هذا المجلس هو رقم 50 وكلامنا فيه عن :
قراءة الفاتحة في الصلاة عند المالكية وبيان أقوال العلماء في جواز العمل بالقول الضعيف للضرورة
الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله اللهم اجعل نياتنا خالصة لوجهك الكريم وفرج عنا وعن أحبابنا البلايا والكروب وامحق اللهم الفتنة وأهلها يا عزيز يا جبار ءامين
أما بعد فقد قضى شيخنا الإمام الهرري رحمه الله نَحبَه بعدما أمضى عمره مدافعًا عن الدين منافحًا عن عقيدة أهل السنَّة في المشرق والمغرب جبلًا راسخًا في وجه من يريد النيل منها لا يبتغي من ذلك إلا رضى الله تعالى وكان بعض أهل الفتنة ينتظر موته حتى يشنع عليه في بعض الفتاوى وهذا ما صدر من
1. المدعو الحبتري
2. والمدعو يوسف ميناوي
فقد قام هذان الاثنان بالتشنيع على شيخنا رحمه الله لأجل فتاوى دعت إليها الضرورة المُتَحَقِّقة
فقد كان شيخنا رحمه الله قد سُئل عمن عليه قضاء صلوات كثيرة لسنين طويلة وهو لا يقضيها بسبب كثرتها الكبيرة وتمكُّنِ الكسلِ من قلبه
فهل هناك قول في بعض المذاهب فيه تسهيل في هذه المسألة بحيث لو ذكر لهذا المتكاسل كان ذلك داعيا له ليقضي تلك الصلوات ويخلص من الذنب المجتمَع على حرمته والمتفق على إثم فاعله فكان جواب شيخنا رحمه الله أن أفتاهم بأن المالكية لا يوجبون التحيات والتشهد في الصلاة لا الأول ولا الثاني ولا يوجبون القراءة بعد الفاتحة لا ءاية ولا أكثر
فإذا عمل بذلك فقضى الصلوات التي يجب عليه قضاؤها على وفق هذا القول تخلَّص من الإثم وإن كان واقعا بذلك في الكراهة
ثم ما لبثوا أن رجع السائلون إلى الشيخ رحمه الله وقالوا له إن هؤلاء الناس أكسل من أن يقضوا حتى مع اطلاعهم على هذا القول فهل هناك قولٌ أيسرُ؟
فقال شيخنا رحمه الله هناك أقوال في المذهب المالكي أضعف من هذا القول وذكرها لهم وذكر من بينها قولا تكفي قراءة الفاتحة فيها في أول ركعتين وقولا تكفي قراءة الفاتحة فيها في أول ركعة
وذكر لهم أن أضعف الأقوال عند المالكية قول بأنه يكفي القيام من غير قراءة الفاتحة
فأخذوا منه ذلك الجواب وأطلعوا عليه أولئك المتكاسلين فقام بعضهم بقضاء ما عليه من ءالاف الصلوات الفائتة بناء على بعض هذه الأقوال الضعيفة فرجعوا إلى فضيلة الشيخ وأخبروه بذلك وقالوا ما معناه:
لولا اطِّلَاعُ هؤلاء على هذه الأقوال الضعيفة لَمَا قاموا بقضاء تلك الصلوات..
ومضت الأيام بعد ذلك وتُوُفِّيَ فضيلة الإمام رحمات الله عليه فقام بعض المتعالِمين بالتشنيع عليه لزعمهم أنه أفتى بهذا القول الضعيف
قالوا (والضعيف لا يُفْتَى به)
وجعلوا همَّهُم نشر هذا الأمر ووسعوا الكلام فيه بين الكبير والصغير كأنه أصل من أصول الدين من خالفه فقد هدم الدين وصاروا ينشرون هذه الكلمات بين طلَّاب فضيلة الشيخ ومُرِيدِيه وكأنَّ همَّهم تشويه صورته وإظهاره بمظهر المجازف الذي لا يقف عند الحدود ولا يعرف تفاصيل ما يتكلم به وما يخرج من رأسه والأنكى من ذلك والأمَرُّ أنهم -وعلى رأسهم اثنان يوسف الميناوي والحبتر محمود قرطام- صاروا يدورون بهذه المسألة على بعض المشايخ ممن ينتسب إلى العلم بحقٍّ أو بغير حقّ فيأخذون أقوالهم بأنَّ الفتوى بالضعيف لا تصحُّ ولا تنبغِي وينشرون هذا كتابة وبالصورة في كتب ورسائل وفى وسائل التواصل الاجتماعيِّ متفاخرين بهذا وكأنَّهم قد حرَّروا بيت المقدس أو نظَّفُوا أرض الحرمَين أو ردُّوا عدوان أهل الإلحاد وبذلوا في ذلك الوقتَ والجهدَ والمالَ يُطَبِّلون ويُزَمِّرون من غير اطِّلاع وفهم أو بسوء نية والمشايخ الذين ينقلون كلامهم في هذه المسألة وفى أَخَواتٍ لها أصنافٌ
فمنهم العالِم الذي صِيغ له السؤال بحيث يجيب على وفق ما يشتهي هؤلاء ولم يَتِمَّ عرض المسألة بتمامها عليه ولا بيان ظروفها ولا مستند من أفتى بها
ومنهم الشيخُ الذي لا ينبغي أن يرجع إليه في مثل هذا لأن حظَّه شرح كتب معينة وليس عنده من الاطِّلاع ما يُسوِّغ الرجوع إلى أمثاله فيها
ومنهم من هو ساقط الاعتبار يدور حيث يدور المالُ يُشتَرى بدينار ويُباع بدرهم وهم يعرفون ذلك ويَتَحقَّقونَه
ولكنَّهم اعتبروا هذا الأمر كأنَّه حرب ضَرُوس بل كأنَّه جهاد أعداء الدين يحشدون له ما استطاعوا من عُدَّة ويستعدون له بما أطاقوا من مال ورجال وهم لا يجهلون أنَّهم بهذا يفرِّقون أهلَ الحقِّ ويحاولون أن يوقعوا بينهم نار العداوة والبغضاء ويُضعِفون بأسَ أهل السنة ويفتحون لأهل الباطل أبوابًا واسعة ليَلِجُوا منها فيفسدوا كما شاؤوا في الدين فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وقد كان بعض مشايخنا قد تكلم في الماضى في هذه المسألة ببعضِ كلمات ثم ءاثر السكوتَ خوفًا من أن يكونَ كالذي يصبُّ الزيت على النار ولأنه كان يرجو أن يَمَلَّ هؤلاء عن الكلام فيه بعد مدَّة
حتَّى حصل أن أهل الفتنة التقوا ببعض المشايخ ممن نُجِلُّ ونحترم وعرضوا عليهم الأمر من غير بيان وجوهه كلها وأخذوا منهم أجوبة استعملوها للطعن في إمامنا الهرري رحمات الله عليه وفي طلابه المتابعين للجهاد بعده
فكان من الغيرة على الدين وعلى هؤلاء الأفاضل المذكورين بالطعن على ألسنة سفهاء أهل الفتنة المتفحشين أن نورد أقوال أهل العلم :
في جواز العمل بالقول الضعيف
1. إذا وُجد من ذلك مصلحة شرعية
2. أو كان فيه درء مفسدة
3. أو دعت إلى ذلك ضرورة قد تحقَّقت
واعلم أخي القارئ أن القول الضعيف قد قال به مجتهد فهو بقوله بالقول الضعيف لم ينقض إجماعا ولا خرج عن إجماع
والعلماء بيَّنوا أن منع القول الضعيف له استثناءات
1. منها أن يكون الشخص قد بلغ رتبة الترجيح أو أعلى منها فرجح عنده القول الذي ضعَّفه الجمهور فإنه لا يُحْجَر عليه تقويتُه ولا ذكرُه ولا الإفتاء به.
2. ومنها أن يكون المقصود ذكرَ كلِّ خلاف.
3. ومنها أن تتحقَّقَ ضرورةٌ إلى ذلك.
والضرورة المبيحة للعمل بالقول الضعيف شيء لم يغفل العلماء عن ذكره وبيانه ونحن نذكر بعض أقوال أهل العلم في هذا الباب ليعلم الجهلة المتصولحة أنه ما كان عليهم الخوض فيما لا علم لهم به
قال البناني الفاسيُّ المالكي رحمه الله:
<إذا تقرَّرَ منعُ الفتوى والعمل بغير المشهور عُلِم أن قول بعضهم من قلَّد عالما لقي الله سالما غير مطلَق لأنه إنما يسلمُ إذا كان قول العالم راجحًا *أو ضعيفًا عُمِلَ به للضرورة* أو لترجيحه عند ذلك العالمِ إن كان من أهل الترجيح وهو مجتهد الفتوى وأحرى مجتهد المذهب> انتهى.
ولاحظوا قوله: <أو ضعيفًا عُمِلَ به للضرورة>
وذكر سيدي عبد الله بن إبراهيم المالكي ناظم مراقي السعود
<أنَّ القول الضعيف إذا عُمِل به يُقَدّم على المشهور ولا يُنقض إذا كان موافقًا لقول وإن كان شاذًّا بشرط أن يكون لسبب وُجِد من حصول مصلحة أو درء مفسدة> انتهى.
ولذلك قال الشيخ محمد بن محمد السَّنَبَاويُّ المالكي المعروف بالأمير
في كتابه ثمر التمام: <وفي جواز العمل بالضعيف خلاف> انتهى.
وقال الشيخ علوي السقَّاف الشافعي رحمه الله:
<الأولى بالمفتِي التأمل في طبقات العامَّة فإن كان السائلون من الأقوياء الآخذين بالعزائم وما فيه الاحتياط اختصَّهم برواية ما يشتمل على التشديد وإن كانوا من الضعفاء الذين هم تحت أسرِ النفوس بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية التشديد أهملوه ووقعوا في وهدة المخالفة لحكم الشرع روى لهم ما فيه التخفيف شفقةً عليهم من الوقوع في ورطة الهلاك لا تساهلًا في دين الله أو لباعثٍ فاسدٍ كمَطْمع أو رغبة أو رهبة> انتهى.
وانظر إلى قوله <روى لهم>
أي فإنه يذكر لهم هذا القول مع كونه مرجوحًا عنده ثم هم ينظرون في أنفسهم فإن تحققوا الضرورة وعرفوها عملوا به
وقال السيدُ محمد الأهدل الشافعيُّ
في أثناء ذكره لأقسام الناس في الفروع الاجتهادية:
<إنَّ المتفقِّه في المذهب الذي عرف الراجح وضدَّه بمحض التقليد لا بالأدلَّة لا يقضي ولا يُفتي إلا بالراجح وإلا لم ينفُذ قضاؤه وفتواه قال نعم له ذلك أي القضاء والإفتاء بالمرجوح لحاجة أو مصلحة عامَّة إن لم يُشترَط عليه الحكم بالمذهب مع بيان قائله> انتهى
ثم قال:
<والعاميُّ الذي لم يلتزم مذهبًا أصلا ولم يرجح عنده شيء منها يعمل بما أفتاه به عالِمٌ فإن اختلف عليه عالمان مُخْتَلفا المذهب خُيّرَ في العمل بما شاء منهما> انتهى
وذكر ابن عابدين من الحنفية في حاشيته
أن القول الضعيف يجوز العمل به في موضع الضرورة وأورد في ذلك ما ذكره في حيض البحر من الأقوال الضعيفة في الدماء
ثم قال:
<وفي المعراج عن بعض الأئمة لو أفتى مفتٍ بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة طلبًا للتيسير كان حسنًا> انتهى
ونقل ابن حجر الشافعيُّ في التحفة قول السبكيِّ
إنه يجوز تقليد غير الأربعةِ *إذا قصد به المفتِي مصلحة دينية أي مع تنبيهِه المستفتِيَ إلى قائل ذلك* انتهى قال الشرواني في حاشيته *أي ليقلده فيكون قول المفتي حينئذٍ إرشادًا لا إفتاءً*
وفي حاشية القليوبيِّ
أن المقلِّد إن لم يظهر له مرجِّحٌ أي ولم يبيِّن له عالمٌ ذلك *له أن يعمل بأيِّ القولين شاء* انتهى
قال ويجوز العمل بالمرجوح في حق نفسه لا في الإفتاء والقضاء إذا لم يجمع بين متناقضين كحِلٍّ وحرمة في مسألة واحدة ويجوز تقليد بقية الأئمة الأربعة وكذا غيرُهم ما يَلزَم تلفيقٌ لم يقُل به واحدٌ. انتهى
ومثل هذا الكلام موجود في كثير من كتبِ العلماء من أهل عصرنا وممن قبلهم بمئات السنين
فينبغي التنبهُ إليه فربما أطلقَ بعضٌ المنع بدل بيان أنه عامٌّ مخصوص وربما لم يفرِّق البعضُ بين مقام حكم المجتهِد والمرجِّح وحكم العامِيِّ ولا بين العمل للنفسِ وإفتاء الغير بأن الحكم في حقه هو كذا وكذا
والإرشاد المحض بحيث ينظر السائل في حاله هل هو من أهل الضرورة أو لا إلخ
وسُئل بعض المشايخ عن عين المسألة المذكورة أي صحة الصلاة من غير قراءة الفاتحة في أية ركعة منها
هل ورد في ذلك عن السلف شيء؟
فأجاب أنْ نعم
فقد روى ابن المنذر من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي
أن رجلا جاءه فقال إني صليت ولم أقرأ فقال أتممتَ الركوع والسجود قال نعم قال تمت صلاتك انتهى
ورواه عبد الرزاق وفيه زيادةٌ أنَّ عليا رضي الله عنه قال <ما كل أحد يحسن القراءة> انتهى
وروى الطحاوي وغيره من طريق شعبة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم أن عمر رضي الله عنه قال له رجل إني صليتُ صلاة لم أقرأ فيها شيئًا فقال له عمر أليس قد أتممت الركوع والسجود قال بلى قال تمت صلاتُك
وفي أهل السنة كلام على أسانيد هذه الروايات فمن شاء فليراجع الأدمن ليزوده بالرابط
فالحاصل
أن هؤلاء الذين أنكروا على الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله فَاتَهُمْ أنه كان من أهل الترجيح كما وأنه كان من أهل النظر الثاقب والمعرفة الوافية بأحوال الناس وأحوال العصر بحيثُ يفرِّق بين الضرورة وغيرها
وفاتهم أنه دقيق في كلامه يعرف الفرق بين حكم القاضي وفتوى المفتي وإرشاد المرشد
وفات أولئك الصغار أنهم لا يبلغون عُشرَ عشرِ عشرِ مِعشار شيخنا الهرري في هذه الأمور لا قوة ذهن ولا قوة فهم ولا قوة إدراك للحجة ولا معرفة بمواضع الكلام ومعانيه،
وفاتهم أن هذا القول الذي أنكروه لم ينفرد به بعض المالكية بل هو مرويٌّ عن عمر وعليٍّ رضي الله عنهما
فبدل أن يحاولوا فهمَ مأخذِه وبدل أن يحفظوا له الجميل على انتشالهِم من وَهْدَة الوحَل الذي كانوا فيه
أخذوا يتتبعونه بعد موته رحمه الله تعالى وهم يعرفون هذه المسألة وأخواتها قبل وفاته بكثير لكنهم لم يجرؤوا على التكلم ببنت شفة في حياته
كشأن الجبان الذي قيل فيه:
وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا
وقد صدق العامَّة في تمثيلهم لمثل هذه الحال بقولهم في المثل السائر
(مِن قِلَّة الرجالِ سَمَّوا الديك أبا عليٍّ)
والله الموفِّق ولا قوَّة إلَّا به.
انتهى الكلام
وآخر القول الحمدلله

اترك رد