القول في مسألة الغناء و ما ذهب إليه مالك و ابن القاسم و القاضي ابن العربي رحمهم الله :

جاء في المدونة وهي ليست من شروح الموطإ- ولكنها في فتاوى الإمام مالك، قلت: أكان مالك يكره الغناء؟ قال: كره مالك قراءة القرآن بالألحان, فكيف لا يكره الغناء, وكره مالك أن يبيع الرجل الجارية ويشترط أنها مغنية. فهذا مما يدلك على أنه كان يكره الغناء. قلت : فما قول مالك إن باعوا هذه الجارية وشرطوا أنها مغنية و وقع البيع على هذا؟ قال: لم أحفظ من مالك فيه شيئا إلا أنه كرهه. قال عبد الرحمن بن القاسم: وأرى أن يفسخ هذا البيع..

قال الباجي في المنتقى شرح الموطإ في باب وليمة النكاح: وإن كان في العرس لهو غير مباح كالعود والطنبور والمزهر المربع لم يلزمه إتيانه، وأما الدف المدور أو الكبر فمباح في العرس. وقال أصبغ في المزنية: ويكون ذلك عند النساء دون الرجال، ولا يكون معه عزف ولا غناء إلا الرجز المرسل. قال محمد بن عيسى: وبلغني أنه كان مما يقوله النساء:

أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الحبة السمرا ء لم نحلل بواديكم

فإن كان في الوليمة لهو محظور أبطل وجوب إتيانها، فمن جاء الوليمة فوجد ذلك فيها فليرجع. وعلى هذا جماعة الفقهاء، وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يقعد ويأكل. وقول الجماعة أولى. اهـ

وأما عن رأي القاضي ابن العربي في أحكام القرآن، فإنه لما تعرض للغناء لم يطلق إباحته و قيد ذلك بقيدين

الأول : أن يكون الغناء من غير معازف و دليله في ذلك الجواري اللاتي كن يغنين في بيت رسول الله ولم ينكر عليهن النبي وطلب من أبي بكر أن يدعهن ولا ينكر عليهن….

والثاني: أن يكون هذا الغناء بمناسبة العيد أي أن لا يتخذ عادة….وفيما يلي نص كلام ابن العربي : فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ الْغِنَاءِ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَسْتَدْرِجُ بِهِ الشَّيْطَانُ إلَى الْمَعْصِيَةِ أَكْثَرَ وَأَقْرَبَ إلَى الِاسْتِدْرَاجِ إلَيْهَا بِالْوَاجِبِ، فَيَكُونُ إذَا تَجَرَّدَ مُبَاحًا، وَيَكُونُ عِنْدَ الدَّوَامِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَعَاصِي حَرَامًا، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «نُهِيت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ فَذَكَرَ الْغِنَاءَ وَالنَّوْحَ». وَقَدَّمْنَا شَرْحَ ذَلِكَ كُلِّهِ. اهـ

فابن العربي يرى بأنه حرام إذا لم يتوفر هذين الشرطين و دليل ذلك قوله في تفسير قوله تعالى :وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) الفرقان، قال ما نصه:

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْغِنَاءُ فَلَيْسَ يَنْتَهِي إلَى هَذَا الْحَدِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقُلْنَا: إنَّ مِنْهُ مُبَاحًا وَمِنْهُ مَحْظُورًا. اهـ.

ومعنى كلام ابن العربي أنه وقع تفسير الزور في الآية بالغناء، ولكنه لا يرى ذلك صحيحا، و في نفس الوقت فهو يرى حرمة الغناء بالتفصيل الذي ذكرناه، لأنه قال بأن منه ماهو مباح ومنه ما هو حرام وعبر بالمحظور..

ثم إن ابن العربي يزيد في التضييق في هذه المسألة في تفسيره لقول الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث، قائلا ما نصه وبعد تفسير اللهو بالغناء: وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ انْكِشَافُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ وَلَا هَتْكُ الْأَسْتَارِ، وَلَا سَمَاعُ الرَّفَثِ، فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ إلَى مَا لَا يَجُوزُ مُنِعَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَاجْتُنِبَ مِنْ أَصْلِهِ.

– و أما عن استقبال نساء المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم بالغناء و قولهن طلع البدر علينا، فهذا لا يختلف فيه اثنان أنه لا يصح وهو معروف عند أهل الحديث وإنما ذُكرت المسألة بشيء من التساهل من أهل السير للضعف الكامن في سندها ، و لو سلمنا جدلا أنه صحيح، فمدحهن للنبي لمجرده جائز لا نختلف في جوازه، فمحل النزاع في المسألة وجود المعازف من عدمه وليس الغناء المجرد من الآلات المحرمة، ولأن الغناء هو عبارة عن مجموعة من الجُمل والكلمات حرامها حرام ومباحها مباح….. والله أعلم

#مهدي_شطورو

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading