(بابُ العقائدِ)
(فصلٌ) أي هذا فصلٌ.
(أعظمُ أمورِ الإسلامِ خمسةٌ) الإسلام لغةً هو الانقياد واصطلاحا هو الانقياد لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يجوز أن نقول أركان الإسلام خمسة كما يَدُلُّ على ذلكَ حديثُ البخاريِّ وغيرِهِ بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ (شهادةُ) أي العلمُ والاعتقادُ والاعترافُ بالإجماع (الذي يريد الدخول في الإسلام) لا يكفيه إمرار الشهادتين على القلب إذا كان صحيح النطق (ألاّ إلهَ إلا اللهُ) وحده لا شريكَ له (وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ) صلى الله عليه وسلم (وإقامُ الصلاةِ) أي إدامةُ فِعْلِها (وإيتاءُ الزكاةِ) أي إخراجُها (وصومُ) شهرِ (رمضانَ وحجُّ البيتِ) أي الكعبةِ على (منِ استطاعَ إليهِ سبيلاً) أي قَدَرَ على ذلكَ (وأعظمُ أمورِ الإيمانِ ستةٌ) كمَا يدلُّ على ذلكَ حديثُ جبريلَ المشهورُ[1] (الإيمانُ باللهِ) تعالى على ما يجب الإيمان لغة هو التصديق واصطلاحا هو التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم (وملائكتِهِ) على ما يجب (وكتبِهِ) المنْزَلةِ على أنبيائهِ (ورسلِهِ) أي أنبيائهِ الذين أرسلَهم كُلِّهِمْ وأنهم موصوفون بالصدق والأمانة ويستحيل عليهم الخِسَّة والخيانة وكل أمر منفِّرٍ فلا يجوز عليهم الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها (واليومِ الآخرِ) الذي يُدانُ فيه العباد[2] (وبالقدَرِ) أي التقديرِ وهو عقدُ القلبِ على أنّ كلَّ ما يحصلُ في هذا العالمِ من عينٍ أو فعلٍ هو بتقديرِ اللهِ تعالى وتدبيرِهِ وسواءٌ في الفعلِ (خيرِهِ وشرِّهِ) فكلٌّ منهمَا يحدثُ بعلمِ اللهِ ومَشيئتِهِ وقُدْرَتِهِ.
(فصلٌ) (ومعنى لا إلهَ إلا اللهُ أنّ أحدًا لا يقدرُ على الخلقِ) أيِ الإبرازِ منَ العدمِ إلى الوجودِ (إلا اللهُ) كما فسَّرَ هذه الكلمةَ الشريفةَ إمامُ أهلِ السنةِ أبو الحسنِ الأشعريُّ رضيَ الله عنه فكلُّ ما في السماواتِ وما فوقَها وما في الأرضِ وما تحتَها وما بين السماواتِ والأرضِ لم يخلقْهُ أحدٌ أي لم يبرزْهُ من العدمِ إلى الوجودِ إلا اللهُ سبحانَهُ سواءٌ كان عينًا أم عملاً، حَجمًا أم جسمًا أم صفةً، حركةً أم سكونًا أم خاطرًا أم تَفَكُّرًا أم تَدَبُّرًا الحركة هي انتقال الجِرم من مكان إلى آخر والسكون هو ثبوت الجِرم في مكان، قال العلماء: “الصفة أضعف في الوجود من الحجم والجسم” (وهذا يقتضِى أنه لا يَستحقُّ أحدٌ أن يُعْبَدَ) أي أن يُتذللَ له نهايةَ التذللِ (إلا اللهُ) معناه كل ما سوى الله عاجز عن الخلق، والعاجز لا يستحق أن يُعبَدَ، فلا أحد يستحق أن يُعبد إلا اللهُ، لأنه هو وحده قادر على الخلق خلقَ العالمَ بأسرِه العُلوىَّ والسُّفلىَّ والعرشَ والكرسيَّ والسماواتِ والأرضَ، لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنهِ، وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُها ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبينٍ اللوح المحفوظ، أحاطَ بكلّ شيءٍ عِلمًا علمه تعالى شامل للواجب العقلي والمستحيل العقلي والممكن العقلي وهو عالم بالجزئيات والكليات وأحصى كلَّ شيء عددًا أي علم بعلمه الأزلي أعداد كلِّ شيء قبل أن يكون أيُّ مخلوق من المخلوقين، حيٌّ قَيُّومٌ لا تأخذُه سِنةٌ ولا نوم، فعالٌ لما يريدُ قادرٌ على ما يشاءُ، له الملكُ أي له السلطان التام الذي لا ينازعه فيه منازع وملكه تعالى غير الملك المخلوق الذي يعطيه لمن يشاء من عباده لأن هذا الملك المخلوق يزول وله الغنى فهو عز وجل قائم بنفسه فالله تعالى لا يحتاج إلى شيء من خلقه وله العزُّ الله تعالى العزيز أي الموصوف بالقوة وهي القدرة التامة فلا غالب له والبقاءُ أي الذي لا يفنى وله الحكمُ أي يحكم بما يريد، أي ما شاء أن يجعله حلالا جعله حلالا وما شاء أن يجعله حراما جعله حراما وهكذا المندوب والمباح والمكروه والقضاءُ الخلق أي يخلق ما يشاء يبرزه من العدم إلى الوجود (قال الله تعالى: «فقضاهنّ سبعَ سماوات» [سورة فصلت/12]) وله الأسماءُ الحسنى أي الدالة على الكمال فالقادر يدل على تمام القدرة والعلّام يدل على كمال العلم فليس من أسمائه تعالى ما يدل على نقص سبحانه كلفظ آه ونصّ أهل المذاهب الأربعة على أنّ آه يُبطل الصلاة ومعلوم أن ذكر الله لا يُبطل الصلاة، لا دافعَ لما قضَى أي لا أحد يمنع نفاذ مشيئته ولا مانع لما أعطى أي إن شاء لنعمة أن تصل لعبد لا بد أن تصل إليه، يفعل في مُلكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاءُ، لا يرجو ثوابًا ولا يخاف عقابًا، ليس عليه حقٌّ يَلْزمُه لا يجب على الله شيء فليس واجبا على الله أن يُدخل الطائعين الجنة وليس عليه أن يُدخل العصاةَ النَّارَ ولا عليه حكمٌ أي لا حكم لأحد عليه فلا يمنعه أحد من شيء ولا يأمره أحد بشيء، وكلُّ نِعمةٍ منه فضلٌ وكلُّ نِقمةٍ منه عدلٌ لا يُسألُ عمّا يَفعلُ وهم يُسألون، موجودٌ قبل الخَلْقِ ليس له قبلٌ ولا بعدٌ ولا فوقٌ ولا تحتٌ ولا يمينٌ ولا شِمالٌ ولا أمامٌ ولا خلفٌ ولا كلٌّ ولا بعضٌ لأنه ليس جسما مركبا من أجزاء ولذلك لا يوصف بالكلية ولا بالبعضية ولا يُقال متى كانَ ولا أينَ كان ولا كيف، كان ولا مكان، كوّنَ الأكوانَ الأكوان بالأصل هي الحركة والسكون والاتصال والانفصال ولكن كثيرا ما يطلقها علماء التوحيد ويريدون بها ما هو أعم من ذلك ليشمل بقية صفات المخلوقين أي الأحجام، وهذه الصفات هي التي نقول عنها الأعراض ودبَّرَ الزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكانِ ولا يشغَلُهُ شأنٌ عن شأنٍ أي لا يشغله أمرٌ عن إنفاذِ أمرٍ آخرَ، لا يتخصصُ بالذهنِ ولا يتَمثلُ في النفس ولا يتكيف في العقل لا تلحقُهُ الأوهامُ والأفكارُ ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ. المخلوقات قد تشبه بعضها من كل الوجوه أو من بعض الوجوه، والله لا يشبه المخلوقات لا من كل الوجوه ولا من بعض الوجوه ولا بوجه من الوجوه، قال الإمام أحمد بن حنبل: “مهما تصوّرت ببالك فالله لا يُشبه ذلك“.
توجيهات: عند تعليم معنى “لا إله إلا الله” ينبغي التركيز على خمس نقاط:
- تنزيه الله عن المكان.
- تنزيه الله عن الشبيه والمثيل.
- بيان صفة الكلام في حق الله.
- بيان أنّ كل ما يحدث في هذا العالم هو بخلق الله تعالى.
- بيان معاني الصفاتِ الثلاثَ عشْرَةَ الواجبةِ لله تعالى.
[1] وهو ما رواه مسلم وغيرُه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جلوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الإِسْلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ البَيْتَ إِن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ صَدَقْتَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا المسْئُولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ اﻫ.
[2] أي يُجازَوْنَ فيه على أعمالهم.



