءَ والثَّرى على أصبَعٍ ، ثمَّ يقولُ : أنا الملِكُ ؟ فضحِك رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بدَت نواجِذُه ، ثمَّ قال : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” .انتهى

وقد جزم كثير من العلماء بأن ضحك الرسول عليه الصلاة و السلام هو من باب الانكار عليه لا التصديق له. فقد نقل ابن العربي في تحفة الأحوذي ما نصه: “قال القاضي : وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته الآية تصديقا للحبر بل هو رد لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك. وقوله : تصديقا له إنما هو من كلام الراوي على ما فهم والأول أظهر” انتهى

ونقل عبارة القاضي عياض أيضا، الإمام النووي في شرحه على مسلم.

وقال الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير جزء 23 صحيفة 64 ما نصه: “وإنما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاءً بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقةً، وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، ولذلك أعقبه بقراءة: “وَمَاقَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ” لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ماتوهّمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية، وذلك معروف من اعتقادهم، وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم”. انتهى

و قال أحمد بن عمر القرطبي في المفهم ما نصه: “قوله ” إن الله يمسك ” إلى آخر الحديث ، هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وأن الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة ، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ، ولهذا قرأ عند ذلك “وما قدروا الله حق قدره” أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة ، وأما من زاد ” وتصديقا له ” فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حق الله محال ؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال ، فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال ، ولذلك أنزل الله في الرد عليه “وما قدروا الله حق قدره” وإنما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جهله فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك ، فإن قيل قد صح حديث “إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن” فالجواب أنه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه ، وأما إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه وقبحناه ، ثم لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقا له في المعنى بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه ، ونقطع بأن ظاهره غير مراد”. انتهى

فالرسول قد أنكر عليه ولم يصدقه بدليل قرائته للآية: ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ “

قال أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب الإمام أحمد: “ما قدروا الله حق قدره” إذجعلوا صفاته تتساعد وتتعاضد على حمل مخلوقاته, وإنما ذكر الشرك في الآية ردا عليهم”. انتهى

قال الإمام تقي الدين الحصني الشافعي الدمشقي في كتابه “دفع شبه من شبَّه وتمرد” أن بعض أهل العلم قالوا:”قد نفى الله تعالى التشبيه عنه في قوله تعالى ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ” دفعا لما يتبادر إليه الفهم باعتبار المحسوسات. قال الأئمة: معناه ما عرفوه حق معرفته, وقال المبرد: ما عظموه حق عظمته”. انتهى

***

دعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي

هذه الزيادة مدارها على منصور بن المعتمر أو أحد الرواة عنه

كالفضيل بن عياض أو غيره، وأيضا على جرير فيما يرويه عن الأعمش

قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: “ثنا بندار في عقب خبره قال: ثنا يحيى قال: ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: “فضحك النبي ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. انتهى

وقال ابن خزيمة أيضا: “قال أبو موسى في عقب خبره: قال يحيى زاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. انتهى

وقال ابن المحب الصامت في صفات رب العالمين: “….عن منصور عن خيثمة عن علقمة عن ابن مسعود…..تصديقا لما قال”. انتهى

وذكر خيثمة هو خطأ نبه عليه الدارقطني في العلل

ومنصور هو ابن المعتمر. وابراهيم هو النخعي كما قال القسطلاني في ارشاد الساري، وعبيدة بن عمرو هو السلماني.

ودعوى قول ابن مسعود أن رسول الله ضحك تعجبًا وتصديقًا لليهودي، استشكله بعض الحفاظ. وجوابه من وجوه:

– الأول: هذه الزيادة شاذة وقد وردت العديد من الأسانيد لهذا الحديث وليس فيها تلك الزيادة.

فقد رواه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، في ثلاثة منها بدون ذكر تعجباً وتصديقاً، منها:

ما جاء في صحيح البخاري ما نصه: “حدثنا موسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، إن الله يضع السماء على إصبع ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر والأنهار على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يقول بيده : أنا الملك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : “وما قدروا الله حق قدره””. انتهى

وما جاء بسند آخر ذكره البخاري في صحيحه وهو كالتالي: حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، سمعت إبراهيم ، قال : سمعت علقمة يقول : قال عبد الله : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فقال : يا أبا القاسم ، إن الله يمسك السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر والثرى على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك أنا الملك ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ : “وما قدروا الله حق قدره” . انتهى

والأعمش هو سليمان، وابراهيم هو النخعي كما قال القسطلاني، وعلقمة هو بن قيس النخعي

فهذه الروايتين ليسا فيهما ان ابن مسعود قال: “فضحك النبي ﷺ تعجبًا وتصديقًا له”. بل صرح يحيي بن سعيد أنها من زيادة الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود.

قال القرطبي في المفهم: “أما ما زاده الرواة في متن الحديث من كلمة “تصديقا له”، فقد ذكر يحيي بن سعيد أنها من زيادة الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، ولا تعدو كونها زيادة من أحد الرواة، أو فهم خاص لم يتابعه عليه غيره من رواة الحديث.”. انتهى

فقوله “تعجبا وتصديقا” مدرج من كلام منصور بن المعتمر أو الراوي عنه وهو الفضيل بن عياض، وإدراجه بيّن لفصل البخاري له عن أصل المتن.

والفضيل بن عياض مع كونه ثقة إلا أن بعضهم ليّنه.

فقد جاء في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ما نصه: “نا عبد الرحمن قال: ذكره أبو زرعة قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: فضيل بن عياض رجل صالح، ولم يكن بحافظ”. انتهى

يعني كان رجلا يتعبد الله في غالب أوقاته وليس له اعتناء زائد بالحديث، أي لم يكن مهتما بعلم الحديث رواية ودراية.

وقال عنه ابن شاهين في “تاريخ أسماء الثقات “: قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة صدوقا، وليس بحجة “. انتهى

وذكر ابن المحب الصامت في كتابه صفات رب العالمين أكثر من راوي روى تلك الزيادة عن منصور.

راجع الصورة المرفقة.

ويوجد طريق آخر ذكر هذه الزيادة، فقد جاء في الأسماء والصفات للبيهقي: “ورواه جرير بن عبد الحميد عن الأعمش وزاد فيه: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تصديقا له تعجبا لما قال”. انتهى

فجعل الزيادة هنا واقعة لجرير

وكذلك نبَّه مسلم في صحيحه على أن الزيادة من بعض الرواة فقال : “وزاد في حديث جرير تصديقاً له تعجباً لما قال “، إشارة منه كذلك لضعف هذه الزيادة .

وجرير هنا وهِم وأخطأ فخالف جميع أصحاب الأعمش والرواة عنه كأبي معاوية الضرير، وحفص بن غياث النخعي، وعيسى بن يونس السبيعي، وسفيان الثوري، وأبو عوانة اليشكري ، وأبو معاوية وحفص بن غياث كلهم أثبت في الأعمش من جرير

ومع ذلك لم يرووها، وقد قال أحمد كما في علل الترمذي: “جرير لم يكن بالضابط عن الأعمش”.

ولا يستبعد أن يكون الوهم من الراوي عن جرير وهو عثمان بن أبي شيبة، فكلا الرجلين ساء حفظهما بآخرة وكانا يهمان، وكان وهم عثمان أشنع من وهم جرير .

وليس بمستبعد أن الفضيل و جرير قد بلغت أحدهما تلك الزيادة عن الآخر، فقال بما قال.

– الثاني: هذه المرويات وردت من طريق إبراهيم بن يزيد النخعي، وكان يرسل و يدلس. وقد حكم بعض المحدثين على مراسيله بالصحة، وأما تدليسه، فقد قال العلائي:” إبراهيم بن يزيد النخعي، ذكر الحاكم وغيره أنه مدلس، وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أخص الأشياء، وكانوا يتعجبون منه”. انتهى

و قال الحاكم في “معرفة علوم الحديث”: “وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبينه أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة، وسهم بن منجاب، وخزامة الطائي وربما دلس عنهم”. انتهى

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: “فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة”. انتهى

وابراهيم النخعي قد عنعن في هذه الأحاديث ولم يصرح بالسماع فلا يحكم بصحة السند.

ثم إن عنعنة إبراهيم النخعي وردت مرة عن عبيدة بن عمرو السلماني ومرة عن علقمة بن قيس النخعي.

فأما عبيدة، فلعل ما يرجح انقطاع سماع إبراهيم منه في هذا الحديث، ما جاء في كتاب السنة قبل التدوين لمحمد عجاج بن محمد تميم بن صالح بن عبد الله الخطيب، حيث قال: ولم يرض عبيدة أن يكتب عنده أحد، ولا يُقرأ عليه أحد، وقد نصح إبراهيم فقال له: «لا تخلدن عني كتابٍا، وقبل وفاته دعا بكتبه فأحرقها، وقال: «أخشى أن يليها قوم فيضعوها غير مواضعها». وكره إبراهيم النخعي أن تُكتب الأحاديث في الكراريس، وتشبِّه بالمصاحف، وكان يقول: «ما كتبت شيئًا قط» حتى إنه منع حمّاد بن سلمة من كتابة أطراف الأحاديث، ثم تساهل في كتابتها، قال ابن عون: «رأيت حمادًا يكتب عن إبراهيم، فقال له إبراهيم: ألم أنهك؟ فقال: إنما هي أطراف» . انتهى

وأما علقمة، فليس في رواية ابراهيم النخعي عنه عن ابن مسعود دعوى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للحبر

ومع ذلك فقد ذكر عبد الرحمن بن مهدي ان ابراهيم لم يسمع من علقمة.

قال ابن ابي حاتم : ” حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ سَمِعْتُ مُسَدَّدًا يَقُولُ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ سَمِعَ مِنْ عَلْقَمَةَ”. انتهى كما في كتاب المراسيل

فإذا كان إبراهيم لم يسمع من علقمة فمن باب أولى أن لا يسمع من عبيدة، لانهما من طبقة واحدة.

وأورد الدارقطني في علله عنعنة أخرى لابراهيم عن همام بن الحارث، ونصه: “وقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ”. انتهى

– الثالث: ورد عن ابن مسعود أنه قال: “فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا”، فأما ضحك النبي تعجبا، فكان بسبب جرئة الحبر اليهودي على تجسيم خالقه، وأما ضحكه تصديقا، فلا يتعلق بذكر الأصابع أصلا، بل على قدرة الله على تدبير السموات والأرض.

وهذا ما فهمه الحافظ ابن حبان، حيث قال تحت ذكر ترك إنكار المصطفى صلى الله عليه وسلم على قائل ما وصفنا مقالته: ” أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال : جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والخلائق كلها على إصبع ، ثم يهزهن ، ثم يقول : أنا الملك ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا لما قال اليهودي تصديقا له ، ثم قرأ : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة. انتهى

فالتعجب كان من تجسيمه، وقد أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” وما قدروا الله حق قدره”، وردّ عليه مقالته بقوله: “والأرض جميعا قبضته يوم القيامة”. انتهى

أي أن ذلك بأمر الله وتدبيره ، وهذا هو الذي صدق فيه النبي ذلك الحبر، لا أنه صدّقه في اثبات أصابع لله عز وجل.

فالآية التي قرأها النبي فيها الردّ على قول اليهودي المجسِّم الذي أثبت لله تعالى الأصابع على المعنى الحسي، إذ جاء النص القرآني بقوله تعالى: “والأرضُ قبضتُه يومَ القيامة”، وهو تعبير كِنائيّ في لسان العرب يُراد به إثبات كمال القدرة والسلطان، لا إثبات الجارحة. فمفاد الآية الإقرار بوقوع التدبير على الكون، غير أنّ هذا التدبير ليس على الوجه الذي زعمه القائل بإثبات الأصابع، بل هو واقع بقدرة الله تعالى المطلقة. وأما جهة الإنكار والتقريع، فقد نصّت عليها الآية بقولـه سبحانه: “وما قدروا الله حقَّ قدره”، وقوله: “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” إذ في ذلك نفي لما توهّموه من التشبيه والتنقيص

– رابعا: لا تَثْبت الصفة لله بقول صحابي أو تابعي إلا بما صَحَّ من الأحاديث النبوية المرفوعة المتفق على توثيق رواتها، فلا يُحْتج بالضعيف ولا بالمختلف في توثيق رواته حتى لو ورد إسنادٌ فيه مُخْتَلَف فيه وجاء حديث آخر يَعْضده فلا يُحْتَج به.

قال الوهابي المدعو محمد صالح المنجد

في موقعه على النت المسمى موقع الإسلام سؤال وجواب فتوى 169676، ما نصه: ” قاعدة أهل السنَّة رحمهم الله عدم إثبات صفات لله تعالى من كلام أحدٍ من الصحابة أو التابعين ، وإنما تُثبت صفات لله تعالى من نصوص القرآن والسنَّة الصحيحة .

وراجع أقوال العلماء في طريقة إثبات الصفات:

https://www.facebook.com/share/p/1Bu7L1nMza/

روابط ذات علاقة:

دعوى قول ابن مسعود أن الرسول ضحك تعجبا وتصديقا لقول اليهودي

https://www.facebook.com/share/p/17pqha3dQf/

حديث ابن مسعود الذي فيه أن الله يمسك الخلائق على أصابع

https://www.facebook.com/share/19RDZQpjHV/

***

في بيان معنى ضحك النبي من اليهودي الذي نسب الأصابع لله عز وجل

ورد في بعض الروايات أن النبي ضحك تصديقا لكلام يهودي نسب الأصابع لله، وهذا توهمه بعض الرواة و ليس من كلام النبي صلى الله عليه و سلم، وهو تفسير باطل مردود:

قال سهل بن عبد الله التستري في تفسيره عند قوله تعالى “وما قدروا الله حق قدره” – الزمر :67- أي ما عرفوه حق معرفته في الأصل والفرع”. انتهى

وجاء في تفسير الماوردي: “ما وصفوه حق صفته، قاله قطرب”. انتهى

وجاء في الأحاديث القدسية من الصحاح ما نصه: “قال القسطلاني: “هذا من شديد الإشتباه وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة، وروي الحديث من غير واحد فلم يذكروا قوله صلى الله عليه و سلم إنه تعجب من قول الحبر تصديقاً لقوله بل ذكروا أنه صلى الله عليه و سلم تعجب من كذب اليهودي” انتهى.

و قال النووي في شرح مسلم “قوله ” فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له ، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ” ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم صدق الحبر في قوله إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالاصابع. قال القاضي: وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه صلى الله عليه و سلم وتعجبه تصديقاً للحبر ، بل هو رد لقوله وإنكار تعجب من سوء اعتقاده ، فإن مذهب اليهود التجسيم“. انتهى

وقال الحافظ في الفتح بعد ذكره للحديث: ” ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي ، فإن اليهود مشبهة وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين ، وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم من قول الحبر فيحتمل الرضا والإنكار ، وأما قول الراوي ” تصديقا ” له فظن منه وحسبان ، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة ” انتهى

ثم قال: ” قال القرطبي في المفهم قوله ” إن الله يمسك ” إلى آخر الحديث ، هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وأن الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة ، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ، ولهذا قرأ عند ذلك وما قدروا الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة ، وأما من زاد ” وتصديقا له ” فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حق الله محال ؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال ، فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال ، ولذلك أنزل الله في الرد عليه وما قدروا الله حق قدره وإنما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جهله فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك”. انتهى

والذم و الإنكار على اليهودي هو الذي فهمه ابن عباس من نزول الآية ” وما قدروا الله حق قدره”.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/14R6VWBxn4T/

وقد اعترض ابن خزيمة المجسم على من قال أن الضحك هنا على سبيل الإنكار كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري حيث قال: “وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار ، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في ” كتاب التوحيد ” من صحيحه بطريقه قد أجل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف ضحكا ، بل لا يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف من يؤمن بنبوته”. انتهى

وما قاله ابن خزيمة مردود فإن النبي صلى الله عليه وسلم تعجب وضحك من جهله ومع ذلك ما سكت له بل قرأ قوله تعالى:” وما قدروا الله حق قدره”.

فالله عز و جل قد أجل قدرَ نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يوصف الخالق بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه ولا ينكر وقد فعل فعلين كل واحد مهما يدل على إنكاره عند العقلاء. الأول هو الضحك استخفافاً من هذا القول الذي تمجه الأسماع ولا تخفى ركاكته وتهافته على منزه فإذا كانت الأرضون على إصبع فكيف تكون الجبال على إصبع غيره ثم يكون الشجر على إصبع آخر والماء على إصبع وكل ذلك من الأرض؟ هل هذا إلا من شر البلية!.

والثاني هو قراءة الآية الكريمة وتدل على الإنكار و عدم تقدير الله حق قدره وأنه قول الكفار المشركين. ويشهد له ما أخرجه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير قال تكلمت اليهود في صفة الرب فقال ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم “وما قدروا الله حق قدره” ثم بين للناس عظمته فقال: “والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون” فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركاً .

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في شرحه لقول الله تعالى ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ – سورة الزمر 67- ما نصه: ” وقول الراوي : تصديقاً لقول الحَبر ، مُدرَج في الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه : «المفهم على صحيح مسلم» ، وقال الخطّابي رَوى هذا الحديث غيرُ واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عَبِيدة فلم يذكروا قوله تصديقاً لقول الحَبر ، ولعله من الراوي ظَنٌّ وحسبان . ا ه ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة . وإنما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة ” وما قدروا الله حق قدره ” لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإِشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعاً على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف”. انتهى

و بطل بذلك أيضا ما قاله ابن تيمية في درء التعارض و نص عبارته: ” وكان اليهود إذا ذكروا بين يديه أحاديث في ذلك يقرأ من القرآن ما يصدقها كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن يهودياً قال للنبي إن الله يوم القيامة يمسك السموات على إصبع”. انتهى

قال الخطابي: “واليهود مشبهة وفي ما يدعونه منزلاً من التوراة ألفاظٌ تدخل في باب التشبيه وليس القول بها من مذهب المسلمين … وأما قول الراوي: تصديقاً له، فظن منه وحسبان، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة” انتهى

نقله عنه البيهقي في الأسماء و الصفات

وقد تكلف الوهابي أبوعبد الرحمن الحسن بن عبد الرحمن العلوي في الرد على الخطابي فقال في رسالته التي نال بها الماجستير, ” الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة”، صحيفة 165 : “إلا أن هذا لا يمنع من قبول ما وافقوا فيه الحق والصواب وكان مما شهد به التنزيل أو أقرته السنة.. وليس كل ما في التوراة باطل بل فيها الحق والصدق فيكون إذن هذا من ضمن ذلك الحق والصدق”. انتهى

ولعل الذي جرأه على هذا الكلام قول ابن تيمية في كتابه “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” : “وأما ما في التوراة من إثبات الصفات فلم ينكر النبي شيئا من ذلك بل كان علماء اليهود إذا ذكروا شيئاً من ذلك يقرهم عليه ويصدقهم عليه كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود.. وفي التوراة إن الله كتب التوراة بإصبعه..”

ولا نسلم لابن تيمية مثل هذا الهذيان لأن كلام الحبر لا يحتمل إلا الجارحة والعضو. و العجب منه كيف لا يرضى بحمل المتشابه على محكم التنزيه و يحمله على نحو ما في التوراة من القول بأن الله كتب التوراة بإصبعه مما هو محكم في الأعضاء والجوارح؟

والعجب من المدعو محمد بن عبد العزيز القرعاوي حيث قال في كتابه ” الجديد في شرح التوحيد”، في معرض كلامه عن فوائد هذا الحديث: “اتفاقَ اليهودية والإسلام في إثبات الأصابع لله على وجه يليق بجلاله”. انتهى.

وأعجب منه قول ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد صحيفة 363 : “سبب الضحك هو سروره حيث جاء في القرآن ما يصدق ما وجد هذا الحبر في كتابه لأنه لا شك أنه إذا جاء ما يصدق القرآن فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يسر به وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين أن القرآن من عند الله لكن تضافر البينات مما يقوي الشيء” انتهى

فلا يخفى أن القرآن أغنى ما يكون عن الحاجة إلى تصديق حبر وأن إيمان آحاد الناس بالقرآن لايزداد بهذه الرواية التي ذكرها الحبر. وإنما يفرح بهذه الرواية من كانت في قلبه زيغ وميل لتفسير القرآن بحسب هواه.

****

اختلاف ابن عيينة و الفضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر في قصة الحبر اليهودي الذي زعم أن الله يضع الخلائق على أصابعه

ذكر ابن المحب الصامت أن ابن عيينة و الفضيل بن عياض اختلفا في الرواية عن منصور بن المعتمر في قصة الحبر اليهودي الذي زعم أن الله يضع الخلائق على أصابعه.

فقال فضيل: على اصبع، وقال ابن عيينة: على هذه. فضحك النبي تصديقا لقول اليهودي.

وجاء في تفسير عبد الرزاق الصنعاني : “عن ابن عيينة ، وفضيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن رجل عن ابن مسعود ، قال جاء حبر من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إذا كان يوم القيامة وضع ربك السماوات على هذه يريد إبهامه والأرض على هذه يعني السبابة والجبال على هذه يعني الوسطى والنار والثرى على هذه يعني البنصر وسائر الخلق على هذه يعني الخنصر ثم قال هزهن فقال أين الملوك لي الملك اليوم قال فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول اليهودي إلا أن فضيلا ، قال على أصبع وقال ابن عيينة على هذه حتى ذكر فضيل الأصابع كلها”. انتهى

ففي هذه الرواية دلّس ابراهيم النخعي اسم شيخه الذي روى عنه

ثم إن رواية ابن عيينة تدل صراحة أن اليهودي كان يطلق لفظ الأصابع وهو يشير إلى أصابعه. وتؤكدها رواية ابن خزيمة في التوحيد: “حدثنا أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة – وهو يحيى بن المهلب – ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال: مر يهودي بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ، فقال : يا أباالقاسم ، ما تقول : إذا وضع الله السماء على ذه ، والأرضين على ذه ، والماء على ذه ، والجبال على ذه ، وسائر الخلق على ذه ، فأنزل الله : وما قدروا الله حق قدره “. انتهى

فهذا الحديث هو عن صحابي آخر وهو ابن عبّاس رضي الله عنه وليس فيه تصديق للـيـهودي، وقد صححه الترمذي وذكر رواية شيخه البخاري للحديث، وهذا منه إشارة لقبول البخاري له .

ونصه، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبُو كُدَيْنَةَ اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ.

رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ.

فبهذا يكون صحابيين حضروا الموقف وكل الرواة عن هذين الصحابيين رضي الله عنهم رووا الواقعة بأكملها على الوجه الصحيح، وتفرد راوٍ وحيد فقط من بين الرواة أجمعين بزيادة (تصديقاً لقول الحبر) الشاذة .

فلا خلاف أن المِثلَ والشبيه منتفي عن الله، فكيف يعده ابن مسعود تصديقا؟ وكيف يُقال إن النبي -عليه السلام- قد أقرّ اليهودي على كفر ومخالفة للملة؟

واختلاف الرواة عن منصور بن المعتمر تؤكد وجود اضطراب في الحديث.

بيان أن الأصابع المضافة لله عز وجل هي كناية عن القدرة والأمر والتدبير.

قال ابن فورك في تأويل مشكل الحديث : فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد ذكر فِي الْخَبَر الَّذِي رويتم قبل هَذَا أَصَابِع الرَّحْمَن وأضيف إِلَيْهِ أَفَرَأَيْتُم أَنه لَو أضَاف ذَلِك إِلَى نَفسه فَكيف يكون. قيل كَانَ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالْملك وَالسُّلْطَان على معنى قَول الْقَائِل: مَا فلَان إِلَّا بَين أُصْبُعِي إِذا أَرَادَ الْإِخْبَار عَن جَرَيَان قدرته عَلَيْهِ فَذكر مُعظم الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله تَعَالَى على جَمِيعهَا مُعظما لشأن الرب فِي قدرته وَملكه وسلطانه

فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كالمتعجب مِنْهُ أَنه مستعظم ذَلِك فِي قدرته وَأَن ذَلِك يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ وَلذَلِك قَرَأَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام “وَمَا قدرُوا الله حق قدره”

أَي لَيْسَ قدره فِي الْقُدْرَة على مَا يخلق على الْحَد الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم ويحيط بِهِ الْعد والحصر وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتمل مَا ذكرنَا من التَّأْوِيل وَكَانَ صرفه إِلَيْهِ أولى من صرفه إِلَى مَا يَسْتَحِيل فِي صفة الله عز وَجل” انته‍ى

ويشهد لتأويل الامام ابن فورك ما قاله الحافظ ابن كثير في تفسيره : قال : “ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره” كقوله : “ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه” – الحج : 65 – ، وقوله : ” إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا” – فاطر : 41 -. وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، إذا اجتهد في اليمين يقول : لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أي : هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها ، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم; ولهذا قال : ” ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون” كما قال تعالى : “يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ” – الإسراء : 52 – . وقال تعالى : ” فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة” – النازعات : 13 : 14 – ، وقال : ” إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ” – يس : 53 – ” انته‍ى

،فالسماء والأرض قائمات بأمر الله وقدرته وإذنه فهذا هو معنى الإصبع واليمين والقبضة الواردة في بعض الأحاديث.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading