بيان أن المكان والزمان من الأعراض لا من الأعيان
الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله. وبعد فاعلم أن المكان والزمان من الأعراض لا من الأعيان. العالم كل ما سوى الله.
العالم: جوهر وعرض. العالم: أعيان وأعراض ولا ثالث لهما في العالم. والله تعالى ليس جوهرا ولا عرضا. فأما الأعيان فهي الجواهر فمنها ما يكون مركبا ومنها ما يكون بسيطا. فالجواهر المركبة هي الأجسام والجسم هو ما تركب من جوهرين فأكثر والجواهر البسيطة هي الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ لبلوغه الغاية في القلة. والأعيان ما له قيام بذاته أي تحيز بنفسه أي ليس تحيزه تابعا لتحيز شيء آخر وهذا ككل فرد من أفراد البشر والحجر والشجر لأن كل ذلك متحيز تحيزا مستقلا أي ليس تابعا لتحيز شيء آخر.
أما العرض فهو ما لا يقوم بذاته بل بغيره بأن يكون تابعا له في التحيز.
الجوهر الفرد هو أصغر جرم يعني أصغر كمية ولكن ليس له عرض ولا طول ولا عُمق لأن الشيء الذي له عرض يقبل الانقسام تقديرا وإن لم يقبل بالفعل والجوهر الفرد لا يُرى عادة لقلته. والجوهر لا ينفك عن العرض ولا يتصور من غير عرض.
العرض ما يقوم بالجوهر، العرض لا يسد فراغًا، الجوهر يسد فراغًا. الحركةُ لا تسد الفراغ. الجسم الذي تقوم به الحركة هو الذي يسد الفراغ. العرض لا يقوم إلا بحجم؛ الحركة عرض فلا توجد إلا بحجم والسكون كذلك.
الحركة والسكون لا يوجدان خارجين عن حجم متحرك أو حجم ثابت.
الخلاء: إذا أريد به تقدير فراغ مكاني لا تشغله الأجسام مطلقا فهذا لا يكون لأن المكان عرض لا يقوم بذاته. ولو أريد أنه لا تشغله الأجسام الصلبة فهذا صحيح.
والملاء: لو أريد به الأجسام الصلبة المتصلة في خط واحد فصحيح. (في الخلاء والملاء لم أتحر تعابير العلماء).
والفراغ: كما بين الأرض والسماء؛ وبين كل سماء وسماء؛ وبين السماء السابعة والعرش. الشمس والقمر والنجوم تسبح في الفراغ. الفراغ الذي تسبح فيه هو مكانها هو حيزها. ليس من شرط المكان الاتصال بجسم صُلب. نحن متصلون بالأرض وهي جسم ولنا تحيز مستقل ولها تحيز مستقل.
قول الواحد منا: مكاني في الأرض معناه متحيز حيث تتحيز الأرض أي أنا والأرض في حيز معًا. ليس معناه أن الأرض عرض قام بوجودي ولكن المعنى مكاني متصل بمكانها أي لي حيز متصل بحيز الأرض.
وقولنا الملائكة متحيزة في السماء لا يعني أن السماء عرض بل السماء جوهر له حيز ومكان ولكن المعنى أن الملائكة لها حيز متصل بحيز السماء.
وقولنا الليل والنهار أجسام لأنهما يأخذان حيزا من الفراغ؛ فهنا الكلام في حقيقة الليل والنهار لأن الضوء جسم لطيف والظلمة جسم لطيف والجوهر الفرد لها يناسب طبيعتها.
أما لو أطلقنا الليل والنهار على معنى ما يوجد فيهما من تعاقب الحوادث فيكون الليل والنهار بهذا الإطلاق عرضا ولكنه لا يكون إطلاقا أصليا أي لا يكون إطلاقا على أصلهما على حقيقتهما الأصلية. الشمس والقمر والنجوم تسبح في فراغ تشغله الظلمة غير متصل بأجسام صُلبة فهذا الفراغ الذي تسبح فيه هو مكانها هو حيزها. والنور يكون في هذا الجزء من الأرض ثم ينتقل إلى غيره فيأتي الظلام يملأ يسبح في هذا الفراغ الذي كان يشغله النور.
المكان والحيز شيء واحد. المكان هو الفراغ الذي تشغله الأجسام. المكان هو ما يملؤه الحجم من الفراغ. كل هذا معنى واحد.
النور والظلام جسم لطيف بعتبار النور والظلام وقد يعبرعنهما بالعرض من حيثية الرجوع الى المقادير الزمنية فإنهما متجددان والزمان مقارنة متجدد بمتجدد لتوقيت معلوم بمجهول وقال بعض اهل السنة في تعريف الزمان انه عبارة عن حركة الفلك
س: ما معنى قولِ أهلِ السنةِ والجماعة قِدَمُ اللهِ ليس زمانيًّا ؟
ج: معنى هذه العبارة أنّ اللهَ لا يجري عليه زمان ، الذي يجري عليه الزمان هو المخلوق واللهُ خالقٌ وليس بمخلوق أي لا بدايةَ لوجودِه لأنّ الزمانَ حادثٌ
الزمانُ مخلوق وهو مقارنةُ متَجَدِّدٍ بمُتَجَدِّدٍ آخَر لتوقيتِ مجهولٍ بمعلوم وفسّره بعضُهم بمرورِ الأيامِ والليالي فهو شىءٌ حادثٌ مخلوق
تفسير اﻷول إذا أطلق على الله و تعريف الزمان
تفسيرُ قُولِ اللهِ تَعَالَى:
﴿ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱﻵخِرُ وَٱلظَّٰٰاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة الحديد/٣]
قَالَ النَّسَفيُّ فِي تَفسيرِهِ:
{ هُوَ الأَوَّلُ } هُوَ الْقَدِيمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ،
{وَالآخِرُ } اَلَّذِي يَبْقَى بَعْدَ هَلاكِ كُلِّ شَيْءٍ،
{وَالظَّاهِرُ } بِاﻷدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ،
{وَالْبَاطِنُ} لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالْحَوَاسِّ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا، وَالْوَاوُ الْأُولَى مَعْنَاهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ؛ وَالثَّالِثَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ؛ وَأَمَّا الْوُسْطَى؛ فَعَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ فَهُوَ الْمُسْتَمِرُّ الْوُجُودِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ وَهُوَ فِي جَمِيعِهَا ظَاهِرٌ وَبَاطِن.
(فالوَصفُ إِذا أُطلِقَ عَلَى اللهِ تَجَرَّدَ عَنِ الزَّمَانِ وأفادَ مَعنَى اﻷزَلِيَّةَ والدَّوَامِ.
وَقِيلَ: “اَلظَّاهِرُ”: اَلْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءِ؛ الْغَالِبُ لَهُ؛ مِنْ “ظَهَرَ عَلَيْهِ”؛ إِذَا عَلَاهُ وَغَلَبَهُ؛
وَ”اَلْبَاطِنُ”: اَلَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءِ؛ أَيْ: عَلَمَ بَاطِنَهُ؛ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فمَعْنَى الأَوَّلِ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ الَّذِي لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَهُوَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ بِهَذَا الْمَعْنَى، قَالَ تَعَالَى:
﴿هُوَ اْلأَوَّلُ وَاْلآخِرُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/ ٣]،
فأولية الله مطلقة، أما الأولية بالنسبة للمخلوق هي أولية نسبية. مثلًا يقال: سيدُنا ءَادَمُ أولُ إنسانٍ.
قال الإمام النسفيُّ رحمه الله عَنْ تنزيهِ اللِهِ عنِ الزمانِ:《وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ》.
مَعنَاهُ أنَّ الزمَانَ عندَ أهلِ الحقِّ مُقارَنةُ مُتجددٍ بِمُتجددٍ ءاخر، أو بِعبارةٍ أُخرَى متجدِّدٌّ يُقَدَّرُ بهِ مُتَجدِّدٌ ءاخَرُ، يعني أنتَ عندَما تَقولُ:
(أنا استغرقْتُ في هذا العَملِ سَاعَةً)
يعنَي أنا استَمرَرْتُ في هَذا العملِ مُدةً أَقِيسُها بِذِهني بِمُدةِ دوَرانِ عقربِ الدقائقِ في الساعَةِ الفلكية دورةً كاملةً، فَدَورانُ العقرب شيءٌ متجددٌ وعملُكَ متجدِّدٌ، فقارنْتَ متجددًأ بمتجَددٍ ءاخَرَ، عملُكَ اقترَنَ استَمَرَّ نفسَ مدةِ دورانِ عقربِ الدقائقِ دورةً كاملةً، عَملُكَ قارنَ هَذا ، إلَى اﻵن مضَتْ ساعةٌ مِن أولِ ابتداءِك بالعَمَل، فالزمان هو هذا، فالزمان هو مقارنةُ متجددٍ بمتجددٍ ءاخَر، أو تقديرُ متجددٍ بمتجددٍ ءاخَر ﻹزالةِ اﻹبهامِ عنِ اﻷول بالثاني.
مَثلًا تَقول: (النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم وُلِدَ بمَكةَ) فإنْ قِيلَ : مَتَى وُلِدَ النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم؟
فالجوابُ: (وُلدَ يومَ الاِثنينِ في الثاني عَشَرَ مِن شهرِ ربيعٍ الأولِ عَامَ الفيلِ).
فبِالنَسبةِ لِلمستَمِعِ يُقالُ للبصيرِ الذي يَسألُ : (متَى جَاءَ زيدٌ؟)
الجَوابُ: (جَاءَ زَيدٌ عِندَ طُلوعِ الشمسِ)
فهُنا أُزيلَ اﻹبهَامُ عَن وَقتِ مَجيءِ زَيدٍ بطلوعِ الشمسِ،
أما بالنسبةِ للأعمَى فالجوابُ له عندَما يسألُ :متَى طلَعَتِ الشمسُ؟ ﻷنهُ لا يَرى ضَوءَها
الجوابُ: ( طلَعتْ الشَّمسُ لَمَّا جَاءَ زيدٌ).
مسألة مهمة:
سئل الشيخ عبد الله الهرري: شخصٌ أورد قولَهُ تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (47) وزعم أن الله يجري عليه الزمان؟
فقال الشيخ في الجواب: معنى الآية: أن الموطن الواحد من القيامة كألف سنة ومواطنه خمسون فكل موطن بألف سنة بتقدير هذه السنين كما قال تعالى في سورة السجدة: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (5)
فالذي يَحْتَجُ به لإثبات اقترانِ الزمانِ بالله تعالى كما يقترن بالواحد منا فقد خالف وكذب قول الله تعالى:{ هو الأول } اي السابق كل شيء في الوجود لأنه لا ابتداء لوجوده فدخل الزمن في ذلك، وخالف قول رسول اللهﷺ ” كان الله قبل كل شىء” رواه البيهقي،
ومخالف لقولهﷺ في رواية البخاري المشهورة:” كان الله ولم يكن شىء غيره” وزمان غير الله بالضرورة إذًا الزمن لم يكن مقترنًا مع الله في الأزل، ثم لا يطابق هذا تعريف الزمن وهو: مقارنة متجدد بمتجدد أحدهما سابق على الآخر كلاهما متجدد الزمن متجدد والذي يقترن به متجدد.
وقالت الفلاسفة الزمن حركة الفلك، وهذا المتوهم استند في دعواه الفاسدة إلى كلمة عند ربك وهل هذه الكلمة تعطي الأزلية؟! وماذا يقول في قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذَ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِهِـمْ } [سورة السَّجْدَة ءاية 12] فهل هؤلاء المجرمون والوقت الذي ينكسون فيه رؤوسهم أزلي؟! ثم عموم قوله تعالى ( الله خالق كل شىء) يشمل الزمن في معنى الحدوث وهذا المدعي لم يوافق فهم المفسرين ولا فهم الفلاسفة.
لفضيلة الشيخ الدكتور نبيل الشريف حفظه الله تعالى وجزاه عنا خير الجزاء
https://t.me/Eilmaldiyntariqaljana
اللهمّ فقهنا فـــي الدّين واجعلنا خــدّامًا له ءامين
قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى:
ثم أقول: للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات، هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه، أو تُؤَوَّل ؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف، وهو اختيار الإمام في الرسالة النظامية (أي إمام الحرمين الجويني رحمه الله) وفي مواضع من كلامه، فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار فِي هذا، ولا في مقابله، فإنها مسألة اجتهادية، أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه.
إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر، والاعتقاد أنه المراد، وأنه لا يستحيل على الباري، فذلك قول المجسمة عباد الوثن، الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه، ابتغاء الفتنة، عليهم لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى، ما أجرأهم على الكذب، وأقل فهمهم للحقائق. اهـ. من طبقات الشافعية الكبرى.
والقرءان وحديث الرسول لا يناقض بعضه بعضا، فوجب التوفيق بين النصوص وتجنب إلغاء واحد منها، ولا يمكن ذلك إلا بحمل ءايات الصفات على مقتضى المحكم الصريح كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ} [سورة الشورى] ومقتضى البرهان العقلي القطعي على استحالة مشابهة الخالق المخلوق بالجسمية واللون والأعضاء والتحيز في المكان والحد والكمية؛ والعقل شاهد الشرع فلا يأتي الشرع إلا بمُجَوزات العقول ولا يأتي بما يحيله العقل؛ قال تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [سورة الحشر] فيحتم العقل تنزُّهه تعالى عن الانفعال بالغضب والرضا والاتصاف بالذوق للمطعومات والمشمومات
