,

إظهار الإفادات المالكية من أوجز المختصرات في علم الحال – مقدمة

(بسم الله الرحمن الرحيم)

يقولُ العبدُ الفقيرُ راجِي رحمةِ مولاهُ الكريمِ سميرُ بنُ سامِي القاضِي الكَيْفُونِيُّ ثم المدَنيُّ غفرَ اللهُ له ذنبَهُ وتداركَهُ بعفوِهِ (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ) له النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحسنُ (وبهِ نستعينُ على أمورِ الدنيا والدينِ وصلى اللهُ وسلّمَ على سيدِنا محمدٍ خاتَمِ النّبيينَ) أيْ ءاخرِهِمْ (وءالِهِ) علىٍّ وفاطمةَ وحَسَنٍ وحُسَيْنٍ وذُرَّيَتِهِمَا وأُمَّهاتِ المؤمنينَ عليهِمُ السّلام (الطاهرينَ) من الرِّجْسِ وخواتيمِ الكفرِ والإشراكِ (وصَحْبِهِ المنْتَجَبِينَ) الذينَ استخلَصَهمُ اللهُ واختارَهم على سائرِ صحبِ الأنبياءِ والمرسلينَ (ولا حولَ) عنْ مَعصيةِ اللهِ (ولا قوةَ) على طاعةِ اللهِ (إلّا باللهِ) أيْ بعصمتِهِ وعونِهِ وهوَ (العلىّ) الأعلَى منْ كلِّ شيءٍ قدرًا (العظيم) فوقَ كلِّ عظيمٍ.

(أما بعدُ فإنَّ العلمَ نورٌ) يَستضِيءُ به السالكُ لطَريقِ الآخِرَةِ ويَسترشدُ (والجهلَ تِيهٌ) وضَياعٌ (وحَيْرَةٌ وخَسَارٌ فمِنَ العَارِ) أيْ العَيْبِ والسُّبَّةِ (على المكلّفِ أنْ يرَضَى لنفسِهِ بحالِ أهلِ الخِزْيِ) أي الذُّلِّ والهوانِ (و) حالِ أَهلِ (الخِذلانِ) الذينَ لم يوفقْهُمُ المولى سبحانَه وتعالى، بل باعدَ بينَهم وبينَ طُرُقِ الهُدَى والرَّشادِ. (و) شأنُ المخذولِ الذي لم يُرِدِ اللهُ بهِ الخيرَ أنْ (يُهْمِلَ تحصيلَ علمِ الحالِ) أي علمِ الدينِ الذي يَحتاجُ إلى معرفتهِ في الحالِ كمَا يُفهمُ ذلكَ من حديثِ البخاريِّ[1] مرفوعًا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقّهْهُ في الدينِ اﻫ  فَيَنْبَغِى للحريصِ على مرضَاةِ ربِّ العالمينَ ومُبتغِى الزُّلفَى لديهِ أن يَبدأَ بالاهتمَامِ بأحكَامِ الفرائضِ العَينيةِ ليؤدِّيَها على التَّمامِ والكمالِ ويصونَها عنِ الفسَادِ والخللِ فإنَّ الفرائِضَ إذا صلَحَتْ وسَلِمتِ الوَاجباتُ عنِ القَوادِحِ أفلحَ فاعلُها ونَجا يومَ العرضِ كمَا دلَّ على ذلكَ حديثُ الرجلِ الثائرِ الرأسِ الذِى أخرجَهُ الشيخانِ[2] وفي “شَرحِ حِزبِ البحرِ” للصّفيّ بنِ زَرُّوق[3] نقلاً عن بعضِهم هَلاكُ الخلقِ في حَرفينِ اشتغالٌ بنافلةٍ


[1] أخرجه البخارىُّ فِى كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين من “صحيحه”.

[2]عن طلحةَ بنِ عبيدِ الله رضي الله عنه أنّ أعرابيًّا جاء إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ثائرَ الرأسِ فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علىّ من الصلاةِ فقال الصلواتُ الخمس إلا أن تطَّوَّع شيئًا قال فأخبرني ما فرض الله علىّ من الصيام فقال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا فقال أخبرني بما فرض الله علىّ من الزكاةِ قال فأخبره رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم شرائعَ الإسلام قال والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا ولا أنقُصُ مما فرض الله عليّ شيئًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أفلحَ إن صَدَق أو دخل الجنّة إن صدق اﻫ

[3] هو أحمد بن أحمد بن محمد بن زروق الفاسي المغربي. توفي في تكرين من أعمال طرابلس الغرب سنة 899 ﻫ.

وإهمالَ فريضةٍ وعمَلُ الجوارحِ بلا مواطأةِ القلبِ[1] وإنّهُ تعالى لا يَقبلُ عملاً إلا بالصدق[2] وموافقةِ الحقّ[3] اﻫ (فرأيتُ) لهذا (جمعَ هذا المختصرِ) مُسْتَخْلَصًا من “المرْشِدِ الْمُعين” لابنِ عاشرٍ[4] وشرحِهِ المسمَّى “الدُّرَّ الثَّمين والموْرِدَ الْمَعين” لميّارةَ[5] وشرحِهِ الآخَرِ المسمَّى “موردَ الشّارعينَ في قراءةِ المرشِدِ المعين” لعبدِ الصمدِ گنون[6]و”مختصرِ الأخضَريِّ”[7] و”القوانينِ الفقهيَّةِ” لابنِ جُزَيّ[8] و”التلقِينِ” لعبـدِ الوَهَّـابِ البَغـدادِىِّ[9] و”مختصرِ عبـدِ اللهِ الهرريِّ الكافـلِ بعلمِ الدينِ الضروريِّ على


[1] أى بلا النيةِ الصحيحةِ الخالصةِ.

[2] أى مع الإخلاص فى العمل.

[3] أى موافقةِ ما طلبَ الشرعُ فعلَهُ.

[4] هو أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علىّ بن عاشر الأنصارىّ نسبًا الأندلسىّ أصلا الفاسىّ منشأ ودارًا المتوفّى سنة 1040 ﻫ صاحب المتن المشهور الذي شاعت منفعته وعمّت بركته رحمه الله تعالى.

[5] هو محمد بن أحمد بن محمد المالكىّ الفاسىّ الشهير بميّارة تُوفّىَ سنة 1072ﻫ.

[6] هو عبد الصمد بن التهامىّ بن المدنىّ بن علىّ كنون المتوفّى سنة 1352 ﻫ.

[7] لأبى زيد عبد الرحمن بن الشيخ محمد الصغير الأخضرىّ توفّى ببلدة الزاب سنة 983 ﻫ.

[8] هو محمد بن أحمد بن جزىّ الغرناطىّ.

[9] هو القاضى عبد الوهاب بن علىّ بن نصر بن أحمد الثعلبىّ البغدادىّ من أعيان الأدباء وفقهاء المذهب المالكىّ. توفّى سنة 422 ﻫ.

المذهبِ المالكيِّ”[1] ومختصرِ ابنِ الحـاجبِ[2] الفرعيِّ المسـمَّى “جامعَ المختصرات” وشرحِه المسـمّى “التوضيحَ” لخليل[3] و”الخلاصـةِ الفقهيةِ على مذهبِ السـادةِ المالكية” لمحمـدِ العَربىِّ القَرَوِىّ المـالكىِّ[4] و”العقيـدةِ المرشـدة”[5] و”عقيدةِ العوامِّ”[6] وشـرحِها المسـمَّى “نورَ الظلام”[7] و”متنِ الشـيبانيةِ”[8] و”رسـالةِ الخادميِّ”[9] و”الاعتمـادِ في


[1] للفقيه المحدث الأصولىّ المفسّر عبد الله بن محمد الهررىّ المتوفَّى سنة 1429 ﻫ.

[2] هو الفقيه الأصولىّ عمرو بن عثمان الكردىّ المشهور بابن الحاجب والمتوفّى سنة 646 ﻫ.

[3] هو الفقيه المشهور خليل بن إسحق المالكىّ صاحب المختصر المشهور توفّى سنة 767 أو 776ﻫ وهو ما عليه الأكثرون.

[4] وهو مشتغلٌ بالفقه المالكىّ من أهل عصرنا تونسىّ كتابه بطريقة السؤال والجواب.

[5] وهي العقيدة التى كانت يُنادَى بها على المآذن فى أيام صلاح الدين الأيوبىّ قبل صلاة الصبح وكان يدرّسها الشيخُ فخر الدين بن عساكر وقال التاج السبكىّ فى طبقاته الكبرى ليس فيها ما ينكره سنّىّ اﻫ

[6] لأحمد المرزوقىّ الحسينىّ المالكىّ المتوفَّى فى مكة المكرمة بعد سنة 1281 ﻫ وعقيدته قصيدة غير طويلة حِفْظُها شائعٌ بين سكان الحجاز واليمن والحبشة وأندنوسيا وغيرها يحفظونها من الصغر.

[7] هذا الشرح هو لمحمد بن عمر النواوي الجاوي المتوفَّى سنة 1316 ﻫ.

[8]للشيباني الشافعي وهو متنٌ شعرىّ في العقيدة قراءتُهُ شائعةٌ في بلاد الصومال.

[9] وقراءتها كانت شائعة في تركيا ومصر وغيرهما ومصنفها هو الفقيه الأصولي الحنفيّ محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان البخاري الأصل الخادميّ المولد والنشأة توفّىَ سنة 1176 ﻫ.

الاعتقـادِ”[1] و”العقيـدةِ الطّحاويةِ”[2] و”شرحِ عقيدةِ الصبيانِ”[3] و”عقائدِ أهل السنة والجماعة”[4] و”رسالةِ أهل السنةِ والجماعة”[5] و”إضاءة الدُّجُنَّةِ”[6] (ليكونَ مُعينًا على فهمِ هذا القدرِ المفروضِ عينًا من علمِ الدينِ في أقصرِ مدةٍ) فإنه يجبُ على كلِّ مكلفٍ معرفةُ قدرٍ من العلمِ يَحْرُمُ عليه الجهلُ به ويكون بإهمالِ تحصيلهِ عاصيًا منْ أهلِ الكبائرِ مُستحقًا للعذابِ الشديدِ في النارِ. قال في “الأنوارِ اللامعةِ” وهو علمُ ما يَتوقفُ عليه صحةُ الإيمانِ من الأمورِ الدينية[7] وعلمُ ما يَتَلَبَّسُ به ولو نفلاً[8] من


[1] وهو متنٌ في العقائد لأبى المحاسن القاوقجي الطرابلسي الحنفي الذي انتشر مريدوه في طرابلس الشام ومصر ولا سيما في ناحيتَيْ البحيرة والمنصورة تُوُفّىَ حاجًّا بمكة سنة 1305 ﻫ.

[2] لأحمد بن سلامة الطحاوي المصري الحنفي المتوفَّى سنة 321 ﻫ وهي من أشهر كتب العقيدة الشائعة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

[3] للشيخ العلامة جعفر بن حيدر المعروف بالشُّنْكي من أشهر علماء الحبشة صاحب الكرامات المتواترة المتوفَّى سنة 1355 ﻫ.

[4] ويُسمَّى أيضًا “المهنّد على المفنّد” للفقيه المحدّث خليل أحمد الأيوبي السهارنبوريّ الهندي شارح أبى داود المتوفَّى 1346 ﻫ.

[5] للشيخ محمد هاشم الأشعري المتوفَّى سنة 1947ر مؤسس ورئيس جمعية نهضة العلماء الأندنوسية رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب.

[6] للشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى المقري صاحب “نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب”. توفّى سنة 1041 ﻫ بمصر ودفن بمقبرة المجاورين.

[7] أي معرفةِ معنى الشهادتينِ وأقسامِ الردةِ وما يلتحق بذلك.

[8] لأنه لا يجوز للمكلف أن يدخل في شيء حتى يعلم ما أحلَّ الله منه وما حرَّم.

الأحكامِ الفِقْهِيَّةِ كالوضوءِ والصلاةِ والصومِ وزكاةٍ وجبتْ عليه وحجٍّ أرادَهُ وعلمُ ما يباشرُه من معاملةٍ وصناعةٍ ومناكحةٍ ومنه تجويدُ الفاتحةِ أي قراءَتُها صحيحةً من غير لحنٍ ومن غير تقطيع كلماتها (بأن يقف في وسط الكلمة) وعلمُ أحوالِ القلبِ بأن يجتهدَ في مداواتِهِ وتطهيرِهِ[1] اﻫ ويلتحقُ بذلك معرفةُ معاصي الجوارحِ وكيفيةِ التوبةِ بعد الحَوْبة[2] كما روى الخطيبُ[3] عن عبدِ الله بنِ المباركِ حين سُـئل عن الذى يجبُ على الناسِ كافةً أنْ يتعلموهُ منَ العلمِ فقالَ: أنْ لا يُقدِمَ الرجلُ على الشيء إلا بعلمٍ يسألُ ويتعلَّمُ فهذا الذِى يجبُ على الناسِ مِنْ تَعليمِ العلمِ وفسَّرهُ فقالَ: لو أنَّ رَجلاً ليسَ لهُ مالٌ لم يكنْ واجبًا عليهِ أن يتعلمَ الزكاةَ أي تفاصيل أحكام الزكاة لا يجب عليه أن يتعلمها إن لم يكن من أهلها، أما أن يعلم أنّ الزكاة فرض هذا واجب عليه وإن لم يكن من أهل الزكاة فإذا كانَ لهُ مائتَا دِرهَمٍ وجبَ عليهِ أنْ يتعلمَ كَمْ يُخرجُ ومتى يُخرجُ وأينَ يضعُ وسائرُ الأشياءِ على هذا اﻫ (وسميتُهُ “أوجزَ المختصراتِ في علمِ الحالِ على مذهبِ السادةِ المالكيةِ”) إشارةً إلى قِلَّةِ ألفاظِهِ وكثرةِ معانيهِ وصِغَرِ حجمِهِ وسهولةِ تَعَلُّمِهِ وأوضحتُ عباراتِهِ بحلٍّ وجيزٍ لها سميتُهُ “إظهارَ الإفاداتِ المالكيّةِ مِنْ


[1]أي بمعرفةِ واجباتِ القلبِ ليأتي بها ومعرفةِ معاصي القلبِ ليجتنبَها.

[2]أي الخطيئة كما في “المصباح المنير”.

[3] أخرجه الخطيب البغدادي في “الفقيه والمتفقه”.

أوجزِ المختصراتِ في عِلْمِ الحالِ” إشارةً إلى ما يحويهِ منَ الفَوائدِ إذ يجمعُ بينَ أصولِ العقيدةِ وفروعِ العباداتِ ولا يفوتُهُ بيانُ الرِّدَّةِ وحُكمِها ولا التعرضُ لأحكامِ بعضِ المعامَلاتِ ومعاصي الجوارحِ والتوبةِ وهو ما لم يجتمعْ إلا في “مُختصرِ عبدِ اللهِ الهرريِّ” والقوانينِ الفقهيةِ” مِنْ بينِ ما مَرَّ ذكرُهُ من المختصراتِ وهما أوسعُ مما رَمَيْنَا إليه[1] وربما احتوَى على ما ليسَ فيهِما، واللهَ الكريمَ أسألُ أن يجعلَ فيه وفي شرحِهِ النفعَ العميمَ لِي ولغيرِي يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا منْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ (وعلى الله تَوَكُّلِي) واعتمادِي (وإليه أُنيبُ) أي أرجِعُ في يُسْرِي وفى عُسْرِي.


[1] أي قصدناه فإنْ وفقَ اللهُ المكلفَ وحبَّبَ إليه الاستزادةَ في علم الدين كان هذا المختصرُ كالمقدمةِ للعشماويةِ ومتنِ ابنِ عاشرٍ والمختصرِ وأمثالِها مَن المتونِ وإنْ قَعَدَ بهِ الكسلُ لم يَستصعبْ تلقىَ هذا المتنِ لصِغَرِ حجمِه وحجمِ شرحِهِ والموَفَّقُ منْ وفقهُ المولى عزَّ وجلَّ.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading