, ,

اضطراب السجزي في صفة الكلام

بيان اضطراب السجزي في صفة الكلام

من الثابت عن أبي نصر السجزي نسبته الحرف والصوت لكلام الله كما في رسالته لأهل زبيد و في إبانته وهو ما يتوافق مع معتقد الكرامية والمشبهة، ورغم ذلك فقد نفى السجزي الحدوث عن كلام الله وخالف بذلك ابن تيمية وأتباعه القائلين بأن جنس الكلام أزلي وأفراده حادث، فقال في الإبانة: ” وقد اتفقنا نحن وهذه الفِرَقُ اللفظية والعبارتية على أن الله سبحانه لا يُحْدِثُ في ذاته شيئا، وليس بمحل للحوادث، وأنّه لا يَخْلُقُ كلامه في غيره، وإنما هو متكلم من الأزل إلى الأبد، ونص الكتاب حجّة على الكافة، والخَبَرُ الذي فيه ممن لا يجوز عليه الكذب بالاتفاق، وإذا كان كذلك عُلِمَ أَنْ هذا القرآن العربيَّ هو حقيقةً كلام الله كما نص عليه، وأنه غير مخلوق لأنه من صفاته”. انتهى

فالسجزي هنا يقرر جملة من الأصول المهمة منها:

أ – الله ليس بمحل للحوادث بخلاف ما قرره ابن تيمية وأتباعه أن الله تقوم به الحوادث وأن أفراد كلامه حادث، والعياذ بالله من الكفر. فالله سبحانه لا يُحْدِثُ في ذاته شئ.

ب – الله متكلم أزلا وأبدا. وقد احتج المشبهة بقول السجزي: ” متكلم من الأزل إلى الأبد” للقول بحدوث أفراد الكلام في ذاته و أنها أزلية الجنس. ولا يسعفهم ذلك فمعنى قوله “من الأزل” تأكيد على أن صفة الكلام ليست حادثة، لأن الأزل ليس له بداية، فيصير المعنى أنه لم يأتِ وقت كان الله فيه غير متكلم ثم صار متكلمًا

بل كلامه قديم قائمة بذاته وأما معنى قوله: “إلى الأبد” هو تأكيد على أن هذه الصفة لا تزول ولا يتخللها أفراد الكلام الحادث. وهذا كقول بعضهم عن الله عالم من الأزل إلى الأبد. فهل يقول المجسمة أن أفراد علمه حادثة؟

ج – الله لا يطرأ عليه سكوت. وقد أكد السجزي ذلك في موضع آخر من الإبانة فقال : ” ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه لمعان : أولها : أنّ السكوت عن منتفع به – هكذا وردت في المطبوع – ليس من صفات المدح. والثاني : أنّ السكوت المعروف هو وقوف آلة النطق من صاحبه عن النطق من غير ،آفة والله سبحانه منزّه عن الآلات والأدوات المتعلقة بالذات. والثالث: أنّ وجود السكوت عقيب الكلام من تغير الأحوال، والله سبحانه لا يتغيّر ولا يحول ولا يزول”. انتهى

فنسبة السكوت لله، هو من المستحيل القطعي عند السجزي.

بل إن كلامه هنا يحمل دلالةً صريحة على إبطال أصلٍ من الأصول التي قررها ابن تيمية، والمتعلق بوصف الله تعالى بالسكوت الاختياري.

د – القرآن الذي يوصف أنه غير مخلوق هو صفة من صفات الله عز وجل، وأما قوله أن القرآن العربي الذي يوصف بأنه حقيقة كلام الله فمعناه أنه لا ينسب لغيره فليس هو من تأليف نبي ولا ملك ولا شاعر…..

و قال السجزي أيضا في إبانته: وقد اتفق المسلمون كلهم على أنّ هذا القرآن العربيَّ مُعْجِزُ، وقد تحققنا – والحمد لله – ترك الجاحدين المعارضة مع الحاجة”. انتهى

وهذا اعتراف منه أنه لا يوجد واحد من المسلمين ينكر اعجاز القرآن.

ثم قال: ” وتبيّنا مباينته لأنحاء الكلام من نثر ونظم، وعرفنا عُلُوّه وخروجه عن أوزان كلام البشر، وحلاوته وعذوبته فهو غير مُشْبه لكلام البشر وإن كان عربيًا ذا حروف ولغة، وكان كلام الخَلْقِ لغةً ،وحروفًا”. انتهى

فالذي يوصف بأنه عربي ذا حروف ولغة هو اللفظ المنزل لا صفة الله عز وجل، ومن قال خلاف ذلك فقد زعم أن اللغات أزلية والحروف أزلية، ولا يقول ذلك إلا من به مسّ من الجنون، ولا يثبت ذلك عن واحد من السلف إلا في ما يروج له المجسمة من مخطوطات منقطعة يتيمة، يزعمون نسبتها للأئمة الأعلام ولا يثبت ذلك عنهم قطعا.

فإن زعم هذا السجزي أن كلام الله الذي هو صفة ذاته حروف ولغة عربية فهذا دليل تذبذب، ويخالف ذلك ما قاله ابن بطة في إبانته الكبرى ونصه: «ألم تسمع إلى قوله “ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين” – الشعراء: 198-، فإنما جعل الله القرآن بلسان عربي مبين، وأنزله عربياً لتفقه العرب، ولتتخذ بذلك عليهم الحجة، فذلك معنى قوله “إنا جعلناه قرآناً عربياً” -الزخرف :3 -ولم يُرِد عربياً في أصله ولا نسبه، وإنما أراد عربياً في قراءته”. انتهى

فبيّن أن وصف القرآن بأنه عربي إنما هو واقع على القراءة لا المقروء.

ثم قال السجزي: “كما أن الله سبحانه غَيْرُ مُشْبِه للخَلْقِ وهو السميع البصير، العالم المريد، وإن كان في الخَلْقِ من هو سميع بصير، عالم مريد ؛ لما بين القديم والمُحْدَث من افتراق معاني هذه الصفات وإن اتفقت أساميها”. انتهى

وهذه قاعدة جليلة ومهمة فإن الله موصوف بصفات الكمال التي تليق به، فقولنا مثلا أن الله قادر، وقولنا أن فلان قادر هو اتفاق في اللفظ واختلاف في المعنى، أي أن معنى اللفظين لا يتشابهان بوجه من الوجوه. وكذلك قولنا: الله متكلم، وفلان متكلم، هو اتفاق في اللفظ واختلاف في المعنى، أي أن كلام الله وكلام المخلوقين لا يتشابهان بوجه من الوجوه، فلا يتكلم مولانا بحرف أو صوت أو لغة أو آلة، ولا يطرأ على كلامه ابتداء أو انتهاء ولا يتخلله سكوت.

ثم قال السجزي: “وتحصيل الكلام من هذا أن يُراعى المتكلم، فكلُّ متكلّم مُحْدَثٍ مُحْدَثٌ كلامه، والمتكلّم القديم غَيْرُ مُحْدَثٍ كلامه”. انتهى

وهذا النص يتعارض مع أصول المشبهة؛ إذ إن “القديم” معناه أن الله أزليّ غير مسبوق بالعدم، و غير مُحدَث كما قال السجزي. وعليه، فإن كلامه عز وجل غير مُحدَث أيضا وغير طارئ بعد عدم. وكل ما كان كذلك يستحيل أن يكون متجددًا حادثًا بعد أن لم يكن. وهذا جميعه ينقض قول أتباع ابن تيمية أن عبارة؛ “غير مُحدَث” تعني قدمًا زمانيًّا يتدرج فيه الحدوث شيئًا فشيئًا.

ثم قال السجزي : ” والكلام لا يَعْرَى عن الحروف حيث وجد، وقد دللنا عليه بالدلائل السمعية والعقلية معا فيما تقدّم، وبالله التوفيق”. انتهى

والذي قاله ليس من التحقيق في شئ بل مخالف لما جاء في القرآن والسنة وكلام الصحابة، وقد ثبت إطلاق الكلام على ما ليس بحرف ولا صوت.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/18gr5PowcG

فيتلخص مما تقدم أن هذا السجزي مضطرب في مسألة الكلام،

حيث يقرر القواعد الصحيحة، ثم يأتي بما يخالفها مباشرة، و يدعي أن كلام الله حرف وصوت ولغة عربية والعياذ بالله تعالى.

ملاحظة:

لقد أجاد علماء أهل السنة كالجويني وأبي جعفر أحمد بن يوسف الفهري اللبليّ المتوفى سنة 691 هجري وغيرهما في الرد على رسالة السجزي لأهل زبيد.

راجع النقطة الثالثة من الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1FfKzThtdi

فهذا السجزي يفتري عمدا على خصومه وينسب لهم مقالات من كيسه من ذلك قوله في إبانته عن الأشعرية : ” “وقد كفرت المعتزلة في هذه المسألة مع اعترافهم بأنه كلام الله حين زعموا أنه مخلوق، وهؤلاء يقولون إنه مخلوق وليس بكلام الله فتوسُّطهم في ظُلمة الكُفْرِ أَظْهَر”. انتهى

ولا يوجد واحد من الأشاعرة قال أن القرآن ليس كلام الله، بل جميعهم مطبقون أن القرآن سواء الصفة القائمة بذات الله عز وجل، أو اللفظ المنزل الذي نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ هو كلام الله وليس بتأليف بشر أو ملك أو جن أو غيرهم.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading