(وأعظمُ الذنوبِ الكفرُ بأنواعِهِ وأشدُّهُ) إثمًا وعذابًا هو (التعطيلُ) بإنكارِ وجودِ اللهِ عزَّ وجلَّ (وأبشعُهُ) من حيثُ كونُهُ خروجًا من الحقِّ ورجوعًا عنه إلى الباطلِ (الردةُ) ولذلك قالوا الردةُ أفحشُ أنواعِ الكفرِ أي أبشعُهُ منَ الحيثيةِ المذكورةِ
الرّدّة هي قطع الإسلام باعتقاد كفرٍ أو بقول كفرٍ أو بفعل كُفْرٍ.
ملاحظة: لا نُطْلِقُ بأنّ الرّدّة هي أشدُّ أنواع الكفر ولا نُطْلِقُ بأنّ الرّدّة ليست أشدَّ أنواع الكفر، بل نُفَصِّلُ فقد يكون الشخص مسلما ثم يصير ملحدا وهذا يكون وقع في أشد أنواع الكفر، وقد يكون مسلما ويخرج من الإسلام بسبب سبّه للنبيّ وهذا ليس أشد أنواع الكفر. ولنا أن نطلق أنّ االرّدّة هي أبشع وأفحش أنواع الكفر من حيث كونها خروجٌ عن الحق ورجوعٌ إلى الباطل (وهي ثلاثةُ أقسامٍ اعتقاداتٌ) محلُّها القلبُ فَيَرْتَدُّ ويكفرُ مَن اعتقد شيئًا منها(وأفعالٌ) تحصلُ بالجوارحِ يَرْتَدُّ مَنْ فَعَلَ شيئًا منها (وأقوالٌ) محلُّها اللسانُ فيرتدُّ عن الدّينِ من نَطَقَ بشيءٍ منها.
(وكلُّ قسمٍ يتشعّبُ) أي ينقسمُ (شُعَبًا) أي أقسامًا (كثيرةً فمن) أمثلةِ القسمِ (الأولِ) من أقسام الرّدةِ وهي الردةُ الاعتقاديةُ (الشكُّ في) الشك في باب العقيدة ليس المراد به تساوي الاحتمالين فقط، بل كل ما ينافي الجزمَ يُقال عنه شك، ولو كان واحد بالمائة أو أقل من ذلك، فهذا الشك مُخرجٌ من دين الإسلام، بخلاف الشك في بعض أمور الفقه كالطهارة والصلاة، فالشك فيها هو تساوي الاحتمالين وجودِ (اللهِ أو) وَحدانيتِهِ أو عدلِهِ ومنها الشكُّ (في) حَقِّيَّةِ (رسولِهِ) صلى الله عليه وسلم (أو) في حَقّيَّةِ (القرءانِ و) منها (نَفْيُ صفةٍ من صفاتِ اللهِ الواجبةِ لهُ إجماعًا) وهي ثلاثَ عشرةَ صفةً[1] أجمعتِ الأمةُ على وجوبِ معرفتِها وتقدَّمَ ذِكْرُها ءانفًا في شرحِ الإيمانِ باللهِ تعالى وهي الوجودُ والقِدَمُ والبقاءُ والوَحدانيةُ والقيامُ بالنَّفْسِ والمخالفةُ للحوادثِ والحياةُ والعلمُ والمشيئةُ والقدرةُ والسمعُ والبصرُ والكلامُ.
الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تعالى
- الوجود: معناه أن الله عز وجل موجود لا شك في وجوده، قال الله تعالى: «أفي الله شك» [إبراهيم/10]، ودليل وجوده أن يقال نحن وُجِدْنا بعد عدم فلا بد أن يكون لنا مخصِّصٌ اختار لنا الوجود دون البقاء في العدم وهذا المخصِّص هو الله، فإنه لا يصح عقلا وجود فعل من غير فاعل، والشيء لا يخلق نفسه.
- القِدَمُ: أي أنّ الله عز وجل أزليٌّ لا بداية لوجوده، قال الله تعالى: «هو الأول» [الحديد/3]، ودليل أزليته أنه لو لم يكن كذلك لكان حادثا ولوجب أن يكون له خالق خصصه بالوجود دون العدم وهذا ينفي عنه صفة الخالقية.
- البقاء: أي أن الله عز وجل باق لا نهاية لوجوده، قال الله تعالى: «هو الأول والآخر» [الحديد/3]، ودليل وجوب اتصافه بالبقاء هو أنّه لو كان يجوز عليه الفناء لجاز عليه التغير والمتغير ناقص والنقص على الإله محال.
- الوَحدانية: فالله واحد بمعنى أنه عز وجل لا شريك له في الألوهية ولا ثاني له أي لا مثيل له في ذاته ولا في صفاته ولا في فعله “وفعله التخليق”، قال الله تعالى «وإلهكم إله واحد» [البقرة/163]، ودليل ذلك من العقل أن يُقال لو كان لهذا العالم إلهان لجاز عقلا أن يُريد الثاني خلاف مراد الأول فإنْ حصل مرادُ أحدهما وتخلّف مراد الآخر كان الأخير مغلوبا عاجزا والعاجز لا يكون إلها.
- القيام بالنفس: المراد بهذا أن الله غني عن العالمين لا يحتاج للمخلوقات، قال الله تعالى: «فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين» [آل عمران/97]، والدليل من العقل أن يُقال لو لم يكن مستغنيا عنهم لكان محتاجا لهم ولجاز عليه ما يجوز عليهم فتنتفي عنه الإلهية أي الخالقية، فالمحتاج لا يَخْلُقُ، بل يُخلَقُ.
- المخالفة للحوادث: أي أنّ الله لا يُشبه شيئا من خلقه لا من كل الوجوه ولا بوجه من الوجوه، فهو عز وجل منزّهٌ عن الصورة والشكل والهيأة والحركة والسكون وعن التّحيّز في جهة أو مكان وعن كل صفات المخلوقين، قال الله تعالى «ليس كمثله شيء» [الشورى/11]، فلو كان الله عزّ وجلّ يشبه خلقه ولو في جزئية لجاز عليه عقلا ما يجوز عليهم كالفناء والجهل والعجز وهذا محال.
- الحياة: معناه أنّ الله موصوف بحياة أزلية أبدية لا تتغيّرُ، ليست بروح ولحم ودم كحياتنا، قال الله تعالى «الله لا إله إلا هو الحي القيوم» [البقرة/254]، وعقلا يُقال لو لم يكن حيّا لكان ميْتًا والميتُ لا يخلق لأنه لا إرادة ولا قدرة له.
- العلم: أي أنّ الله عزّ وجلّ موصوف بالعلم وعلمه أزليّ أبديّ لا يتغيّر، لا يزداد ولا ينقص، عالم بذاته وبصفاته وباستحالة الشريك له وبما كان وما يكون وما لم يكن كيف يكون لو كان، قال الله تعالى: «وهو بكلّ شيء عليم» [البقرة/29]. والدليل العقلي هو أنّه لو لم يكن عالما لكان جاهلا ولو كان علمه حادثا لكان ذاته حادثا ولو كان علمه يتغير لأدى ذلك إلى وصفه بالجهل والجهل نقص والنقص على الخالق محال.
- المشيئة وهي الإرادة: هي صفة أزلية أبدية لا تتغير واجبة لله تعالى، يُخصِّصُ اللهُ بها الممكنَ العقليَّ ببعض ما يجوز عليه من الصفات دون بعض في وقت دون آخر، قال الله تعالى: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربُّ العالمين» [التكوير/29]. والدليل العقلي على ذلك هو أنه لو لم يكن شائيا مريدًا (لما كان خالقا ولما رأيت عالَمًا) [لكان مغلوبا والمغلوب عاجز والعاجز لا يكون إلهًا].
- القدرة: الله قادرٌ على كل شيء، والقدرةُ هي صفة أزلية أبدية لا تتغير واجبة لله تعالى بها يُؤثّر في الممكنات العقلية؛ بها يوجد ويُعدم على وَفْق مشيئته وعلمه الأزليّيْن، قال الله تعالى: «وهو على كل شيء قدير» [المائدة/120]. والدليلُ العقليُّ على اتصافه عز وجل بالقدرة أنّه لو لم يكن قادرا لكان عاجزا والعاجز لا يكون إلهًا. (نقول موضوع القدرة هو الممكن العقلي ووظيفتها الإيجاد والإعدام)
- السمع: أي أنّ الله جلّ وعزّ يسمع كل المسموعات بسمع أزلي أبدي لا يتغير بلا أذن ولا آلة أخرى، قال الله تعالى «إنّه هو السميع البصير» [الإسراء/1]. والدليل على ذلك أن يُقال لو لم يكن عز وجلّ متصفا بالسمع لكان أصمَّ وهذا نقصٌ والنقص على الله محال.
- البصر: أي أنّ الله يُبْصِرُ كل الْمُبْصَرَات بلا حدقة أو شعاع ضوء، قال الله تعالى: «وهو السميع البصير» [الشورى/11]. ويدل على ذلك أنه لو لم يكن بصيرا لكان موصوفا بالعمى وهذا نقص، والنقص على الخالق محال.
- الكلام: الله موصوف بالكلام، وكلامه كسائر صفاته أزليٌّ أبديٌّ لا يتغير ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة، لا يُبتدأ ولا يُخْتتمُ ولا يتقطع، قال الله تعالى: «وكلّم الله موسى تكليما» [النساء/164]. والدليلُ العقليُ أنّه لو لم يكن الكلام وصفه لكان أبكم والبَكَمُ نقصٌ والنقص على الله محال.
تنبيه: عبارة كلام الله والقرءان عند الإطلاق تُصرف للصفة الأزلية وقد تُطلق عبارة “القرءان مخلوق” أو “كلام الله مخلوق” ويُرادُ بها اللفظ المنزَّلُ ويكون هذا في معرض البيان أيْ أنّ هذا اللفظ المنزَّلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، المكتوبَ في مصاحفنا والمقروءَ بألسنتنا والمحفوظَ في صدورنا مخلوق (إطلاق عبارة “القرءان مخلوق” من غير بيان أو أداة حكاية حرام).
(و) من أمثلةِ الردةِ (نسبةُ ما يجبُ تنزيهُهُ عنه إجماعًا إليهِ) سبحانَه (كالجسمِ والقعودِ) والهيئةِ والصورةِ والشكلِ واللونِ والحدِّ والجهلِ والعجزِ والحاجةِ والظُّلْمِ (و) منها (تكذيبُ) أيِّ (نبيّ) من أنبياءِ الله (أو تنقيصُهُ) أي نسبةُ النقصِ وصفاتِ الأسافلِ إليه (و) منها (جحدُ) أي ردُّ وتكذيبُ أمرٍ (معلومٍ من الدينِ بالضرورةِ) أي أمرٍ يتعلّقُ بإيجابٍ أو بتحريمٍ أو نَدْبٍ أو كراهةٍ أو إباحةٍ أو بِخَبَرٍ عن ماضٍ أو مستقبلٍ يَعلمُ العالمُ والجاهلُ من المسلمين أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءَ به أي وبحيثُ يكونُ هذا الأمرُ (مما لا يَخْفَى عليهِ)أي مما لا يَخْفَى على هذا الجاحد أنه من أمورِ الدينِ الإسلاميِّ لا كمَنْ أسلمَ من زمانٍ قريبٍ ولم يَعْلَمْ بأنَّ هذا الأمرَ جاءَ بِهِ الشرعُ*
| مجمع عليه3 | مختلف فيه | هذه الأمور منْ أنكرها أو شكّ أو توقّف فيها خرج عن دين الإسلام ولو كان قريب عهد بإسلام مثال ذلك: معاني الصّفاتِ الثّلاثَ عَشْرَةَ الواجبةِ لله تعالى وكوْنُ العالَمِ مخلوقٌ. | |
| معلوم من الدين بالضرورة4 | غير معلوم من الدين بالضرورة | من أخذ بقولٍ من الأقوال في مسألة اختلف المجتهدون فيها جاز له ذلك ولا يُنْكَرُ عليه بشرْط أن يكون القولُ معتبَرًا5 مثال ذلك: ستر الفخذ للرّجل | |
| من أنكره كفر إلا إنْ خفِيَ عليه حكمه في الشّرع فلا يكفر كأن كان قريب عهد بإسْلام مثال ذلك: وجوب الصلوات الخمس وحرمة الزنا | من أنكره لا يكفر إلا إنْ كان يعلم حكمه في الشّرع ومع ذلك عاند، فيكفر مثال ذلك: حرمة مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية بلا حائل بلا شهوة | ||
- أي يستقل العقل السليم بمعرفته ولو لم يعرف أنّ الشرع ورد بذلك.
- أي لا يُدرك استقلالا بالعقل إنما يُعْرَفُ بإخْبار الرسول به.
- الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم على أمرٍ من أمور الدين في عصر من العصور.
- مجمع عليه معلوم من الدين بالضّرورة أي يشترك في معرفته العالم والجاهل.
قد يكون قول بعض المجتهدين لا عِبرة به كمن اجتهد في مسْألة وخفي عليه ورود الحكم في حديث لأنه ما بلغه هذا الحديث.
(و) منهَا (التكذيبُ بالقَدَرِ) باعتقادِ حدوثِ عينٍ أي حجمٍ أو عمَلِ قلبٍ أو جارحةٍ على عكسِ مشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وبغيرِ تقديرِهِ وتخليقهِ فإنه كفرٌ والعياذ بالله كما نصَّ عليه الإمامُ مالكٌ رضِيَ اللهُ عنه (و) منها (العزمُ على الكفرِ في المستقبلِ) القريبِ أو البعيدِ وكذا التردّدُ في ذلك (وعقيدةُ الحلولِ) باعتقادِ حُلولِ اللهِ في غيرِهِ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا (والوَحدةِ المطْلَقَةِ) باعتقاد أنّ اللهَ هو العالَمُ والعالَمَ هو اللهُ وهما مع التعطيلِ أشدُّ الكفرِ[2].
(ومن) أمثلةِ القسمِ (الثاني) من أقسامِ الردّةِ وهو الردةُ الفعليةُ (السجودُ لصنمٍ) كصورةٍ اتُّخِذَتْ لِتُعْبَدَ (أو شمسٍ أو نارٍ) لأنَّ كُلاًّ من هذه الأفعالِ أجمعَ المسلمونَ أنه لا يصدرُ إلا منْ كافرٍ. يعني هذه قاعدة: الفعل الذّي أجمع المسلمون على أنّه لا يصدر إلاّ من كافر فهو كفر، كالسجود لصنم أو نار أو شمس (ورَمْىُ المصحفِ في القاذورةِ أي مستقذر ولو لم يكن نجسا والعياذُ باللهِ تعالى) لأنّ هذا استخفافٌ به ومثلُهُ الدَّوْسُ على اسمِ اللهِ عامدًا طائعًا عالما بأنَّ ما يدوسُ عليه هو اسمُ اللهِ.
(ومن الثالثِ أن يقولَ لمسلمٍ) وهو يعرفه مسلمًا (يا كافرُ) وهو (غيرُ مُتَأَوّلٍ) أي غيرُ قاصدٍ بهذه العبارة تشبيهَهُ بالكافرِ أي يا شبيهَ الكافرِ في خساسةِ أعمالِكَ بل يريدُ أنّ دينَهُ كفرٌ وهو يعلمُ أنه على الإسلامِ فإنَّ القائلَ يَرْتَدُّ حينئذٍ (و) منها (السخريةُ باسمٍ منْ أسماءِ اللهِ تعالى) كأن يقولَ اسمُ الرحمنِ ليس حسنًا كالذي يعرف أن الرحمن هو من أسماء الله وسمع عن شخص سمى ولده عبد الرحمن فصار يسخر من هذا الاسم ويقول مثلا لا يصلح في هذا الزمان أن تسمي ولدك عبد الرحمن هذا قديم (démodé) فهذا كفر والعياذ بالله (أو وعدِهِ) للطائعينَ بالثوابِ كأن يقولَ الجنةُ لعبةُ الأطفالِ أو أنَّ نعيمَ الدنيا أو بعضَهُ أفضلُ منها (أو وعيدِهِ) للعصاةِ والكافرينَ كأن يقولَ غدًا أتدفّأُ في نارِ جهنَّمَ أو يكونُ عذابُها نعيمًا لي وبحيثُ يكونُ مثلُ هذا الاستخفافِ (مِمَّنْ لا يخفَى عليهِ نسبةُ ذلكَ إليهِ سبحانَهُ) أي ممنْ يَعلمُ بأنَّ الاسمَ الذى يستخفُّ به هوَ اسمُ اللهِ تعالى أو أنَّ الوعدَ الذى يستهزئُ به قد جاءتْ به الشريعةُ أو أنّ الوعيدَ الذي يُكَذّبُهُ قد بَلَّغَهُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأما إنِ استهزأَ بوعدٍ لا يَعلَمُ أنه وعدُ الله أو كذَّبَ بوعيدٍ لا يَعلمُ أنهُ وعيدُ اللهِ فلا يكفرُ (و) كذا من ألفاظِ الردةِ المخرجة من الإسلام (الاستخفافُ بالإسلامِ) بِسَبّهِ مثلاً (أو بالكعبةِ أو بالقرءانِ) بشتمِهِما وتنقيصِهِما (أو بحكمِ الشريعةِ) بأن يُقالَ مثلاً إنَّ الشرعَ ظَلَمَ المرأةَ أو إنّ جوازَ الطلاقِ قِلَّةُ حكمةٍ أو إنّ أحكامَ الميراثِ لا تصلحُ لأيامِنا أو إنَّ جوازَ جمعِ الرجلِ بين زوجتينِ أو ثلاثٍ أو أربعٍ مستبشَعٌ وما شابَهَ ذلكَ (أوْ بالأنبياءِ أوِ الملائكةِ) بِسَبِّ بعضِهِمْ ولو واحدًا منهم أو تنقيصِهِ.
| الكلام | ||||
| صريح | ظاهر | |||
| ليس له إلا معنى واحدا | له معنيان فأكثر، بعضها كفر وبعضها ليس كفرا | |||
| العبرة فيه بالفهم، فمن فهم معناه وقاله بإرادته غيرَ مُكْرَهٍ بالقتل، كفَرَ، ولا يُنْظَرُ إلى قصْده، كالذي يقول [الله جالسٌ على العرش]، أما إن لم يفهم المعنى لا يُكَفَّرُ، بل يُعَلَّمُ. بعض الكرّامية من الأعاجم يقولون [الله جسم لا كالأجسام] وهم يظنون أنّ معناها [الله موجود لا كالموجودات] بسبب جهلهم باللغة العربية، هؤلاء لا يُكَفَّرون بسبب قولهم هذا، بل يُعَلّمون. | قصد المعنى الكفري | قصد المعنى الغير كفري | ||
| حكمه أنه كافر، كالذي يقول [الخبز خير من الله] ويقصد أنّ الخبز أفضل من الله. | حكمه أنه لا يكفر، كالذي يقول [الخبز خير من الله] ويقصد أنّ الخبز نعمة من عند الله. | |||
فائدةٌ. قال ابنُ جُزَىّ في “القوانينِ الفقهيةِ” إنه لا خلاف أي أمر مجمع عليه في تكفير من نَفَى الربوبيةَ أو الوَحدانيةَ أو عَبَدَ معَ اللهِ غيرَهُ أو كان على دين اليهود أو النصارى أو المجوسِ أو الصابئينَ أو قال بالحلولِ أو التناسخِ هي عقيدة بعض الفرق يزعُمون أن الشخص إذا مات تنتقل روحه إلى مخلوق آخر على حسب فعله أو اعتقدَ أنّ اللهَ غيرُ حيٍّ أو غيرُ عليمٍ أو نفَى عنه صفةً من صفاتِه أي من الصفاتِ الثلاثَ عشرةَ التي تقدَّمَ ذِكْرُها أو قال صنع العالمَ غيرُهُ أو قال هو متولَّدٌ من شيءٍ أو ادَّعَى مجالسةَ اللهِ حقيقةً أو العروجَ إليه أو قال بقِدَمِ العالمِ أو شكَّ في ذلك كُلّهِ ليس المراد بالشك تساوي الاحتمالين فقط بل المراد به كل ما ينافي الجزم أو قال بنبوةِ أحدٍ بعد سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أو جوّزَ الكذبَ على الأنبياءِ عليهِم الصلاةُ والسلام أو قال بتخصيصِ الرسالةِ بالعربِ – أي ادَّعَى أنه عليه الصلاة والسلام مرسلٌ إلى العربِ فقط – أو ادَّعَى أنه يُوحَى إليهِ أو يدخلُ الجنةَ قبل الموتِ حَقيقةً أو كفَّرَ جميعَ الصحابةِ أو جحدَ شيئًا مما يُعلم من الدينِ ضرورةً أو سعى إلى الكنائسِ بِزِيّ النصارى اتفق علماء الإسلام على أنّ من علق شعار الكفر على نفسه ودخل مختلطا مع الكفار معابِدَهم أنه يكفر، لأنه فعل لا يصدر إلا من كافر إجماعا أو قال بسقوطِ العبادةِ عن بعضِ الأولياءِ أو جَحَدَ حرفًا فأكثرَ منَ القرءانِ[3] أو زاده أي عنادًا أي مع معرفتِهِ أنه ليس منه أو غَيَّرَهُ أي عنادًا أو قال القرءانُ ليسَ بمعجزٍ أو قال الثوابُ والعقابُ معنويانِ أو قالَ الأئمةُ أفضلُ منَ الأنبياءِ أي الأئمة الاثنا عشر الذين هم من الصالحين من ءال البيت بعض الشيعة يغالون في تعظيمهم فيقولون عنهم أنهم أفضل من كل الأنبياء غير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اﻫ
ولا فرق في الحكمِ بالردةِ على متلفظِ هذهِ الألفاظ المتقدمة بين أن يقولَها في حالِ الرِضَا أو في حال السُّخْطِ فإنّهُ يجبُ تعظيمُ اللهِ عزّ وجلّ ورسلِهِ وملائكتِهِ وشَريعتِهِ في الحالينِ، ولا فرقَ كذلك بين أن يقصدَ بِقَوْلِها الخروجَ من الإسلامِ أو لا يقصدَ ذلكَ طالما هو يَعرفُ معناهَا أي يفهم معناها ولو جَهِلَ ما تؤدِّى إليه فإنَّ أحدًا لم يَشترِطْ عِلْمَ الكافِرِ بأنه كافرٌ ولا قصدَهُ أن يكونَ كافرًا ليُحْكَمَ بكفرِهِ كما دلَّ على ذلك قولُ اللهِ تعالى في سورةِ الكهفِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وكما يشيرُ إليه قولُه عزَّ وجلَّ في سورةِ التوبةِ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أبِاللهِ وءايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾.
تنبيه. لا يُشترطُ للوقوع في الكفر:
- معرفة الحكم، معناه من قال كلام الكفر بإرادته (أي بغير سبق لسان) وهو فاهم للمعنى، غيرَ مُكرهٍ بالقتل كَفَرَ سواءٌ عرف أنّ حكم ما قاله أو اعتقده أو فعله كفر أم لا، مثال ذلك من سبّ ربّ العالمين وهو لا يعرف أنّ حكم مسبة الله الكفرُ كفرَ.
- ولا يُشْترطُ اعتقاد معنى اللفظ، معناه من تلفّظ بكلام الكفر بإرادته (أي من غير سبق لسان) وهو فاهم للمعنى، غيرَ مُكْرَهٍ بالقتل كفرَ سواءٌ اعتقد ما قاله أم لا، كالذي يقول “لله زوجة” هذا كفَرَ وإنْ كان لا يعتقد أنّ لله زوجةً.
- ولا يُشْتَرَطُ انشراحُ الصدر، فمن قال كلام الكفر بإرادته وهو فاهم للمعنى، غيرَ مُكْرَهٍ بالقتل، كَفَرَ سواءٌ انشرح صدره لما قال أم لا، وإنما يُسْتثنى من الكفر في مسألة الإكراه من أُكره هو بالقتل أو بما يفضي للقتل لينطق بالكفر (أو ليفعل الكفر) فنطق (أو فعل) وقلبه غير منشرح لما نطق به (أو فعله) من كفر، أما لو انشرح صدره للكفر كفر وإن كان هُدّدَ بالقتل، وكذلك يكفر إن أُكره غيره بالقتل (كزوجته، أو ولده، أو أمه، أو أبيه) أو أُكرِه هو بغير القتل حتى يقول قولا أو يفعل فعلا فيه كفرٌ فإنه يكفر حينئذ إن قال أو فعل ما أُكره عليه.
- ولا يُشترط عدم الغضب، معناه من فعل فعلا كفريا أو قال كلاما كفريا في حالة الغضب بإرادته، وهو فاهم للمعنى، غير مكره بالقتل، كفر وكذا إن كان مازحا، فالغضب والْمُزاح ليسا عذرًا للكفر.
- ولا يُشْترطُ أن يقصد بكلامه الخروج من الإسلام، معناه من قال كلامَ الكفر بإرادته، وهو يفهم المعنى، ولم يكن مكرها بالقتل، كَفَرَ سواءٌ قصد بذلك الخروج عن دين الإسلام أو لم يقصد.
(فصلٌ) (يجبُ على منْ وقعتْ منهُ ردةٌ العودُ فورًا إلى الإسلامِ بالإقلاعِ عنْ سببِهَا) أي بتركِ سببِ الردةِ فلو كانت ردّتُهُ بالدَّوْسِ على المصحفِ مثلاً لم يصحّ رجوعُهُ إلى الإسلامِ مهما تشهدَ إذا كانَ لا يزالُ دَائِسًا عليهِ (و) يلزمُهُ أيضًا للرجوعِ إلى الإسلامِ (النطقُ بالشهادتينِ) أو بما يُعطِى معناهما بالعربيةِ أو بغيرِها من اللغاتِ ويبقى عليه لصحة توبته الندم على ما صدر منه والعزم أن لا يعود لمثله (فإن لم يرجعْ) إلى الإسلام بما ذكرنا (وَجَبَتِ استتابتُهُ) بأن يَعْرِضَ عليه الحاكمُ الرجوعَ إلى الإسلامِ ويمهلَهُ ثلاثَةَ أيامٍ عند بعض العلماء الإمهال ليس شرطا فإنْ أبى قَتَلَهُ وُجوبًا في الأمرينِ ذكرًا كانَ أم أنثَى أما الحامل فَتُمْهَلُ إلى أن تضع ولدها. ويجبُ على من وقعتْ منه الرِّدَّةُ النَّدَمُ على ما صدرَ منهُ والعزمُ على ألاّ يعودَ لمثلِهِ.
فإن ارتدَّ بسبِّ اللهِ تعالى أو النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّمَ أو أحدٍ منَ الملائكةِ أو الأنبياءِ فالمشهورُ أنَّ العقُوبةَ لا تَسْقُطُ عنهُ بالتوبةِ.
وأما الزِنْدِيقُ وهو الذي يُظهر الإسلام ويُبْطِنُ الكفرَ فإذا عُثِرَ عليهِ قُتِلَ ولا يُمهَلُ ولا يُعفَى منَ القتلِ بتشهُّدِهِ ودعواهُ التوبةَ إلا إذا جاءَ تائبًا قبل ظهورِ زندقتِهِ. [الزنديق] ويُقالُ له أيضا [المنافق في الاعتقاد]، إذا عُثِرَ عليه في حال زندقته، أي وهو متلبّسٌ بزندقته فهذا، وإن تشهّد، يُقْتَلُ، أمّا إن تاب من زندقته قبل أن يُعثر عليه فلا يُقتل كأن جاء يحكي عن حاله وقد تاب.
(فصلٌ) (ويَبطلُ بالردةِ الصومُ) ويجب عليه الرجوعُ فورًا إلى الإسلامِ والإمساكُ باقيَ النهار عن المفطِّراتِ في رمضانَ وليسَ عليهِ كفارةٌ لأنهُ هَتَكَ حُرمةَ الإسلامِ لا حرمةَ الصيامِ خصوصًا (و) يبطلُ بها أيضًا (الوضوءُ والتيممُ وتنقطعُ) بارتدادِ أحدِ الزوجينِ (عِصمةُ النكاحِ) بطلقةٍ بائنةٍ وقيل بفسخٍ[4] فإن قال لها أرجعتكِ إلى نكاحِي أو عقد عليها بعقدٍ جديد من غير رجوع من ارتدَّ منهما إلى الإسلام لم يصحَّ ذلك[5] إذا ارتدّ أحد الزوجين فعلى قول ينفسخ عقد النكاح ولا تُحسب طلقةً، وعلى قولٍ تُحْسَبُ طلقةً وتبينُ الزوجة من الزوج بينونةً صغرى، وعلى كِلا القولين لا بد من عقد جديد ولو رجع المرتد منهما إلى الإسلام في العدة (فيه إشارة لمذهب الإمام الشافعي). وكل هذا في حال لم يقصد المرتد منهما بردته فسخ النكاح لأنه إن قصد بها فسخ النكاح فيُعاملُ بخلاف قصده فلا ينفسخ العقد ولا يكون طلاقا بائنا (وتحرمُ ذبيحتُهُ) أي لا يجوزُ أكلُها ولو ذَبَحَ كما يذبحُ المسلمونَ (ولا يَرِثُ) من يموتُ من أقاربهِ المسلمينَ هذا بالإجماع: المرتدّ لا يرث قريبه المسلم (ولا يُورَثُ) إذا ماتَ على الردةِ فلا يَرِثُهُ من كان يرثُه لو ماتَ مسلمًا، بل يكونُ مالُهُ فَيْئًا يُصرفُ في مصارفِه التي عَيَّنها الشرعُ إذا مات المرتدُّ فهل يُورَثُ أم لا؟ فيه خلاف؛ بعض العلماء قالوا: يَرِثُهُ من كان يَرِثُهُ لو مات مسلمًا. أما المالكية فقالوا: لا يُورَثُ، فعندهم، لا يَرِثُهُ من كان يَرِثُهُ لو مات مسلمًا – إلاّ العبدَ المتوفَّى على الرِّدَّةِ فمالُهُ لسَيِّدِهِ[6]– فإن أسلمَ عادَ لهُ رقيقُهُ ومالُهُ. (الحر المرتد يكون ماله موقوفا عند الحاكم ليس له أن يتصرف فيه ببيع أو هبة مثلا// فإن رجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين يعيد له الحاكم ماله وإن مات على ردته يكون ماله في بيت مال المسلمين// يصرف في مصالح المسلمين// يكون ماله فيئا// هذا عند المالكية). (ولا) يجوزُ أن (يُصَلَّى عليهِ) أي المرتدّ ولا أن تُطلبَ له الرحمةُ أو المغفرةُ لأنَّ هذا تكذيبٌ لكتابِ اللهِ (ولا) يجوزُ أن (يُدْفَنَ في مقَابرِ المسلمينَ) لأنه ليس منهم. ولا يُوَجَّهُ إلى قِبْلَتِنَا لأنه ليس منا، ولا إلى قبلتهم لأنه لا اعتبارَ لها.
[1] كما ذكر محمد بن أحمد ميّارة في أم القواعد من “الدرّ الثمين والمورد المعين”.
[2]قال الجنيد البغداديّ فيما نقله أبو القاسم القشيريّ عنه “التوحيدُ إفرادُ القديمِ من المحْدَثِ” اﻫ فمن زعم أنّ القديم هو المحْدَثُ فقد جانب التوحيد وانحرف عنه.
[3] أي أنكر كونه من القرءان بعد معرفته بأنه منه.
[4] هذا إنْ لم يقصدِ المرتدُ بردتِه فسخَ النكاحِ فإنهُ لا ينفسخُ معاملةً له بخلافِ قصدِه. لكن تحرم عليه حال ردّتها ولو لم ينفسخ العقد.
[5] وتحرم على مرتدّ أمُّ ولدِهِ حتى يسلم ووُقِفَتْ كما في “مختصر خليل” فإن أسلم حلَّتْ له وإن قتل على الردة عَتَقَتْ من رأسِ المال.
[6] لأنه يستحقُّهُ بالرقّ لا بالتوارث. السّيِّدُ استحق هذا المالَ بالرقِّ لا بالتوارث، فإن مات هذا العبد على الرّدّة يكون المال للسّيِّدِ ولا يكون من مال الفيء.

اترك رد