(ومعنى محمدٌ رسولُ اللهِ أنّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ الهاشميَّ) أي المنسوبَ لبنِي هاشمٍ لأنَّ عبدَ المطلبِ هو ابنُ هاشمِ بنِ عبد منافٍ (القرشيَّ) أي المنسوبَ لقبيلةِ قريشٍ لأنَّ هاشمًا يرجع نسبُهُ إلى فهرٍ الملقّبِ بقريشٍ فهو هاشمُ بنُ عبدِ مَنافِ بنِ قُصَيّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَي بنِ غالبِ بن فِهْر بن مالك بن النَّضرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزيْمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نزارِ بنِ مَعَدّ بنِ عدنانَ. رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب بنِ هاشم بنِ عبد مناف بنِ قصيِّ بنِ كلابِ بن مُرَّةَ بنِ كعْبِ بنِ لُؤَيْ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالك بنِ النَضْرِ بن ِكِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ (عبدُ الله ورسولُهُ إلى جميعِ الخلقِ) من إنسٍ وجِنّ (صادقٌ في جميعِ ما أخبرَ به) وبَلَّغَهُ عن اللهِ
- قال أحمد المرزوقي المالكي المتوفى بمكة سنة 1281 ه:
وكل ما أتى به الرسول فحقه التسليم والقبول
- قال عبد الواحد بن عاشر المالكي الفاسي المتوفى سنة 1140 ه:
(ومن ذلك عذابُ القبرِ) لقسمٍ منَ الناسِ أيْ لكلّ الكفار ولبعض عصاة المسلمين (ونعيمُهُ) لقسمٍ منَ الناسِ (وسؤالُ الملَكَينِ مُنكَرٍ ونَكِيرٍ) للميّتِ بعد دفنِه مَنْ ربُّكَ ومن نبيُّك وما دينُك القول الراجح أن هذا السؤال خاص بأمّة الدّعوة أي من بلغته دعوةُ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم سواءٌ المسلم منهم أو الكافر (وقيل كل الأمم معنيين بسؤال القبر)، ويُسْتثنى من هذا السؤال النبيّ وشهيد المعركة والطفل الذي مات دون البلوغ (والملائكةُ) وهمْ مكلفونَ ذَوُو أرواحٍ لا يأكلونَ ولا يشربونَ ولا ينامونَ ليسُوا ذكورًا ولا إناثًا لا يعصُونَ اللهَ ما أمرَهُم ويفعلونَ ما يُؤمرونَ كلهم أولياء الله والأنبياء من البشر أفضل من الملائكة (والأنبياءُ) وهم ذكورٌ من البشرِ (بعض العلماء قالوا سيدتنا مريم نبيّةٌ ولكن جمهور العلماء على أنها ولية صالحة قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف/109]) أَوْحَى اللهُ إليهِم وأمَرَهُمْ بالدعوةِ إليه وتبليغِ الوحْيِ فمن أُمِرَ منهم بتبليغِ شرعِ رسولٍ كانَ قبلَهُ أي نزل عليه الوحي قبله ولو كانا في نفس الوقت (مثال ذلك سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما الصلاة والسلام) فهو نبيٌّ غيرُ رسولٍ كداودَ وسليمانَ أُمِرا بتبليغِ شرعِ التوراة التي أنزلت على سيدنا موسى ومن أُمِرَ بتبليغ شرعٍ أوحِيَ إليه فيه أحكامٌ مختلفةٌ عن أحكامِ شرع الرسولِ الذي قبله فهو نبيٌّ رسولٌ كموسى وعيسى ومحمدٍ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم كل الأنبياء الذين جاءوا بين سيدنا موسى وسيدنا عيسى كانوا يحكمون بين الناس بالتوراة فكلهم أنبياء غير رسل (والكتبُ) المنزَّلةِ على الأنبياءِ كالتوراةِ والإنجيلِ والقرءانِ (من شرح الطحاوية: عدد الكتب السماوية مائة وأربعة منها ما حرّف ومنها ما رفعه الله إلى السماء والله عز وجل بفضله علينا حفظ القرءان فلا يببدّل ولا يُحَرَّفُ لكن قبل يوم القيامة وبعد ظهور العلامات الكبرى للساعة الله يرفع القرءان إلى السماء، نؤمن بكل الأنبياء وبكل الكتب المنزّلة عليهم لكن نعمل بشريعة القرءان) (والقيامةُ) وهي قيامُ الموتَى للحسابِ (والبعثُ) وهو خروجُ الموتى من القبورِ بعد إعادةِ الأجسادِ التي كانت بَلِيَتْ أي إن كانت تبلى، لأنّ من الأجساد ما لا يبلى، كأجساد الأنبياء وشهداء المعركة وبعض الأولياء الصالحين (قال الشيخ نبيل الشريف قال الشيخ عبد الله رحمه الله: “الولي يجوز أن يأكل الدود جسمه، لكن لا ينتفخ ولا يُنتنُ جسمُه، والتقي مثله متقاربان، وإذا أكل التراب جسد العبد التقيّ فهذا لا يعني أنه يتعذب بذلك، وكذلك الأمر للتّقيّ الذي يأكل الدود جسده فهو لا يتعذب بذلك”) وإعادةِ الأرواحِ إليها (والحشرُ) وهو جمعُ الناسِ بعد ذلك أي بعد البعث للسؤالِ عند الحشر يكون أمام كلِّ إنسانٍ ملك وخلفه ملك (والحسابُ) بأن يوقَفَ كلُّ إنسانٍ على أعمالِه التي كانَ عمِلَها في الدنيا مواقف يوم القيامة خمسون وكل موقف ألف سنة، من هذه المواقف اقتراب الشمس من رؤوس العباد والحساب ووزن الأعمال وأخذ الكتب، هذا اليوم يمر على التقي كتدلي الشمس عند الغروب وقيل كالوقت الذي يسع خَمْسَ صلوات (والثوابُ) أي الجزاءُ الذي يجازاهُ المؤمنُ في الآخرةِ على أعمالهِ الصالحةِ مما يسرُّهُ (والعذابُ) أي الجزاءُ الذي يُجازاهُ العبدُ في الآخرةِ مما يَسُوءُهُ على ما عملَ من سيئاتٍ (والميزانُ) وهو الجِرمُ الذي تُوزَنُ به الأعمالُ هو كميزان الدنيا له كفتان وعمود وقصبة المؤمن توضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة، أما الكافر فلا حسناتَ له (الذين تتساوى حسناتهم وسيئاتهم يدخلون الجنة بلا عذاب لكن يمكثون على جدارها وبعد ذلك يدخلون الجنة، وهذا الجدار اسمه الأعراف، ومكوثهم على الأعراف لا يكون فيه انزعاج، فهم ينظرون إلى الجنة التي هي مآلهم ودار المقام الأبدي لهم) (والصراطُ) وهو جسرٌ يُضرَبُ فوقَ جَهنّمَ ليمرَّ عليه الناسُ هو جسر عريضٌ دحْضٌ مَزَلّةٌ زَلِقٌ ليس دقيقا كحد السيف فما ورد عن بعض الصحابة أنه كحد السيف ليس معناه أنه دقيق، بل معناه أنّ خطره شديد، أحد طرفيه عند الأرض المبدلة والآخر في ما يلي الجنة أي قبلها بقليل فمنهُم من يقعُ عنه منَ الأولِ ومنهُم من يسقُطُ عنه بعدمَا يمشِي مسافةً ومنهم من يَمُرُّ عليه فينجُو على طَرَفَيْ الصراط كلاليب كالتي عند الجازر يعلق عليها اللحم تجذب الناس لترمي بهم في جهنّمَ، وبعض عصاة المسلمين يقع في جهنّم، وبعضهم تَلْفَحُهُ النار ولا يقع فيها (والشفاعةُ) الأُخْرويةُ وهي طلبُ إسقاط العذابِ لبعضِ المؤمنينَ (والنارُ) أي جَهنمُ وهي دارُ العذابِ تحتَ الأرضِ السّابعةِ منفصلة عنها، فيجب الإيمان بالنار وبأنّها موجودة الآن وهي باقية إلى ما لا نهاية له (والجنةُ) وهي دارُ النعيمِ فوقَ السماءِ السابعةِ مكان أعده الله للمؤمنين، فيه النعيم الباقي، وهي فوقَ السماءِ السابعةِ منفصلةٌ عنها وسقفها العرش والعرش أكبر من الجنة بكثير، والجنة أكبر من جهنم بكثير، وأقلُّ مسلم له في الجنة مثل نعيم الدنيا وعشرُ أمثالها (والخلودُ فيهِما) أي في الجنةِ والنارِ فأهلُ الجنةِ يَخْلُدونَ في نعيمِها بلا موتٍ ولا فناءٍ وأهلُ النار يخلدون في عذابها بلا فناءٍ ولا تخفيفٍ ولا راحةٍ (ورؤيةُ المؤمنينَ للهِ تعالى بالعينِ) أي بأعينِ رؤوسِهِم (في الآخرةِ) لكنْ لا كمَا يَرَوْنَ المخلوقاتِ في جِهةِ أمامٍ أو خَلفٍ أو فوقٍ أو تحتٍ أو يمينٍ أو شمالٍ لأنَّ الذِى يُرَى في جهةٍ هو المخلوقُ المختصُّ بحجمٍ وصورةٍ ومكانٍ واللهُ تعالى لا يُشبهُ المخلوقاتِ فلا يَتَّصِفُ بالحجمِ ولا بالصورةِ ولا بالكونِ في مكانٍ بل هو تباركَ وتعالى موجودٌ لا يُشبِهُ الموجوداتِ لا يَحْوِيهِ مكانٌ ولا يَجْرِى عليه زمانٌ مهما تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ ولهذا فإنَّ المؤمنينَ يَرَوْنَ اللهَ وهم في الجنةِ (بلا كيفٍ ولا مكانٍ ولا جهةٍ) ولا يكونُ بينَهم وبينه مسافةٌ كما قال الإمامُ أبو حنيفة رضي الله عنه لأنّ المسافةَ تكونُ بين جِسمينِ واللهُ عزَّ وجلَّ ليس جسمًا الله تبارك وتعالى يُرى في الآخرة يراه المؤمنون وهم في الجنة بلا كيف ولا صورة ولا مكان ولا جهة، قال عليه الصلاة والسلام: “إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تَضَامُّون (لا تتدافعون) في رؤيته” رواه مسلم وفي رواية “لا تُضَامُون (لا تشُكُّون) في رؤيته” فالنبي صلى الله عليه وسلم شَبَّه رؤية الله في الآخرة من حيث عدمُ الشك برؤية القمر ليلة البدر ولم يشبّه الله تعالى بالقمر ولا بنور القمر. وسيدنا موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يراه في الدنيا وهذا دليل على أن رؤية الله بالعين في الدنيا جائزة عقلا وإلا لما كان سألها موسى (وأنَّ الأنبياءَ) جميعَهُمْ بلا استثناءٍ (معصومونَ منَ الكفرِ) فلا يعبدون غيرَ اللهِ طَرْفَةَ عينٍ لا في الصّغَرِ ولا في الكِبَرِ (و) معصومونَ منِ ارْتكابِ (الكبائرِ) كالزنى (وصغائرِ الخسةِ) كسرقةِ حبةِ عنبٍ واختلاسِ النظرِ إلى النساءِ الأجنبياتِ بشهوةٍ (قبلَ النبوةِ وبعدَها) وهم مُبَرَّؤُونَ من كلّ صفةٍ دنيئةٍ ومن كلّ صفةٍ خِلقيةٍ أو خُلُقِيَّةٍ تمنعُهم من إقامةِ الْحُجَّةِ أو تُنَفّرُ الناسَ منهم وتمنعُهم من الاستماعِ إلى دعوتِهم (دينُهُم) جميعًا عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ هو (الإسلامُ) لقولِ اللهِ تعالى في سورة ءال عِمران ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (وأوَّلُهُمْ ءادمُ) أبو البشرِ (وءاخرُهُمْ) وأفضلُهُم (محمدٌ صلى الله عليهِ وسلمَ).
(فصلٌ) (أفضلُ الواجباتِ) وأعلاها وأهَمُّها هو (الإيمانُ باللهِ) أي على ما يليقُ به تعالى بالإيمانِ أنه ذاتٌ لا يُشبهُ الذواتِ مُتَّصِفٌ بصفاتِ الكمالِ اللائقةِ به بعض الصفات تفيد الكمال في حق الله وتفيد النقص إذا أطلقت على المخلوق كالجبار في حق الله أي الذي جبر مفاقر الخلق ولا يقع في ملكه إلا ما أراد أما في حق المخلوق فهي بمعنى الظالم/ وبعض الصفات تفيد المدح في حق المخلوق ولكن لا تُطلق على الله كرجاحة العقل وحدة الذكاء/ وبعض الصفات تفيد المدح في حق الله وفي حق المخلوق كالعلم، الله يوصف بالعلم فيقال عنه عالم والمخلوق يوصف بالعلم ونقول عنه عالم هذا يقال له اتفاق في اللفظ واختلاف في المعنى ولا نقول اشتراك في اللفظ واحدٌ بلا شريكٍ في الذاتِ أو الصفاتِ أي واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في فعله سبحانه معناه ذاته لا يشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات وفعله لا يشبه أفعال المخلوقين ذاته ليس حجما وصفاته أزلية أبدية لا تتغير وفعله خلق وتكوين، إبراز من العدم إلى الوجود، أما ذوات المخلوقات فهي أحجام كثيفة أو لطيفة وصفات المخلوقات لها بداية وتتغير وفعل المخلوقات مباشرة وحركات وسكنات والله مُنَزَّهٌ عن ذلك كله موجودٌ بلا ابتداءٍ دائمٌ بلا انتهاءٍ يحتاجُهُ كلُّ شيءٍ وهو لا يحتاجُ شيئًا حيٌّ بحياةٍ لا تُشبِهُ حياتَنا ليست باجتماعِ روحٍ وبدنٍ ولا بحاجةٍ لدمٍ أو عصبٍ عالمٌ بكلِّ شيءٍ بعلمٍ لا يزيدُ ولا يَنقُصُ ما شاءَ كان وما لم يشأ لم يكنْ وظيفة المشيئة هي تخصيص الممكن العقلي ببعض ما يجوز عليه من الصفات دون بعض في وقت دون آخر قادرٌ لا يُعجزه شيءٌ وظيفة القدرة هي الإيجاد والإعدام وموضوعها الممكنات العقلية يسمعُ كلَّ المسموعاتِ ولم يقل الأصوات، فحديث النفس مسموع لله تعالى وليس صوتا وكلام الله ليس صوتا وسمعه سيدنا موسى والله يسمعه بسمعٍ أزليٍّ أبدىٍّ لا يتغيّرُ من غير حاجةٍ إلى أذنٍ ولا ءالةٍ أخرى ويرى كلَّ المبْصَراتِ ولم يقل الأحجام أو الصور فالله يرى ذاته وذات الله ليس صورة ببصرٍ أزليٍّ أبدىّ من غير حاجةٍ إلى حَدَقَةٍ أو شعاعِ ضوءٍ ويتكلّمُ بكلامٍ أزليٍّ أبديّ لا يتتابعُ ولا يتقطعُ ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً ولا يُشبِهُ كلامَنا ولكنه أَوْحَى إلى نبيّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلمَ القرءانَ المعْجِزَ باللغةِ العربيةِ وأنزلَهُ عليهِ بلسانِ قومِهِ عبارةً عن كلامِ اللهِ الذاتيّ الذي هو صفتُهُ فيُسَمَّى هذا اللفظُ المنَزَّلُ كلامَ اللهِ أيضًا لأنه ليسَ من تأليفِ بَشَرٍ ولا مَلَكٍ سيدنا جبريل عليه السلام سمع كلام الله الأزليَّ الأبديَّ ففهم منه الأمر من الله بأن ينزل بالقرءان من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الأولى دُفعةً واحدةً في ليلة القدر (قال الله تعالى: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر}) وبعد ذلك صار ينزلُ به من بيت العزة على سيدنا محمد مُنَجّمًا بحسب ما يحصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وجبريل لم يطّلع على كل ما في اللوح المحفوظ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله (و) الإيمانُ (برسولِهِ) إلى الإنسِ والجنِّ محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) أيْ على ما يليقُ به.

اترك رد