بيان أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يروي من أسفار أهل الكتاب

روى الحميدي المتوفى سنة 219 هجري في مسنده أن رجلا جاء لعبد الله بن عمرو بن العاص وقال له حدثني بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثني عن العدلين.

والعدلان هما حملان أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فيهما أسفار أهل الكتاب.

و روى الإمام أحمد المتوفى سنة 241 هجري في مسنده أن أبا سعيد أتى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، ولا تحدثني عن التوراة والانجيل.

وذكره ابن كثير في جامع المسانيد والسنن.

وجاء في الرد على المريسي المنسوب لعثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة 280 هجري ما نصه: ” وكذلك ادعيت على عبد الله بن عمرو بن العاص وكان من أكثر أصحاب النبي رواية عنه معروفا بذلك فزعمت أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يرويها للناس عن النبي فكان يقال له ألا تحدثنا عن الزاملتين. ويحك أيها المعارض إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزاملتين من حديث أهل الكتاب يوم اليرموك فقد كان مع ذلك أمينا عند الأمة علي حديث النبي أن لا يجعل ما وجد في الزاملتين عن رسول الله ولكن كان يحكي عن الزاملتين ما وجد فيهما وعن النبي ما سمع منه لا يحيل ذاك على هذا ولا هذا على ذاك كما تأولت عليه بجهلك”. انتهى

فثبوتُ كونِ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يحدّث بما في أسفار أهل الكتاب أمرٌ مشهورٌ عنه في كتب الرواية والتاريخ، سواء أكانت تلك الأسفار ممّا أخذه من الزاملتين يوم معركة اليرموك أم من غيرهما. ولهذا السبب تكلّم بعضُ أهل العلم في بعض مروياته، ونبّهوا إلى ما قد يَرِد فيها من أخبار مأخوذة من الإسرائيليات:

– قال ابن فورك المتوفى سنة 406 هجري في تأويل مشكل الحديث وبيانه: “وقد قيل: إن عبد الله بن عمرو أصاب وسقين من الكتب يوم اليرموك، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حدثنا ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تحدثنا من وسقك يوم اليرموك”. انتهى

– و قال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فعبد الله بن عمرو قد كان ينظر في كتب الأوائل، فما لا يرفعه إلى النبي عليه السلام: يحتمل أن يكون مما رآه فيما وقع بيده من تلك الكتب”. انتهى

– و قال ابن كثير في تفسيره: “هذا حديث غريب جدا ، وسنده ضعيف ، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، . فأما رفعه فمنكر والله أعلم”. انتهى

وقال أيضا: “قال شيخنا أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال : وهو حديث حسن عزيز . قلت : تفرد بوصله بجير بن أبي بجير ، هذا شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال يحيى بن معين : ولم أسمع أحدا روى إسماعيل بن أمية .

قلت : وعلى هذا فيخشى أن يكون وَهَمَ في رفع هذا الحديث ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو ، مما أخذه من الزاملتين . قال شيخنا أبو الحجاج – بعد أن عرضت عليه ذلك – : وهذا محتمل ، والله أعلم” . انتهى

– وقال العيني في عمدة القاري: “في قلة حديث عبد الله بن عمرو هو أنه كان قد ظفر بجمل من كتب أهل الكتاب وكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه كثير من التابعين والله أعلم”. انتهى

وأما ما قاله القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات: “فإن قيل: فقد قيل إن عبد الله بن عمرو وسقين يوم اليرموك، وكان فيها من كتب الأوائل مثل دانيال وغيره، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حَدَّثَنَا ما سمعت من رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا تحدثنا من وسقيك يوم اليرموك، فيحتمل أن يكون هَذَا القول من جملة تِلْكَ الكتب فلا يجب قبوله. وكذلك كان وهب بن منبه يَقُول: إنّما ضلّ من ضل بالتأويل، ويرون فِي كتب دانيال أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهوا إلى العرش رأى شخصا ذا وفرة فتأول أهل التشبيه عَلَى أن ذَلِكَ ربهم وإنما ذَلِكَ إبراهيم.

قيل: هَذَا غلط لوجوه: أحدهما أنه لا يجوز أن يظن به ذَلِكَ لأن فيه إلباس فِي شرعنا، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعا لنا، ويكون شرعا لغيرنا، ويجب أن ننزه الصحابة عن ذلك. والثاني: إن شرعنا وشرع غيرنا سواء في الصفات، لأن صفاته لا تختلف باختلاف الشرائع”. انتهى

ففيه نظر، إذ إن جمهور المحدّثين لم يروا في مجرّد رواية الصحابي عن كتب أهل الكتاب قدحًا في عدالته، لأن العدالة أمر، ونقل الأخبار من مصادر مختلفة أمر آخر. فقد ينقل الصحابي خبرًا من أهل الكتاب على سبيل الحكاية دون أن يرفعه إلى النبي ﷺ أو يجعله حجة شرعية. وإنما يقع الإشكال حين يُروى ذلك عنه فيظن بعض من ينقله أن كلامه مرفوع إلى النبي ﷺ. ولهذا ينبغي التنبيه على هذا الفرق، لئلا يُطلق القول بأن كلام الصحابي في الغيبيات له حكم الرفع إلى النبي ﷺ دون قيد.

وأما استدلال القاضي بوحدة الصفات بين الشرائع، فهو كلام غريب؛ إذ من المعلوم أن كتب اليهود والنصارى قد دخلها التحريف والتصحيف، وقد ذمّهم الله تعالى في القرآن على بعض مقالاتهم في باب الصفات، كقولهم إن يد الله مغلولة، أو ما نسبوه إليه من التعب، إلى غير ذلك من الانحرافات العقدية. ومن ثمّ فإن تسرب الإسرائيليات إلى بعض المرويات الإسلامية ليس أمرًا مستحيلًا، بل هو واقع أشار إليه غير واحد من العلماء والمحدثين وحذّروا منه.

وعليه، فإن المنهج العلمي يقتضي التثبت من مصدر الخبر الموقوف ومسار نقله، مع فحص أسانيده وطرقه، والنظر في مدى موافقته للنصوص المحكمة والمرفوعة. ولا يصح أن يُجعل مثل هذا الخبر أصلًا يُبنى عليه في مسائل الاعتقاد، أو أن يُحكم له بحكم الرفع إلى النبي ﷺ، قبل استيفاء النظر النقدي.

فالخبر الوارد بأن الجنة مطويّة معلّقة بقرون الشمس، مثلا، هو أثر موقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويتعلق بأمر من أمور الغيب. غير أنّه لما لم يكن من مسائل الصفات التي يشتد فيها الاحتياط، ولإمكان تأويله تأويلاً يوافق النصوص الصحيحة ولا يعارضها، قبله بعض العلماء من هذا الوجه.:

– قال ابن القيم في كتابه حادي الأرواح: ” فهذا قد يظهر منه التناقض بين أول كلامه وآخره ولا تناقض فيه فإن الجنة المعلقة بقرون الشمس ما يحدثه الله سبحانه وتعالى بالشمس في كل سنة مرة من أنواع الثمار والفواكه والنبات جعله الله تعالى مذكرا بتلك الجنة وآية دالة عليها كما جعل هذه النار مذكرة بتلك وإلا فالجنة التي عرضها السموات والأرض ليست معلقة بقرون الشمس وهي فوق الشمس أكبر منها”. انتهى

– وقال المناوي في فيض القدير: ” ولا ينافيه خبر ابن أبي شيبة عن ابن عمرو موقوفا الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس تنشر في كل عام مرة، لأنه أراد ما يحدثه الله بالشمس كل سنة مرة من أنواع الثمار والفواكه والنبات جعلها الله تذكيرا بتلك الجنة وآية تدل عليها كما جعل النار مذكرة بتلك وإلا فالجنة فوق الشمس وأكبر منها فكيف تعلق بقرونها”. انتهى

– جاء في كتاب النقض على المريسي المنسوب لعثمان الدارمي: “كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَنَّ وَكِيعًا سُئل عَنْ حَدِيثِ عبد الله ابْن عَمْرٍو: “الْجَنَّةُ مَطْوِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الشَّمْس” فَقَالَ وَكِيع: هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، قَدْ رُوِيَ فَهُوَ يُرْوَى، فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ تَفْسِيرِهِ لَمْ نُفَسِّرْ لَهُمْ، وَنَتَّهِمُ مَنْ يُنكره وينازع فِيهِ، والْجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ”. انتهى

فوكيع سلم هنا بهذا الأثر الموقوف على عبد الله بن عمرو؛ لعدم معارضته للأصول المقررة، وانتقد من ينكره ـ ولا سيما الجهمية ـ لكونهم يردّون المرويات دون اعتماد على القواعد المعتبرة عند أهل الحديث في نقد الأخبار وتمييز صحيحها من سقيمها.

ومع ذلك لم يسلم أصل هذا الأثر من النقد عند بعض المعاصرين؛ إذ أشار الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ إلى أنه من الإسرائيليات، فقال: «والظاهر أن أصل الحديث من الإسرائيليات». انتهى

رابط ذو علاقة:

ذكر الكتب المدسوسة والمحرفة المنسوبة للسلف

أضف تعليق