الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الخلق -بمعنَى إبراز المعدوم مِن العدم إلى الوُجود- مِن أظهر خصائص الأُلُوهيَّة حتَّى قال الإمام أبو الحسن الأشعريُّ: (الأُلُوهيَّة قُدرة اختراع الأعيان وقُدرة اختراع المُحدثات) انتهَى.
وهذا المعنَى هُو المُراد بقوله تعالَى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} وقوله تعالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي خلقَكُم وخلق أعمالَكُم وقوله عزَّ وجلَّ: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} أي لا خالق إلَّا الله.
قال الإمام أبو حفص عُمرُ بن أحمد النَّسفيُّ الحنفيُّ: (فإذا ضرب إنسان زُجاجًا بحجر فكسره فالضَّرب والكسر والإنكسار بخلق الله تعالَى فليس للعبد إلَّا الكسب وأمَّا الخلقُ فليس لغير الله) انتهَى.
والمُعتزلة القدريَّة قالوا إنَّ العبد يخلق أفعاله فمَن قال بقولهم فقد أثبت الخلق بمعنَى الإخراج مِن العدم إلى الوُجود لغير الله سُبحانه ونسب الأُلوهيَّة لغير الله تعالَى وكذَّب القُرآن وناقض العقل السَّليم.
وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (صنفان مِن أُمَّتي ليس لهُما في الإسلام نصيب المُرجئة والقدريَّة) رواه الإمام الطَّبريُّ في تهذيب الآثار وصحَّحه والمُراد أُمَّة الدَّعوة لا أُمَّة الاستجابة.
ونقل أبو منصور البغداديُّ في الأسماء والصِّفات إجماع الأشاعرة على تكفير المُعتزلة والمُشبِّهة، ونقل الحافظ الزَّبيديُّ تكفيرَ عُلماء ما وراء النَّهر -الماتُريديَّة- للمُعتزلة حيث جعلوا التَّأثير للإنسان.
ولا فرق بين مَن زعم أنَّ الإنسان يخلُق بقُدرته أو زعم أنَّه يخلُق بقُوَّة أودعها الله فيه، لأنَّ المعنَى في ذلك كُلِّه واحد وهُو نسبة الخلق بمعنَى الإخراج مِن العدم إلى الوُجود لغير الله وهذا تكذيب للدِّين.
قال المُفتي الشَّيخ أحمد بن عبدالله بن عبدالعزيز الرقيميُّ: (والقول الصَّحيح المُعتمد المُعوَّل عليه أنَّ مَن قال: “إنَّ الإنسان يخلُق شيئًا بقُوَّة أودعها الله فيه وجعلها فيه وأعطاه إيَّاها” كافر خارج مِن الإسلام ولا فرق بين هذا وبين مَن يقول: “الإنسان هُو يخلُق الأشياء بقُدرته” فالمعنَى واحد) انتهَى.
وقال الفقيه الحنفيُّ المُحدِّث أبو المحاسن شمس الدِّين القاوقجيُّ: (ومَن اعتقد أنَّ العبد يخلُق فعله بقُوَّة خلقها الله فيه فهُو كافر أيضًا) انتهَى.
والكُفر نوعان (كُفرُ شركٍ) و(كفرُ تكذيبٍ) وكلاهُما مُخرِج مِن الإسلام؛ وقد غلط بعض المُصنِّفين فزعم أنَّ القول بالقُوَّة المُودَعة ليس شركًا لكنَّه لم يُنكر أنَّه كُفر؛ والصَّواب قول الإمام أبي منصور البغداديِّ وهُو أعلم منه: (القدريَّة مُشركون بربِّهم لقولهم بأنَّ العبد يخلُق أفعاله) انتهَى.
وأمَّا القول بالقُوَّة المُودَعة فهُو كُفر بلا خلاف مُعتبر، وترك تكفير القائلين بذلك يدخُل في باب تسمية الكُفر إيمانًا والعياذ بالله؛ لكن كُنت سمعتُ مِن بعض مشايخي أنَّ بعض المُصنِّفين لم يفهموا مِن القول بالقُوَّة المُودَعة التَّأثير الحقيقيَّ في وُجود مخلوق فهؤُلاء لا يُكفَّرون ولا يُضلَّلون ولكن ينبغي عدم الاغترار بما يُوجد في الكُتُب مِن أقوال فاسدة ساقطة.
قال الشَّيخ الفقيه إدريس بن عبدالله منديلي: (والحقُّ أنَّه كافر وهُو المُوافق لقواعد أُصُول العقيدة الإسلاميَّة فمَن قال إنَّ الإنسان يخلُق شيئًا بقُدرة جعلها الله فيه ليس مُسلمًا ولا عبرة بما خالف ذلك ولو وُجِد في مُصنَّفات بعض المُتأخِّرين فهُو قول ساقط مردود ولا يُعمَل به) انتهَى.
نهاية المقال.

اترك رد