أنس المجالس ج ٥٣
معنى الخلق في لغة العرب.
53- قالَ أبو جعفرٍ الطّحاويُ رحمَه اللهُ رَحمةً واسِعَةً: «وأفعالُ العبادِ هيَ خَلقُ الله تعالى وكَسبٌ مِن العباد» هذا اتّفَق عليه أهلُ الحَقّ كُلُّهُم، ومَن خَالَف في ذلكَ فهوَ ليسَ مِن أهلِ الحَقّ، المخالفُ في ذلكَ هوَ إمّا معتزليٌّ قَدرِيٌّ رِجْسٌ وإمّا جَهمِيٌّ جَبْريٌّ رِجْسٌ، كِلْتا الطائفَتين رِجْسٌ أي ضَلالٌ وكُفرٌ، الجَهمِيَّةُ كذّبُوا قولَه تعالى: {بمَا تَعمَلُونَ} وقولَه:{بمَا يَعمَلُونَ} وقولَه:{بمَا تَفعَلُونَ} ، والمعتزلةُ كذّبوا قولَه تعالى:{قُل اللهُ خَالقُ كُلّ شَىء} لأنّ الشّىءَ يَشمَلُ الحَركاتِ والسَّكَناتِ ويَشمَلُ الأجسامَ، ليسَ الشّىءُ خَاصًّا بالأجسام، أليسَ يقولُ القائل ما عمِلتُ شيئًا، حتّى إنّهُ يُقال لُغَةً وشَرعًا نَويتُ شيئًا، إذًا النّيّةُ هيَ مِن أعمالِ القَلب فبالأولى أعمالُ الظّواهِر والحركاتُ والسّكَناتُ تكونُ شيئًا.
يقولُ الشّارحُ القُونَويُّ شَارحُ العَقيدةِ الطّحَاويّة: “اختَلَف النّاسُ في الأفعال الاختِياريّةِ للخَلْق فزعَمَتِ الجَبريّةُ ورئيسُهم جَهمُ بنُ الصَّفوانِ التّرمِذيُ أنّ التّدبيرَ في أفعالِ الخَلق كلِّها لله تعالى وهيَ اضْطِراريّةٌ كحَركاتِ المرتَعِش وحركاتِ العرُوقِ النّابِضَةِ وإضافتُها إلى الخَلق مجَازٌ وهيَ على حسَب ما يُضَاف الشّىءُ إلى مَحَلِّه دونَ ما يُضافُ إلى محَصّلِه، فقولُنا ضرَب زَيدٌ وذهَب عمرو بمنزلَةِ قَولِنا طَالَ الغُلام وابْيَضَّ الشّعرُ” – هذا بيانُ عقيدةِ الجَبريّة الجهميّة – “وزَعَمَ جمهورُ المعتزلةِ أنّ الأفعالَ الاختياريّةَ مِن جميع الحيواناتِ بخَلقِها لا تَعلُّقَ لها بخَلق الله تعالى” اهـ هذا مُعتقَدُ المعتزلةِ وهمُ القدَريّةُ.
جَهمُ بنُ صَفوانَ الذي هو مِن تِرْمِذَ لما أظهَر ضَلالتَه وصارَ لهُ أتْباعٌ الوالي في تلكَ الناحيةِ يُقال له سَلْمُ بنُ أحْوَزَ هو قتَلَه لإطفاءِ فِتنَتِه.
قال الشّارحُ عن المعتزلة: “واختَلَفُوا فيما بَينَهُم في أنّ اللهَ تعالى هل يَقدِرُ على أفعالِ العبادِ فقال أبو عليّ وأبو هاشِم” – هذان أبٌ وابنٌ كلاهما مِن رؤوسِ الكفرِ هذانِ قالا – لا يَقدِرُ على أفعالِ العِبادِ، بَعدَما أعطَاهُما القُدرَةَ عليها صارَ عَاجزًا، وقال أبو الهُذَيْل وأبو الحسَين يَقدِر وهو القِياسُ على أصْلِهم لأنّهُ قادرٌ لذَاتِه فيَجِبُ أن يكونَ قَادرًا على كلِّ مَقدُور، وإنّما تفَرّع هاذان المذهبَانِ أعني مذهَبي الاعتزالِ والجَبريّةِ مِن اتّفاقِ الفَريقَين على مقدّمةٍ وهيَ أنّ دخولَ مَقدُورٍ واحِدٍ تحتَ قُدرَةِ قادِرين مُحالٌ اعتبارًا بالشّاهِدِ فقالت الجَبريّةُ: لا قُدرَةَ للعبد على الاختراع فيكونُ مُخْترعُها اللهُ تَعالى ضَرورةً، وقالت المعتزلةُ قُدرةُ العبدِ على الأفعالِ ثابِتَةٌ ضَرورةَ الأمرِ بها، المعتزلةُ تعَلّقَت بهذا قالوا العبدُ مأمورٌ اللهُ تَعالى أمرَه بفِعلِ أشياءَ وتَرْكِ أشياءَ فإذًا العبدُ لهُ قُدرةٌ أن يَخلُق هذه الأفعالَ، قالوا لو لم يَكن له قُدرةٌ على خَلْقِها لكانَ أمرًا للعَاجِز بما هو ليسَ بقَادرٍ عليه، قالوا كيفَ بَعدَ هذا نقولُ اللهُ قادرٌ على أفعالِ العَبد، هذا مذهَبُ المعتزلة”.
وقالَ أهلُ السُّنَّة للخَلْق أفعالٌ بها صَاروا مُطِيعِينَ وعُصَاةً وجعَلُوها مخلوقةً لله تعالى، والحقُّ تعالى منفَردٌ بخلق المخلوقاتِ لا خالقَ لها سواه ولا مُبْدِعَ غيرُه، ومذهَب الجبريّةِ باطِلٌ لا حاجَةَ إلى بيانِه وأمّا المعتزلةُ فهم يتَمسَّكُون بقَوله تعالى: {فتَبارَكَ اللهُ أحسَنُ الخَالِقِينَ} 14 سورة المؤمنون. قالوا أي المعتزلةُ فيهِ دِلالةٌ أي في قولِ الله تعالى: فتَبارَكَ اللهُ أحسَنُ الخَالِقِينَ} دِلالةٌ أنّ العَبدَ يكونُ خَالقًا أنّ هناكَ خَالِقِين غَيرُ الله، بمعنى يُحدِثُونَ مِنَ العَدم إلى الوجُود. أمّا أهلُ الحقّ يقولونَ الخالقِينَ هنا معناه المقَدِّرينَ ليسَ معناه المحدِثينَ منَ العَدم إلى الوجود لأنّ الخَلْق في لغةِ العرَبِ له نحوُ خمسَةِ مَعاني، يُقال في حَقّ الله تعالى خلَق كذا بمعنى أحدَث مِن العَدم إلى الوجود، {هَل مِن خَالِقٍ غَيرُ الله}. مِن هذا الباب، أي لا أحَدَ يُحْدِثُ مِن العدَم إلى الوجود إلا الله.
يُقالُ في اللّغة: خَلَقْتُ الأَدِيْمَ حِذاءً أي الجِلدَ قَدّرتُه حِذاءً فقَطّعتُه وصَنعتُه، معناه قَدّرتُ أن أعمَل حِذاءً مِن هذا الأديمِ أي الجِلدِ فصنَعتُه أي أنْفَذْتُ ما قدَّرتُ، هذا المعنى الثاني للخَلْق في اللغة، والمعنى الثالثُ خَلَقَ بمعنى صَوَّرَ صُوْرَةً وفي هذا المعنى جاءَ قولُه تبَارك وتعالى خِطابًا لعيسَى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} 110 سورة المائدة. > علم الدين حياة الاسلام: أي تُصَوِّرُ، عيسى عليه السَّلام كان يُصَوّرُ مِن الطِّيْن صورةَ خُفّاش ثم يُخلَق فيها الرُّوحُ، اللهُ تعالى يَخلُق فيها الرّوحَ ثم تَطيرُ حتّى تغِيبَ عن أنظَارِ النَّاسِ ثمّ تَقَعُ مَيِّتَةً، هذه مِن جملَةِ مُعجِزاتِ المسِيح عيسى عليهِ السَّلام، هذا المعنى الثالِثُ خَلَق بمعنى صوَّر، فيَجُوز باعتبارِ هذا المعنى الثّالثِ وصْفُ العبدِ بالخَلق كما وصَف الله تعالى المسيحَ بخَلق الطّير أي تَصويْرِه منَ الطّين، والمعنى الرّابعُ خلَقَ الخَبرَ وخَلَقَ الإِفْكَ بمعنى كذَب، هذا لا يُضَافُ إلّا إلى العبدِ، يُقالُ خَلقَ فلانٌ الإِفْكَ أي افترَاهُ وبهذا المعنى جاءَ في القرءان أيضًا قالَ الله تعالى في حقِّ المشركين: {وتخلقون إفكا} 17 سورة العنكبوت. وقال:{إنْ هَذا إلا اختِلاق} 7 سورة ص . أي افتراءٌ، يُقال خَلَقَ فلانٌ الكَذِبَ واختَلَقَهُ أي افْتَرَاهُ، ويُقالُ أيضًا في اللّغة خَلَقْتُ هذا الخَشَبَ أي أَخَذْتُ هذا الخَشَبَ كُرسِيًّا أي صنَعتُه كُرْسِيًّا، صَنعتُه وسَوَّيْتُه ومَلَّسْتُه، جَعَلْتُه أمْلَسَ بحيثُ يَصْلُح للجُلُوسِ عَلَيْه، هذه المعاني الخَمس في لُغة العربِ الأصليّةِ مَعرُوفَة، فالمعنى الذي هو خاصٌّ بالله تعالى هو مَعنى الخلْق بمعنى الإحداثِ منَ العَدَم إلى الوجودِ بهذا المعنى لا يُضَافُ الخلْقُ لغَيرِ الله، وعلى هذا المعنى ورَد قولُه تعالى: {هَل مِن خَالِقٍ غَيرُ الله}. ، وقولُه:{اللهُ خَالقُ كُلّ شَىء}
هيَ كلِمَةُ اخترَعَ تُضافُ إلى اللهِ وإلى المخلُوق، كما يُضافُ خَلَقَ بمعنى قَدَّر إلى اللهِ وإلى المخلوق، كذلكَ اختَرع يُضافُ إلى اللهِ يُقالُ اختَرعَ اللهُ العوالِمَ اخْتَرع الأرضَ واختَرع السّماواتِ واختَرعَ الإنسانَ اختَرعَ الهواء واختَرعَ النّورَ واخترعَ الظُّلُماتِ، يَصِحّ، ويُقالُ للعبدِ أيضًا اخترعَ كذا بمعنى صنَع بتقديرٍ منهُ وتَقديرٍ مِن الله، تقديرِ الله الأزليِّ وتقديرِ العبدِ الحادثِ.
التَّخْلِيقُ عند الماتُريديةِ أزليّ، يقولونَ: اللهُ خلَق المخلوقاتِ بتَخلِيقِه الأزليّ الأبديِّ ومخلُوقُه حادِثٌ، هذه العوالِم حادثةٌ، لكنْ تخْلِيْقُه لها أزليٌّ أبدي.
