قال السجزي في إبانته تحت فصل سماه بزعمه “في الكشف عن تمويه اللفظية الضُّلال وعن تغطية عليّ بن إسماعيل الأشعري على الأغفال”، ما نصه: ” اعلموا أنّ هذه الفِرَقَ قد اعترفت في الظاهر بأن القرآن غير مخلوق، وأنّه كلام الله وصفته القائمة بذاته، وكفّروا من قال بخَلْقِه ولم يعترف أنّه من صفات الذات. وهذا الذي أظهروه هو الحق”. انتهى
وهذا اعتراف من هذا المخالف للأشاعرة بأمور يحاول الوهابية والحدادية والمشبهة الترويج لما يخالفها:
أ- الأشاعرة يقرّون – ولو في الظاهر بحسب ادعائه- ، أن القرآن غير مخلوق.
ب- القرآن: كلام الله وصفته القائمة بذاته.
ج- الأشاعرة يحكمون بكفر من قال بخَلْقِ القرآن الذي هو من صفات الذات. وهذا ردّ حتى على بعض المتأخرين المنتسبين للأشعرية ممن يزعمون التورّع عن إكفار المعتزلة القائلين بخلق القرآن.
ثم قال السجزي عقب ذلك: ” وهذا الذي أظهروه هو الحق”، أي هو قد نقل الحق عن الأشعرية في مسألة الكلام، ثم فتّش لهم عن كذبة من كيسه للطعن فيهم، فقال: ” لكنّهم لم يثبتوا عليه فقالوا : إنّ العربية وسائر اللغات وما كان له نظم واتّساق وتعاقب، وأوّل وآخر، ويتجزأ ويتبعض، غَيْرُ – كلام – (سقطت الكلمة من المطبوع)، الله سبحانه وخلافه وسواه ودونه، ومخلوق مُحْدَت مربوب والله سبحانه غير موصوف به في ذاته”. انتهى
و هذا القول من جملة ادعاءات هذا السجزي التي لا تقوم على تصويرٍ دقيقٍ لمذهب الأشعرية؛ وإلا فالأشاعرة يقررون أنّ القرآن له إطلاقان، يطلق ويراد به الصفة الأزلية ويطلق ويراد به اللفظ المنزل. فإذا أريد بالقرآن اللفظ المنزّل، فهو ذو نظمٍ واتّساقٍ وتعاقبٍ، و له أوّلٌ وآخر، ومعبَّرٌ عنه باللغة العربية، وقابل للتجزئة والتبعيض، وليس هو عين الكلام القائم بذات الله تعالى، والذي يُعَدّ صفةً من صفاته الأزليّة.
فاللفظ المنزل، لا شك في حدوثه عند ذوي العقول السليمة وليس هو عين الصفة الأزلية القائمة بذات الله، ومع ذلك يُنسب لله تعالى ويقال عنه كلام الله، لانه ليس من تأليف بشر أو ملك أو جن. فالأشاعرة لا ينفون عن القرآن كونه كلامَ الله، سواء أُريد به اللفظ المنزل أو الصفة القائمة بذاته تعالى.
وعليه، فإنّ ما نسبه لهم هذا السجزي إنما هو محاولةٌ غير موفّقة لتشويه مذهب أهل السنّة والجماعة والتنفير منه.
ثم قال السجزي: ” والخَلْقُ كلّهم متفقون قبل أن نَبَغَ هؤلاء وأظهروا الخلاف على أن القرآن نازل بلغة العرب وأنّ التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب والصحف المنزلة نزلت بألسنة القوم المخاطبين بها، وأن كل كتاب من هذه الكتب وكل صحيفة من تلك الصّحف غير منفك من أن يكون له أوّل وآخر، وأن يدخله التجزؤ والتعاقب ، ولا يعرفون كلاما في الحقيقة لا يكون كذلك، وكلّ ما لا يصدر عن حرفٍ ولا يكون بلغة لا يكون عند أحد من العقلاء كلاما في الحقيقة. والله سبحانه أنزل القرآن حجّةً على الخَلْق”. انتهى
وكأن هذا السجزي لا يدري ما يخرج من رأسه فهو بعظمة لسانه يقول: “القرآن نازل بلغة العرب” و قال: “والله سبحانه أنزل القرآن حجّةً على الخَلْق” فهل يقول أن الذي نزل على النبي محمد هو عين صفة الكلام القائمة بذات الله؟ فلو جاز ذلك عنده لجاز القول أيضا أن صفة العلم نزلت على النبي، لأنه ثبت عن الإمام أحمد أنه قال: “كلام الله من علم الله ” فهل يقول السجزي أو أتباعه أن النبي تنزلت عليه عين صفة العلم القائمة بذات الله، أو حتى تجويز ذلك؟
بل الأشعرية بخلاف ما يفتريه السجزي مصرحون أن القرآن قد نزل بلغة العرب وأنّ التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب والصحف المنزلة نزلت بألسنة القوم المخاطبين بها، وأن كل كتاب من هذه الكتب وكل صحيفة من تلك الصّحف لها أوّل وآخر، ويدخلها التجزؤ والتعاقب، وهم في ذلك متبعون لإمامهم الأشعري رضي الله عنه. حتى أن محققا الكتاب قد وقفا على شدة ما افتراه السجزي على الأشعري فقالا في الحاشية: ” وبينا أن كثيرا من هذه الأمور التي عزاها المؤلف في كتابه هذا الإبانة لأبي الحسن الأشعري لله لا يرى لها أثر في كتابه الإبانة وهو آخر ما ألف، وصرّح فيها بأنه قائل بما يقول به الإمام أحمد وسائر أئمة السنّة من أنّ القرآن الكريم كلام الله”. انتهى


اترك رد