تناول فقهاء الشافعية مسألة التمسّح بالقبور ضمن آداب الزيارة، وربطوها بمقاصد التعظيم المشروع وسدّ الذرائع المفضية إلى مخالفة الشرع.
ومن أبرز من قرّر هذا الباب الإمام يحيى بن شرف النووي في كتابه المجموع، حيث قال في سياق بيان آداب زيارة قبور المسلمين:«فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة. قال أبو موسى – أي الأصفهاني- وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون: المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا وجه الميت يسلم، ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه فإن ذلك عادة النصارى”. انتهى.
فقد نقل النووي عن أبي موسى الأصفهاني، وعن الفقهاء المتبحّرين من خراسان، أن المستحب للزائر أن يقف مستدبر القبلة مستقبلاً وجه الميت عند السلام، وأنه «لا يمسح القبر ولا يقبّله ولا يمسّه، فإن ذلك عادة النصارى».
ويُفهم من سياق كلام النووي أن هذا النقل ورد في شأن زيارة قبور عموم المسلمين؛ إذ إن حال المدفون، من حيث الصلاح أو العصيان، غير معلوم غالباً، فكان ذلك سبب المنع.
وأمّا إذا كان القبر لنبي أو ولي، فإن النهي عن اللمس والتقبيل عند النووي يُحمل على باب التبجيل والتوقير؛ لأن الإقدام على ذلك قد يفضي إلى الإخلال بآداب الزيارة.
ولهذا قال النووي في موضع آخر عند كلامه على قبر النبي ﷺ: «ويُكره مسّه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يُبعد منه لو حضر في حياته؛ هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه». انتهى
ومع ذلك فقد أجاز النووي التوسل بالنبي فقال في المجموع شرح المهذب وهو يتحدث في كتاب صفة الحج، باب زيارة قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم: ” ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى”. انتهى
وعلّل بعض العلماء هذا المنع بسدّ باب الغلو ومجاوزة الحد، لما في ذلك من مشابهة لليهود والنصارى فإنهم رفعوا أنبياءهم فوق مرتبتهم إلى حد العبادة. فكان النهي عن ذلك سدا للذرائع لا أن كل من تمسح بالقبور ولو من غير مجاوزة الحد في التعظيم، يكون فعله مشابها للنصارى واليهود.
وإلا فقد ثبت عن بلال بن رباح أنه لما قدم من الشام ذهب لقبر النبي وصار يمرغ وجهه عليه. روى ذلك ابن عساكر في تاريخه بسند جيد كما قاله الحافظ ابن حجر الهيتمي.
ومن هذا الباب ما قرّره الإمام تقي الدين السبكي في فتاواه، إذ قال: «إنما التمسّح بالقبر وتقبيله والسجود عليه ونحو ذلك يفعله بعض الجهّال، ومن فعل ذلك أُنكر عليه وعُلِّم آداب الزيارة». انتهى
وقال أيضاً: «ولا يُمسّ القبر ولا يُقرب منه ولا يُطاف به». انتهى
كما نقل في شفاء السقام عن الإمام مالك بن أنس قوله: «ولا يُمسّ القبر بيده».
ولا يدلّ كلام السبكي على التحريم، فضلاً عن نسبة الفعل إلى الشرك، وإنما هو إنكار من جهة مخالفة الآداب ووقوع الجهّال في المحذور.
بل إن السبكي اعترض على دعوى الإجماع التي حكاها النووي في منع مسّ القبر النبوي وتقبيله، محتجّاً بما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري أنه وضع رأسه على قبر النبي ﷺ، فقيل له: «أتدري ما تصنع؟» فقال: «نعم، إنما جئت إلى رسول الله ولم آتِ الحجر».
فقال السبكي: «فإن صحّ هذا الإسناد لم يُكره مسّ جدار القبر». انتهى
وخلاصة مذهب بعض الشافعية أن النهي عن التمسّح بالقبور إنما هو من قبيل البدع المنكرة والتي يحكمون عليها بأنها مكروهة كراهة تنزيهية – أي أن تركه أولى وأكمل في الامتثال- لا أنها حرام
وقد صرّح النووي بذلك في المجموع ناقلاً عن الإمام محمد بن مرزوق الزعفراني قوله في الجنائز: «ولا يُستلم القبر بيده ولا يُقبّل، وعلى هذا مضت السنة». ثم قال أبو الحسن: «واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعاً ينبغي تجنّبه ويُنهى فاعله». انتهى
وعليه، فإن حمل هذه النصوص على التحريم المطلق، أو اتخاذها ذريعة للتفسيق، بل والرمي بالشرك، كما يفعل بعض مجسّمة هذا العصر، تجاوزٌ لمقاصد الأئمة ومناهجهم، ومخالفةٌ لحدود الاستدلال الفقهي الذي فرّق بين الكراهة التنزيهية وسدّ الذرائع من جهة، والتحريم والرمي بالشرك من جهة أخرى.
ملاحظة 1:
إن احتج بعض الوهابية بكلام النووي على تحريم لمس القبر، فليُنقل له كلام شيخه الذهبي – صاحب كتاب العلو- من معجمه الشيوخ، حيث قال بعد أن ذكر أثر ابن عمر رضي الله عنهما ” أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم”، ما نصه:” قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلاّ فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا، وتملّوا به، وقبّلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخّم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلمّا لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني ؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبّه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشدّ من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم…”. انتهى
ملاحظة 2:
نص الكثير من علماء الحنابلة أن المسح على القبر بنية الاستشفاء أو قضاء الحاجة جائزة:
– جاء في كتاب “الحكايات المنثورة” للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي بخطه وهو مخطوط محفوظ بالمكتبة الظاهرية أنه سمع الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول: “إنه خرج في عضده شيء يشبه الدُّمَّل، فأعيته مداواتُه، ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه”. انتهى
– كذلك قبر معروف الكرخي:
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1FxmecBBL8/
قول الأيمة: “قبر معروف الكرخي، التّرياق المجرَّب”.
في ما يلي نقل من كتاب براءة الأشعريِّين، كشف فيه الشيخ محمَّد العربي بن التَّبَّاني المالكي كذب ابن تيميَّة حول مقولة الأيمَّة: “قبر معروف الكرخي، التّرياق المجرَّب”.
ملاحظة:
– قال الذهبي في السير عند ترجمة معروف الكرخي: ” وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروفٍ: الترياق المجرب. يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء كما أن الدعاء في السحر مرجو ودبر الصلوات وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني”. انتهى
هذا معناه أن الذهبي عند النابتة الوهابية والحدادية قبوري مشرك شركا أكبر.
وهذه المقالة نقلها أيضا الْحَافِظ السِّلَفِي المتوفى سنة 576 هـجري فِي “الطُيُورِيَّات”، فقال: “سَمِعْت أَحْمَد يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْخلدِي يَقُولُ: “كَانَ فِيَّ جَرَبٌ عَظِيمٌ كَثِيرٌ، قَالَ: فَمَسَحْتُ بِتُرَابِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: فَغَفَوْتُ فَانْتَبَهْتُ، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ”. انتهى
وَقال أَيْضًا: “سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ جميعِ الْغَسَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنَ بْنَ إِسمْاعِيلَ الْـمُحَامِلِيَّ يَقُولُ: “أَعْرِفُ قَبْرَ مَعْروفِ الْكَرْخِيِّ مُنْذُ سَبْعينَ سَنَةً، ما قَصَدَهُ مَهْمُومٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ هَمَّهُ”. انتهى
و هذا معناه أن الحافظ السلفي عند النابتة الوهابية قبوري أيضا مشرك شركا أكبر.
ولسان حال هؤلاء الخوارج المبتدعة كأنهم يقولون: ” قبوري ولو أنه حافظ أو صحابي”.







