عدم قصد الخروج من الإسلام هل ينجيك؟
حفظ الدِّين
ألَّفَ الكثير من فقهاء المذاهب الأربعة في باب تحذير المسلمين من الشرك والكفر بالله هو أشد الشرور والعياذ بالله، يقولُ الحافظُ الزبيديُّ في شرح الإحياء ما نصُّه: “وقد ألَّفَ فيها (أي الرِّدةِ) غيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ مِن المذاهبِ الأربعةِ رسائلَ وأكثروا في أحكامِها” انتهى.
فمن الشافعية حذَّرَ منها الحافظ النووي (المتوفى سنة 676 هـ) والإمام تقي الدين الحصني (المتوفى سنة 829 هـ) وغيرهم، ومن المالكية القاضي عياض اليحصبي (المتوفى سنة 544 هـ) ومحمد بن سحنون (المتوفى سنة 256 هـ) ومن الحنفية الشيخ عبد الغني النابلسي (المتوفى سنة 1143 هـ) وابن عابدين الحنفي (المتوفى سنة 1252 هـ) ومن الحنابلة ابن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 626 هـ) والبهوتي الحنبلي (المتوفى سنة 1051 هـ).
وقال الإمامُ المجتهدُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ في تفسيره جامع البيان في تأويل آي القرآن: “إنَّ من المسلمينَ من يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه” اهـ.
وقالَ الحافظُ الكبيرُ أبو عَوانَةَ الذي عَمِل مستخرجًا على مُسلمٍ: “وفيه أنَّ مِنَ المسلمينَ مَنْ يخرجُ مِنَ الدينِ مِنْ غيرِ أنْ يقصِدَ الخروجَ منه ومِن غيرِ أنْ يختارَ دينًا على دينِ الإسلامِ” اهـ.
وقد ألَّف أحد علماء الحنفية من علماء القرن التاسع كتابا سمَّاه “مَنْ يَكْفُرُ وَلَا يَشْعُرُ”، وهو مطبوع موجود بين المسلمين، وقد أكثر العلماء كما رأينا التأليفَ والتحذير من هذا الفساد من باب إنكار المنكر ومن باب قولهم: إعرف الشر حتى لا تقع فيه.
والعلاج من الوقوع في هذا الفساد كله هو العلم بقواعد العلماء في هذا الباب حتى لا تقع فيها، فقد قال السيدُ البكريُّ الدِّمياطيُّ صاحب كتاب إعانة الطالبين وهو من فقهاء الشافعية: “واعلمْ أنَّه يجري على ألسنةِ العامَّةِ جملةٌ مِن أنواعِ الكفرِ من غيرِ أنْ يعلموا أنها كذلك، فيجبُ على أهلِ العلمِ أن يُبيِّنوا لهم ذلك لعلهم يجتنبونَه إذا علموه لئلا تحبَطَ أعمالُهم ويخلُدونَ في أعظمِ العذابِ وأشدِّ العقابِ ومعرفةُ ذلك أمرٌ مهمٌّ جدًا وذلك لأن من لم يعرفِ الشرَّ يقَعْ فيه وهو لا يدري وكلُّ شرٍّ سببُه الجهلُ وكلُّ خيرٍ سببُه العلمُ، فهو النورُ المبين والجهلُ بئسَ القرينُ”. اهـ
٠٥/٠٩/٢٠١٩ ١٠: ٢٦ ص
وقال البدر الرشيد الحنفي (ت 768هـ) في رسالة له في بيان الألفاظ الكفرية ص/19: ” مَنْ كَفَرَ بلسَانِهِ طائِعا وقلبه على الإيمان إنّهُ كافر ولا ينفَعه ما في قلبه ولا يَكون عند الله مؤمنًا لأنَّ الكافر إنما يعرف من المؤمن بما ينطق به فإنَ نَطقَ بالكُفْرِ كانَ كافرا عندَنا وعندَ اللهِ ” اهـ.
قال القاضي عياض اليحصبي المالكي (ت 544 هـ) في كتابه الشفا ج2/214 الباب الأول في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سبٌ أو نقص من تعرض أو نصٍ: ” من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرَّضَ به أو شبهه بشىء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له… قال محمد بن سنحون أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المُنتَقِصَ له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له … ومَنْ شكّ في كفره وعذابه كَفَرَ “. اهـ
وقال أيضا في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج2/348: س: ما قولكم في رجل جرى على لسانه سب الدين (أي دين الإسلام) من غير قصد (أي من غير قصد الخروج من الدين) هل يكفر؟ فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم ارتد، وفي المجموع ولا يعذر بجهل.اهـ
وقال الشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي (ت1083هـ) في كتاب مختصر الافادات في ربع العبادات والآداب وزيادات، ص/514 ما نصه: ” فصل في المرتد: وهو من كَفَرَ ولو مميزا طوعا ولو هازلًا بعد إسلامه “اهـ.
وقال الفقيه الحنبلي منصور بن إدريس البهوتي (ت 1051 هـ) في كتاب شرح منتهى الإرادات، ج3/386، ما نصه: ” باب حكم المرتد، وهو لغة الراجع،.. وشرعا من كفر ولو مميزا بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك طوعا ولو كان هازلا بعد إسلامه” اهـ.
وقال زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن أحمد ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ) في كتاب جامع العلوم والحكم، ص/148، الحديث السادس عشر: ” فأما ما كان من كفر أو ردة أو قتل نفس أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك فهذا لا يَشُكُّ مسلم أنهم لم يريدوا أن الغضبان لا يؤاخذ به ” اهـ.
وقال الشيخ ملا علي القاري الحنفي (ت1014 هـ) في شرح كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ص/274: ” ثم اعلم أنَّهُ إذا تكلّم بكلمة الكُفر عالِما بمعناها ولا يعتقِدُ معناها لكنْ صدَرتْ عنهُ من غير إكراهٍ بل مع طواعية في تأْديَتِه فإنّه يُحكَم عليه بالكُفرِ “اهـ.

اترك رد