ورد أثر ” خلق الله للملائكة من نور الصدر والذراعين” في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد بن حنبل بسندين:
أ- السند الأول، نصه: قال عبد اللَّه: “حدثني أبي، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنه- قال: خلق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الملائكة من نور الذراعين والصدر”. انتهى
ب- السند الثاني: قال عبد الله بن أحمد: “حدثني سريج بن يونس ، نا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : « ليس شيء أكثر من الملائكة ، إن الله عز وجل خلق الملائكة من نور
فذكره وأشار سريج بن يونس بيده إلى صدره ، قال : وأشار أبو خالد إلى صدره ، فيقول : كن ألف ألف ألفين فيكونون”. انتهى
والروايتين ذكرهما ابن المحب الصامت في كتاب الصفات نقلا عن كتاب السنة لعبد الله بن أحمد من غير ذكر سنده.
ثم إن الرواية في السند الثاني ليس فيها تلك الزيادة: “الذراعين والصدر”، إنما ذُكر فيها: “وأشار سريج بن يونس بيده إلى صدره ، قال : وأشار أبو خالد إلى صدره”، أي هو أشار لهيئة الأداء، وهو أن الراوي نقل أن شيخه أشار بيده إلى صدره أثناء التحديث، للدلالة على موضع الاعتقاد، أي اعتقاده أن الله خلق الملائكة من نور.
لكن بعض المحرفين لكتاب عبد الله بن أحمد ، فهم من ذلك أن الرواة أرادوا من ذلك أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، لاعتقاده التشبيه في حق الله، فزاد تلك الألفاظ في الرواية الأولى.
وقد حاول شيخ الحدادية وزعيمهم المدعو عبدالله الخليفي تقديم تفسيره يتلائم مع عقائده الزائغة فقال: “فكل ما فيها أنه روى بالإشارة الحسية المفهمة ما رواه غيره لفظاً ، وأبو خالد الأحمر صدوق يخطيء فلو فرضنا أنه خالف أبا أسامة فالقول قول أبي أسامة”. انتهى
وهذا من جملة اعتراضاته السخيفة، إذ كيف يُفهم بالإشارة بيده إلى صدره أنه أراد الصدر والذراعين، وفي أقصى الحالات أن الإشارة تدل على صدر و ذراع واحد، لا ذراعين.
وأما القول بأن أبا خالد الأحمر صدوق يخطئ و أنه إذا خالف أبا أسامة فالقول قول أبي أسامة، فهذا من جملة تمويهاته.
فأبو أسامة هو حماد بن أسامة، من رجال الكتب الستة، ومع ذلك فقد قال فيه الحافظ في التقريب: ” ثقة، ثبت، ربما دلس، وكان بآخره، يحدث من كتب غيره”. انتهى
وزيادة على ذلك فكتاب السنة لا تثبت نسبة جميع متنه لعبد الله بن أحمد.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1DmX3iq9Bq/
فما أدراه أن الذي حرف كتاب السنة لم يضف تلك الزيادة لكلام أبي أسامة؟ وإلا فالبزار روى هذا الخبر في مسنده من طريق إبراهيم بن سعيد عن أبي أسامة بدون تلك الزيادة.
ثم زاد الخليفي في تشغيباته فزعم أن خبر ” خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر” يؤكد نسبة الكتاب للإمام عبد الله بن أحمد لأن ابن مندة روى هذا الخبر من طريقه، وكذا رواه غلام الخلال في جزء السنة وأثبت هذه الصفة. قال غلام الخلال: “حدثنا أحمد حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام حدثنا أبو أسامة هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : خلق الله عز وجل الملائكة من نور الذراعين والصدر”. انتهى
وجوابه أن هذا الكلام من قبيل محاولة الاستناد إلى ما لا ينهض حجة، إذ هو أشبه بتثبيت القشّ بالقشّ؛ فلا يورث رسوخًا ولا يُقيم برهانًا. ثم إنّ كتاب الرد على الجهمية المطبوع لا يثبت جميع متنه لابن مندة ثبوتًا قاطعًا، بل في نسبته نظرٌ عند التحقيق، فلا يصحّ التعويل عليه في الاحتجاج إلا بعد التحقق من صحة نسبته وتمييز ما ثبت منه مما لم يثبت.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1AFubB9Z7H/
وكذلك جزء السنة لغلام الخلال في ثبوته له شك وريبة.
راجع السند الثالث في الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/1DsMf1Wg5S/
وحتى الألباني في “السلسلة الصحيحة”، فقد اعتبر الأثر من الاسرائيليات، فقال ما نصه: ” وأما ما رواه عبد الله بن أحمد في ” السنة ” (ص151) عن عكرمة قال: ” خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة “. وعن عبد الله بن عمرو قال: ” خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر “.
قلت: فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها، لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ” انتهى
فورود هذا الخبر عند عبد الله بن أحمد في كتاب السنة المنسوب إليه، وكذلك عند ابن مندة في الرد على الجهمية، مع تبويب غلام الخلال عليه، لا ينهض دليلاً مستقلاً على ثبوت الخبر ولا يرقى إلى مرتبة الاحتجاج به، لأن التعويل على مثل تلك المصادر المظلمة في هذا المقام يبدو أقرب إلى الاستكثار بالكتب لمحاولة تقوية خبر تالف.

