(فَصْلٌ) فِـى بَيَانِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ وَهِىَ قَطْعُ الإِسْلامِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ.
(يَـجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) مُكَلَّفٍ (حِفْظُ إِسْلامِهِ وَصَوْنُهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيَقْطَعُهُ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالْعِيَـاذُ بِاللَّـهِ تَعَالَـى) فَالْكُفْرُ هُوَ أَشَدُّ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطْلاقِ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّـهُ لِمَنْ مَاتَ عَلَـيْهِ. (قَالَ) الْـحَافِظُ (الـنَّوَوِىُّ وَغَـيْـرُهُ) مِنَ الْعُلَمَاءِ (الرِّدَّةُ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكُـفْرِ) وَالْمُرَادُ أَنَّـهَا أَقْبَحُ أَنْوَاعِ الْكُـفْرِ لِأَنَّـهَا تُذْهِبُ كُلَّ الْـحَسَنَاتِ وَلِأَنَّـهَا انْتِقَالٌ مِنَ الْـحَقِّ إِلَـى الْـبَاطِلِ وَلَـيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ هِىَ أَشَدُّ الْكُـفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ (وَقَدْ كَثُرَ فِـى هَذَا الزَّمَانِ الـتَّسَاهُلُ فِـى الْكَلامِ) أَىْ صَارَ كَـثِيـرٌ مِنَ الـنَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِـى عَاقِـبَـةِ كَلامِهِمْ (حَتَّـى إِنَّـهُ يَـخْرُجُ مِنْ بَعْضِهِمْ أَلْفَاظٌ تُـخْرِجُهُمْ عَنِ الإِسْلامِ وَلا يَرَوْنَ ذَلِكَ ذَنْبًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كُـفْرًا) أَىْ لا يَرَوْنَ الْكَلامَ الْكُفْرِىَّ ذَنْبًا فَيَظُـنُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّـهُمْ ما زَالُوا مُسْلِمِيـنَ (وَذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ) أَىْ هَذَا الَّذِى يَـحْصُلُ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ قَوْلِهِ ﷺ (إِنَّ الْعَـبْدَ لَـيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِـهَا بِأْسًا) أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْـتَبِـرُهَا مَعْصِيَـةً (يَهْوِى بِـهَا) أَىْ بِسَبَبِهَا (فِـى الـنَّارِ سَبْعِيـنَ خَرِيفًا أَىْ مَسَافَةَ سَبْعِيـنَ عَامًا فِـى الـنُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى جَهَنَّمَ) أَىْ قَعْرُهَا (وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكُـفَّارِ وَالْـحَدِيثُ رَوَاهُ الـتِّـرْمِذِىُّ وَحَسَنَّهُ وَفِـى مَعْـنَـاهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْـبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ) وَلَفْظُهُ إِنَّ الْعَبْدَ لَـيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّـنُ فِيهَا يَزِلُّ بِـهَا فِـى الـنَّارِ أَبْعَدَ مِـمَّا بَــيْـنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (وَهَذَا الْـحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّـهُ لا يُشْتَـرَطُ فِـى الْوُقُوعِ فِـى الْكُـفْرِ مَعْرِفَـةُ الْـحُكْمِ) أَىْ مَعْرِفَـةُ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ كُـفْرٌ لِأَنَّ الـنَّبِـىَّ ﷺ أَخْبَـرَ أَنَّ قَائِلَ الْكَلِمَةِ الْكُـفْرِيَّـةِ يُعَذَّبُ فِـى قَعْرِ الـنَّارِ مَعَ كَـوْنِهِ غَـيْـرَ عَالِـمٍ بِالْـحُكْمِ لِأَنَّـهُ لا يَظُنُّ فِيهَا ضَرَرًا كَمَا جَاءَ فِـى الْـحَدِيثِ (وَلا) يُشْتَـرَطُ فِـى الْوُقُوعِ فِـى الْكُـفْرِ (انْشِرَاحُ الصَّدْرِ) فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّـا كَفَرَ وَإِنْ كَانَ غَـيْـرَ مُنْشَرِحِ الصَّدْرِ أَىْ وَإِنْ كَانَ غَـيْـرَ رَاضٍ بِالْكُـفْرِ وَلا قَاصِدٍ الْكُـفْرَ (وَلا) يُشْتَـرَطُ (اعْتِقَادُ مَعْـنَـى اللَّـفْظِ) فَمَنْ تَلَـفَّظَ بِالْكُـفْرِ بِإِرَادَتِهِ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْـنَـى كَفَرَ كَمَنْ يَقُولُ يَـا ابْنَ اللَّـهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ لا يَعْـتَـقِدُ أَنَّ لِلَّـهِ ابْـنًا وَلَـيْسَ (كَمَا يَقُولُ) صَاحِبُ (كِـتَابِ فِـقْهِ السُّنَّـةِ) إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَـرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُـحْكَمُ عَلَـيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُـفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِـى دِينٍ غَـيْـرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ. وَ(كَذَلِكَ لا يُشْتَـرَطُ فِـى الْوُقُوعِ فِـى الْكُفْرِ عَدَمُ الْغَضَبِ) أَىْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكُـفْرِ عَامِدًا كَفَرَ وَإِنْ كَانَ فِـى حَالِ الْغَضَبِ (كَمَا أَشَارَ إِلَـى ذَلِكَ) الْـحَافِظُ (الـنَّوَوِىُّ) فَإِنَّـهُ (قَالَ لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلامِهِ) أَىْ عَـبْدِهِ (فَضَرَبَـهُ ضَرْبًـا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) كَـيْفَ تَضْرِبُ وَلَدَكَ أَوْ غُلامَكَ هَذَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ (أَلَسْتَ مُسْلِمًا فَقَالَ لا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ) لأَنَّـهُ تَلَـفَّظَ بِهِ بِإِرَادَتِهِ (وَ)هَذَا الْـحُكْمُ (قَالَهُ غَـيْـرُهُ) مِنَ الْعُلَمَاءِ (مِنْ حَـنَفِيَّـةٍ وَغَـيْـرِهِمْ).
(وَالرِّدَّةُ ثَلاثَـةُ أَقْسَامٍ كَمَا قَسَّمَهَا الـنَّوَوِىُّ وَغَـيْـرُهُ مِنْ شَافِـعِيَّـةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَغَـيْـرِهِمْ اعْتِقَادَاتٌ وَأَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ) أَىْ أَنَّ الرِّدَّةَ تَـحْصُلُ تَـارَةً بِالْقَوْلِ وَتَـارَةً بِالْفِعْلِ وَتَـارَةً بِالِاعْتِقَادِ (وَكُلٌّ يَتَشَعَّبُ شُعَبًا كَـثِيـرَةً) أَىْ أَنَّ كُلَّ قِسْمٍ مِنَ الأَقْسَامِ الثَّلاثَـةِ يَتَفَرَّعُ فُرُوعًا كَثِيـرَةً (فَمِنَ) الأَمْثِلَةِ عَلَى الْقِسْمِ (الأَوَّلِ) أَىِ الْكُـفْرِ الِاعْتِقَادِىِّ (الشَّكُّ فِـى) وُجُودِ (اللَّـهِ) أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ فِـى أَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْـمَاعًا (أَوِ) الشَّكُّ (فِـى) صِدْقِ (رَسُولِهِ) مُـحَمَّدٍ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِـى كَـوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ (أَوْ) فِـى نُزُولِ (الْقُرْءَانِ) عَلَـيْهِ (أَوِ) الشَّكُّ فِـى (الْـيَوْمِ الآخِرِ) أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (أَوْ) فِـى وُجُودِ (الْـجَنَّـةِ أَوِ الـنَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ) فِـى الآخِرَةِ (أَوْ نَـحْوِ ذَلِكَ مِـمَّا هُوَ مُـجْمَعٌ عَلَـيْهِ) عِنْدَ الْمُسْلِمِيـنَ (أَوِ اعْتِقَادُ قِدَمِ الْعَالَـمِ وَأَزَلِـيَّتِهِ بِـجِنْسِهِ وَتَرْكِيبِهِ) أَىْ أَفْرَادِهِ (أَوْ بِـجِنْسِهِ فَقَطْ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ الْعَالَـمَ أَزَلِـىٌّ لا بِدَايَـةَ لِوُجُودِهِ (أَوْ نَفْىُ) أَىْ إِنْـكَارُ (صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّـهِ) الثَّلاثَ عَشْرَةَ (الْوَاجِبَـةِ لَهُ إِجْـمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا) أَوْ قَدِيرًا أَوْ سَـمِيعًا أَوْ بَصِيـرًا (أَوْ نِسْبَةُ مَا يَـجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ إِجْـمَاعًا كَالْـجِسْمِ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّـهَ جِسْمٌ وَالْـجِسْمُ هُوَ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ كَـبُـرَ أَوْ صَغُرَ (أَوْ تَـحْلِيلُ مُـحَرَّمٍ بِالإِجْـمَاعِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مُـحَرَّمًا بِالإِجْـمَاعِ وَاشْتَهَرَتْ حُرْمَتُهُ بَــيْـنَ الْمُسْلِمِيـنَ وَكَانَ (مِـمَّا لا يَـخْفَى عَلَـيْهِ) تَـحْرِيـمُهُ فِـى الشَّرْعِ (كَالزِّنَـى وَاللِّوَاطِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ) بِغَـيْـرِ حَقٍّ (وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ) فَهُوَ كَافِرٌ (أَوْ تَحْرِيمُ حَلالٍ ظَاهِرٍ كَذَلِكَ) أَىْ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا حَلالًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَلالٌ (كَالْـبَيْعِ وَالنِّكَاحِ) كَفَرَ (أَوْ نَفْىُ وُجُوبِ مُـجْمَعٍ عَلَـيْهِ كَذَلِكَ) أَىْ نَفْىُ وُجُوبِ مَا أَجْـمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهِ وَكَانَ وُجُوبُهُ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا بَــيْـنَ الْمُسْلِمِيـنَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ (كالصَّلَوَاتِ الْـخَمْسِ أَوْ سَجْدَةٍ مِنْهَا وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ) فِـى رَمَضَانَ (وَالْـحَجِّ) عَلَى الْمُسْتَطِيعِ (وَالْوُضُوءِ) فَمَنِ اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِ شَىْءٍ مِنْهَا فَقَدْ كَفَرَ (أَوْ إِيـجَابُ مَا لَـمْ يَـجِبْ إِجْـمَاعًا كَذَلِكَ) أَىْ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ مَا لَـمْ يَـجِبْ بِإِجْـمَاعِ الْمُسْلِمِيـنَ وَكَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ كَمَنْ أَوْجَبَ زِيَادَةَ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَـتَـىْ فَرْضِ الصُّـبْحِ (أَوْ نَفْىُ مَشْرُوعِيَّـةِ) أَمْرٍ (مُـجْمَعٍ عَلَـيْهِ كَذَلِكَ) أَىْ نَـفْىُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مَشْرُوعًا فِـى الدِّينِ أَىْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى فِعْلِهِ وَاشْتَهَرَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بَــيْـنَ الْمُسْلِمِيـنَ كَصَلاةِ الْوِتْرِ وَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْـخَمْسِ أَىِ السُّنَنِ (أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُـفْرِ فِـى الْمُسْتَقْبَلِ) كَأَنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ سَنَـةٍ كَفَرَ فِـى الْـحَالِ (أَوْ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ مِـمَّا ذُكِرَ أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) بِأَنْ قَالَ فِـى قَلْبِهِ أَفْعَلُ أَوْ لا أَفْعَلُ فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ فِـى الْـحَالِ (لا خُطُورُهُ فِـى الْـبَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ) أَىْ أَمَّا إِذَا خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فِـى بَـالِهِ بِلا إِرَادَةٍ كَأَنْ خَطَـرَ لَهُ شَىْءٌ يُــنَـافِـى وُجُودَ اللَّـهِ بِلا إِرَادَةٍ وَهُوَ مُعْـتَـقِدٌ الْـحَـقَّ اعْتِـقَادًا جَازِمًا فَلا يَكْـفُرُ (أَوْ أَنْـكَـرَ صُحْبَـةَ سَيِّدِنَـا أَبِـى بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ (رَضِىَ اللَّـهُ عَـنْهُ) لِرَسُولِ اللَّـهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ لِـتَكْذِيبِهِ الإِجْـمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّاحِبِ فِـى قَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَـحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَـنَا﴾ هُوَ أَبُو بَكْرٍ (أَوْ) أَنْـكَرَ (رِسَالَةَ وَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ الْمُجْمَعِ عَلَى رِسَالَتِهِ) أَىْ أَنَّ مَنْ أَنْـكَرَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَـاءِ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ كَفَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَلا نُكَـفِّرُهُ بَـلْ نُعَـلِّمُهُ (أَوْ جَحَدَ حَرْفًا مُـجْمَعًا عَلَـيْهِ مِنَ الْقُرْءَانِ) أَىْ أَنْـكَرَ حَرْفًا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّـهُ مِنَ الْقُرْءَانِ (أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ مُـجْمَعًا عَلَى نَفْيِهِ) أَىْ أَجْـمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّـهُ لَـيْسَ مِنْهُ (مُعْـتَـقِدًا أَنَّـهُ مِنْهُ عِنَادًا) أَىْ كَانَ ذَلِكَ الْـحَرْفُ الَّذِى زَادَهُ زِيَادَتُـهُ لَهُ عِنَادًا لا ظَـنًّا مِنْهُ أَنَّـهُ مِنَ الْقُرْءَانِ بِـخِلافِ مَنْ زَادَهُ فِـى الْقِرَاءَةِ مُعْـتَـقِدًا أَنَّـهُ مِنْهُ جَهْلًا فَلا يَكْفُرُ (أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ نَـقَّصَهُ) بِأَنْ نَسَبَ إِلَـيْهِ مَا لا يَـلِيقُ بِهِ (أَوْ صَغَّـرَ اسْـمَهُ بِقَصْدِ تَـحْـقِيـرِهِ) كَأَنْ قَالَ عَنْ نَبِـىِّ اللَّـهِ مُوسَى مُوَيْسَى بِقَصْدِ إِهَانَتِهِ كَفَرَ (أَوْ جَوَّزَ نُــبُوَّةَ أَحَدٍ بَعْدَ نَبِيِّـنَا مُـحَمَّدٍ ﷺ) أَىِ اعْـتَـقَدَ أَنَّـهُ يَـجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْىُ بِالـنُّبُوَّةِ عَلَى شَخْصٍ لَـمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَبْلَ مُـحَمَّدٍ ﷺ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِـى) مِنْ أَقْسَامِ الرِّدَّةِ (الأَفْعَالُ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَـمْسٍ إِنْ قَصَدَ عِبَادَتَـهُمَا أَوْ لَـمْ يَقْصِدْ) فَهُوَ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ (وَ)كَذَلِكَ (السُّجُودُ لِإِنْسَانٍ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَسُجُودِ بَعْضِ الْـجهَلَةِ لِـبَعْضِ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفِيـنَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَـهـُمْ فَإِنَّـهُ يَكُونُ عِنْدَئِذٍ كُفْرًا وَ)أَمَّا (إِنْ لَـمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَـهُمْ) بَـلْ كَانَ لِـتَعْظِيمِهِمْ فَقَطْ (فَلا يَكُونُ كُـفْرًا لَكِـنَّهُ حَرَامٌ) فِـى شَرْعِ سَيِّدِنَـا مُـحَمَّدٍ ﷺ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْ أَقْسَامِ الرِّدَّةِ (الأَقْوَالُ وَهِىَ كَثِيـرَةٌ جِدًّا لا تَنْحَصِرُ) فِـى كِـتَابٍ لِكَثْرَتِـهَا (مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ) وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّـهُ مُسْلِمٌ (يَـا كَافِرُ أَوْ يَـا يَهُودِىُّ أَوْ يَا نَصْرَانِـىُّ أَوْ يَـا عَدِيـمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِى عَلَـيْهِ الْمُخَاطَبُ مِنَ الدِّينِ كُـفْرٌ أَوْ يَهُودِيَّـةٌ أَوْ نَصْرَانِـيَّةٌ أَوْ لَـيْسَ بِدِينٍ لا عَلَى قَصْدِ الـتَّشْبِيهِ) أَىْ أَرَادَ أَنَّـهُ لَـيْسَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ لِأَنَّـهُ سَـمَّى الإِسْلامَ كُـفْرًا أَوْ يَهُودِيَّـةً أَوْ نَصْرَانِـيَّـةً أَوْ نَفَى عَنِ الْمُسْلِمِ صِفَةَ الإِسْلامِ أَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ يَـا كَافِرُ وَقَصَدَ أَنَّـهُ يُشْبِهُ الْكَافِرَ فِـى خَسَاسَةِ أَعْمَالِهِ أَوْ أَنَّـهُ يُعَامِلُ الْمُسْلِمِيـنَ مُعَامَلَةَ الْكُـفَّارِ لَـهُمْ أَوْ أَنَّـهُ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ لا دِينَ لَهُ فَلا يَكْفُرُ لَـكِنْ عَلَـيْهِ ذَنْبٌ كَبِيـرٌ (وَكَالسُّخْرِيَـةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْـمَائِهِ تَعَالَـى أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ مِـمَّنْ لا يَـخْفَى عَلَـيْهِ نِسْـبَـةُ ذَلِكَ إِلَـيْهِ سُبْحَانَـهُ) أَىْ أَنَّ مَنْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْـمَاءِ اللَّـهِ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّـهِ لِلْمُؤْمِنِيـنَ بِالْـجَنَّـةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّـهُ فِيهَا مِنَ الـنَّعِيمِ أَوْ بِوَعِيدِ اللَّـهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِالـنَّارِ وَالْعَذَابِ الأَلِيمِ وَلَـمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاسْمُ أَوِ الْوَعْدُ أَوِ الْوَعِيدُ الَّذِى سَخِرَ بِهِ شَيْئًا خَافِـيًا عَلَـيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ غَدًا نَتَدَفَّـأُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْءَانِ (وَكَأَنْ يَقُولَ) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ اللَّـهِ الَّذِى أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ (لَوْ أَمَرَنِـى اللَّـهُ بِكَذَا لَـمْ أَفْعَلْهُ أَوْ) يَقُولَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقِـبْلَةِ (لَوْ صَارَتِ الْقِـبْلَةُ فِـى جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّـيْتُ إِلَـيْهَا أَوْ) يَقُولَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْـجَنَّـةِ (لَوْ أَعْطَانِـى اللَّـهُ الْـجَنَّـةَ مَا دَخَلْـتُهَا) أَىْ إِنْ قَالَ ذَلِكَ (مُسْتَخِفًّا أَوْ مُظْهِرًا لِلْعِنَادِ فِـى الْكُلِّ) فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ وَأَمَّا إِنْ لَـمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ وَالْعِنَادِ وَتَكْذِيبِ الشَّرْعِ فَلَـيْسَ كُـفْرًا (وَكَأَنْ يَقُولَ) شَخْصٌ فِـى حَالِ مَرَضِهِ (لَوْ ءَاخَذَنِـى اللَّـهُ بِتَـرْكِ الصَّلاةِ) أَىْ لَوْ عَاقَـبَنِـى عَلَى تَرْكِهَا (مَعَ مَا أَنَـا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ ظَلَمَنِـى) فَإِنَّهُ يَكْـفُرُ لِأَنَّـهُ نَسَبَ الظُّـلْمَ إِلَـى اللَّـهِ تَعَالَـى وَالظُّلْمُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ شَرْعًا وَعَقْلًا (أَوْ قَالَ لِـفِعْلٍ حَدَثَ هَذَا بِغَــيْـرِ تَقْدِيرِ اللَّـهِ) أَىْ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَـيْـرِ مَشِيئَةِ اللَّـهِ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ (أَوْ) قَالَ (لَوْ شَهِدَ عِنْدِى الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ جَـمِيعُ الْمُسْلِمِيـنَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ) أَىْ مَا صَدَّقْتُهُمْ كَفَرَ لِأَنَّـهُ يَكُونُ استَخَفَّ بِـهِمْ وَطَعَنَ فِـى صِدْقِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ (أَوْ قَالَ) بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِفِعْلِ سُنَّةٍ (لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّـةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ) بِسُنَّـةِ الـنَّبِـىِّ كَفَرَ أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَـمْ يَقْصِدِ الِاسْتِهْزَاءَ بِالسُّنَّـةِ فَلا يَكْفُرُ (أَوْ) قَالَ (لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ) فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِـمَنْصِبِ الـنُّبُوَّةِ (أَوْ أَعْطَاهُ عَالِـمٌ فَتْوًى فَقَالَ أَيْشٍ) أَىْ أَىُّ شَىْءٍ (هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا) بِـهَذَا الْقَوْلِ (الِاسْتِخْفَافَ بِـحُكْمِ الشَّرْعِ) وَالِاعْتِـرَاضَ عَلَـيْهِ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ فَتْوًى بَاطِلَةً فَقَالَ أَيْشٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا الإِنْـكَارَ عَلَـيْهِ فَلا يَكْـفُرُ (أَوْ قَالَ لَعْنَـةُ اللَّـهِ عَلَى كُلِّ عَالِـمٍ مُرِيدًا الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ) أَىْ أَرَادَ تَعْمِيمَ اللَّـعْنِ لِـجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَفَرَ وَلا يُنْظَـرُ إِلَـى قَصْدِهِ إِنَّـمَا يُنْظَـرُ إِلَـى كَلامِهِ فَإِنْ لَـمْ يَكُنْ فِـى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَـمْ يُرِدْ لَعْنَ جَـمِيعِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ وَلَوْ قَالَ أَنَـا قَصَدْتُ عُلَمَاءَ زَمَانِـى فَالْقَصْدُ وَحْدَهُ لا يَدْفَعُ عَـنْهُ الـتَّكْفِيـرَ (أَمَّا مَنْ لَـمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِـجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَـلْ أَرَادَ لَـعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ) أَوْ أَهْلِ نَـاحِيَتِهِ لِأَنَّـهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَـيْـرًا (وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَـةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا يَظُنُّ بـِهِمْ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِـهِمْ) أَىْ كَانَ فِـى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّـهُ مَا أَرَادَ لَعْنَ جَـمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَأَنْ ذَكَرَ عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ لَـعْـنَـةُ اللَّـهِ عَلَى كُلِّ عَالِـمٍ فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِـمٍ فَاسِدٍ (فَإِنَّـهُ لا يَكْـفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَـخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَـةِ أَوْ قَالَ أَنَـا بَرِئٌ مِنَ اللَّـهِ) أَىْ لا أُعَظِّمُ اللَّـهَ الَّذِى يَـجِبُ تَعْظِيمُهُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ (أَوْ) قَالَ أَنَـا بَرِىءٌ (مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ مِنَ الـنَّبِـىِّ أَوْ مِنَ الشَّرِيعَةِ) الَّتِـى أَنْزَلَـهَا اللَّـهُ عَلَـيْهِ (أَوْ مِنَ الإِسْلامِ) كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ (أَوْ قَالَ) لَهُ شَخْصٌ لِـمَ فَعَلْتَ هَذَا الْـحَرَامَ أَلا تَعْرِفُ الْـحُكْمَ فَقَالَ (لا أَعْرِفُ الْـحُكْمَ مُسْتَهْزِئًـا بِـحُكْمِ اللَّـهِ) كَفَرَ (أَوْ قَالَ وَقَدْ مَلَأَ وِعَاءً) شَرَابًـا (﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾) بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِـمَا وَعَدَ اللَّـهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِـى الْـجَنَّـةِ مِنَ الْكَأْسِ الْمُمْتَلِئَـةِ شَرَابًـا هَنِيئًا (أَوْ أَفْرَغَ شَرَابًـا) مِنَ إِنَـاءٍ (فَقَالَ) مُسْتَخِفًّا بِالآيَـةِ (﴿فَكَانَتْ سَرَابًـا﴾ أَوْ) قَالَ (عِنْدَ وَزْنٍ أَوْ كَـيْلٍ) أَىْ إِذَا كَالَ لِأَحَدٍ أَوْ وَزَنَ لَهُ شَيْئًا (﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُـخْسِرُونَ﴾) بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِـمَعْـنَـى الآيَةِ (أَوْ) قَالَ (عِنْدَ رُؤْيَـةِ جَـمْعٍ) مِنَ الـنَّاسِ (﴿وَحَشَرْنَـاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ) فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ فَإِنَّ الِاستِخْفَافَ (فِـى الْكُلِّ بِـمَعْـنَـى هَذِهِ الآيَـاتِ) كُـفْرٌ (وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ اسْتُعْمِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ) أَىْ إِنْ أَوْرَدَ الشَّخْصُ ءَايَـاتِ الْقُرْءَانِ فِـى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقُرْءَانِ فَإِنَّـهُ يَكْفُرُ (فَإِنْ كَانَ بِغَـيْـرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ) بِأَنْ أَوْرَدَهَا لا بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ (فَلا يَكْـفُرُ لَكِنْ) عَلَـيْهِ مَعْصِيَـةٌ فَقَدْ (قَالَ الشَّيْخُ أَحْـمَدُ بنُ حَجَرٍ) الْـهَيْـتَمِىُّ إِيرَادُ الآيَـاتِ فِـى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَوْ لَـمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ (لا تَبْعُدُ حُرْمَتُهُ) أَىْ هُوَ حَرَامٌ لِأَنَّـهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْقُرْءَانِ (وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أَوْ مَلَـكًا) أَىْ ذَمَّهُ وَحَقَّرَهُ (أَوْ قَالَ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّـيْتُ) لِأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِـهَا وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِى يَـجْلِبُ الزَّبَـائِنَ لِلزَّانِـيَاتِ (أَوْ) قَالَ (مَا أَصَـبْتُ خَيْـرًا مُـنْذُ صَلَّـيْتُ) كَـفَرَ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالصَّلاةِ (أَوْ) أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ (الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِـى بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ) بِالصَّلاةِ كَـفَرَ بِـخِلافِ مَا لَوْ قَالَتْ ذَلِكَ امْرَأَةٌ حَائِضٌ بِقَصْدِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ مِنْهَا وَهِىَ حَائِضٌ فَلا تَكْـفُرُ (أَوْ قَالَ) شَخْصٌ (لِمُسْلِمٍ أَنَـا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ نَبِيِّكَ) أَىْ مُـحَمَّدٍ كَـفَرَ لِأَنَّـهُ اسْتَخَفَّ بِالـنَّبِـىِّ ﷺ (أَوْ) قَالَ (لِشَرِيفٍ) أَىْ مَنْ يَرْجِعُ نَسَبُهُ لِلـنَّبِـىِّ ﷺ (أَنَـا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ مُرِيدًا الـنَّبِـىَّ ﷺ) فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ بِـخِلافِ مَا لَوْ أَرَادَ جَدًّا لَهُ أَدْنَـى فَلا يَكْـفُرُ (أَوْ يَقُولَ شَيْـئًا مِنْ نَـحْوِ هَذِهِ الأَلْـفَاظِ الْـبَشِعَـةِ الشَّنِيعَـةِ) أَىِ الْقَبِيحَةِ حَفِظَـنَا اللَّـهُ مِنْهَا.
(وَقَدْ عَدَّ) أَىْ ذَكَرَ (كَثِيـرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ) مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَـةِ (كَالْـفَقِيهِ الْـحَنَفِـىِّ بَـدْرِ الرَّشِيدِ) فِـى رِسَالَتِهِ فِـى بَــيَانِ أَلْـفَاظِ الْكُـفْرِ (وَالْـقَاضِى عِـيَاضٍ الْمَالِكِـىِّ) فِـى كِـتَابِهِ الشِّفَا (رَحِـمَهُمَا اللَّـهُ) تَعَالَـى (أَشْيَـاءَ كَثِيـرَةً) مِـمَّا هُوَ كُـفْرٌ وَرِدَّةٌ تَـحْذِيرًا لِلنَّاسِ مِنْهَا (فَيَنْبَغِـى الِاطِّلاعُ عَلَـيْهَا) لِلْحَذَرِ مِنْهَا (فَإِنَّ مَنْ لَـمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ) وَأَعْظَمُ الشُّرُورِ هُوَ الْكُـفْرُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ تَعَالَـى.
(وَالْقَاعِدَةُ) فِـى هَذِهِ الْمَسَائِلِ (أَنَّ كُلَّ عَـقْدٍ) أَىِ اعْتِقَادٍ (أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ) وَاسْتِهْزَاءٍ (بِاللَّـهِ أَوْ كُـتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَوْ مَعَالِـمِ دِينِهِ) وَالشَّعَائِرُ وَالْمَعَالِـمُ بِـمَعْـنًـى وَاحِدٍ أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالْـحَجِّ وَالأَذَانِ (أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ) لِلْمُؤْمِنِيـنَ بِالْـجَنَّـةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّـهُ فِيهَا مِنَ الـنَّعِيمِ الْمُقِيمِ (أَوْ وَعِيدِهِ) لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِالـنَّارِ وَالْعَذَابِ الأَلِيمِ فَهُوَ (كُـفْرٌ فَلْـيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ) أَىْ لِـيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَـجَـنُّبِ الْكُـفْرِ غَايَـةَ مُسْتَطَاعِهِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُـفْرِ خَسِرَ الدُّنْـيَـا وَالآخِرَةَ.
(فَصْلٌ) فِـى بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُرْتَـدِّ.
(يَـجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِـى الرِّدَّةِ) أَىِ الْكُـفْرِ (الْعَوْدُ فَوْرًا إِلَـى الإِسْلامِ) وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ (بِالـنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْـنِ) بِلَـفْظِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَــٰهَ إِلَّا اللَّـهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُـحَمَّدًا رَسُولُ اللَّـهِ أَوْ بِلَفْظِ لا إِلَــٰهَ إِلَّا اللَّـه مُـحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّـه أَوْ بِـمَا يُعْطِى مَعْـنَاهُ وَلَوْ بِغَـيْـرِ اللُّغَـةِ الْعَرَبِيَّـةِ (وَالإِقْلاعِ عَمَّا وَقَعَتْ بِهِ الرِّدَّةُ) أَىْ تَرْكِ الأَمْرِ الَّذِى حَصَلَتْ بِهِ الرِّدَّةُ. (وَيَـجِبُ عَلَـيْهِ الـنَّدَمُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ لِمِثْلِهِ) أَىْ يَـجِبُ عَلَـيْهِ أَنْ يَنْدَمَ لِأَجْلِ أَنَّـهُ وَقَعَ فِـى الْكُـفْرِ وَيَعْزِمَ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَـيْهِ وَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مَعْصِيَـةٍ (فَإِنْ لَـمْ يَرْجِعْ عَنْ كُـفْرِهِ بِالشَّهَادَةِ) أَىْ بِالـنُّطْـقِ بِـهَا (وَجَبَتِ اسْتِتَابَتُهُ) أَىْ يَـجِبُ عَلَى الْـخَلِيفَةِ أَوْ مَنْ يَـقُومُ مَقَامَهُ أَنْ يَطْـلُبَ مِنْهُ الرُّجُوعَ إِلَـى الإِسْلامِ (وَلا يُـقْـبَلُ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلامُ أَوِ الْقَـتْلُ بِهِ) أَىْ بِسَبَبِ الْكُـفْرِ (يُنَفِّذُهُ عَلَـيْهِ الْـخَلِيفَةُ) أَوْ مَنْ يَـقُومُ مَقَامَهُ (بَعْدَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَـيْهِ الرُّجُوعَ إِلَـى الإِسْلامِ) وَلا يَـجُوزُ قَــتْلُهُ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ (وَيَعْـتَمِدُ الْـخَلِيفَـةُ فِـى ذَلِكَ) أَىْ فِـى الْـحُكْمِ عَلَـيْهِ بِالرِّدَّةِ (عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) ذَكَـرَيْنِ (عَدْلَـيْـنِ) وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُجْتَنِبُ لِكَـبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلا يُكْـثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغِيـرَةِ بِـحَيْثُ تَـزِيدُ عَلَى طَاعَاتِهِ الْمُجْـتَنِبُ لِمَا يُـخِلُّ بِـمُرُوءَتِهِ كَـتَطْيِيـرِ الْـحَمَامِ (أَوْ) يَعْـتَمِدُ الْـخَلِيفَةُ (عَلَى اعْتِـرَافِهِ) أَىِ اعْتِـرَافِ الْمُرْتَـدِّ بِأَنَّـهُ قَالَ كَلِمَةَ الْكُـفْرِ أَوْ فَعَلَ فِعْلَ الْكُـفْرِ أَوِ اعْـتَقَدَ اعْتِقَادَ الْكُـفْرِ (وَذَلِكَ لِـحَدِيثِ الْـبُخَارِىِّ مَنْ بَدَّلَ دِينَـهُ فَاقْـتُلُوهُ) أَىْ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ إِلَـى غَـيْـرِهِ فَاقْـتُلُوهُ إِنْ لَـمْ يَرْجِعْ.
(وَ)مِنْ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ أَنَّـهُ (يَبْطُلُ بِـهَا صَوْمُهُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّـوْمِ مِنَ الْكَافِرِ (وَ)كَذَا (تَيَمُّمُهُ) بِـخِلافِ الْوُضُوءِ فَلا يَــبْطُلُ بِالرِّدَّةِ (وَ)يَبْطُلُ بِـهَا عَـقْدُ (نِكَاحِهِ) بِـمُجَرَّدِ حُصُولِ الرِّدَّةِ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْـنِ (قَبْلَ الدُّخُولِ) بِالزَّوْجَةِ فَإِنْ عَادَ إِلَـى الإِسْلامِ لا تَعُودُ إِلَـيْهِ زَوْجَتُهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ (وَكَذَا) يَــبْطُلُ الـنِّـكَاحُ بِـحُصُولِ الرِّدَّةِ (بَعْدَهُ) أَىْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ (إِنْ لَـمْ يَعُدْ إِلَـى الإِسْلامِ فِـى) مُدَّةِ (الْعِدَّةِ) فَإِنْ عَادَ إِلَـى الإِسْلامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ فَلا يَـحْتَاجُ إِلَـى تَـجْدِيدِ الْعَـقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِـىِّ. وَالْعِدَّةُ ثَلاثَـةُ أَطْهَارٍ لِمَنْ تَـحِيضُ وَثَلاثَـةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّـةٍ لِمَنْ لا تَـحِيضُ أَمَّا الْـحَامِلُ فَعِدَّتُـهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْـحَمْلِ.
(وَلا يَصِحُّ عَـقْدُ نِكَاحِهِ) أَىِ الْمُرْتَـدِّ (عَلَى مُسْلِمَةٍ وَ)لا (غَـيْـرِهَا) حَتَّـى يَرْجِعَ إِلَـى الإِسْلامِ (وَتَـحْرُمُ ذَبِيحَتُهُ) أَىْ يَـحْرُمُ أَكْلُهَا (وَلا يَرِثُ) مَنْ مَاتَ مِنْ أَقْرِبَـائِهِ الْمُسْلِمِيـنَ (وَلا يُوَرَثُ) أَىْ لا يَرِثُـهُ قَرِيبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَلا يُصَلَّى عَلَـيْه) أَىْ لا تَـجُوزُ الصَّلاةُ عَلَـيْهِ إِذَا مَاتَ لِكُـفْرِهِ وَلا يَـجُوزُ الـتَّـرَحُّمُ عَلَـيْهِ وَلا الِاسْتِغْـفَارُ لَهُ (وَلا يُغَسَّلُ وَلا يُكَـفَّنُ) أَىْ لا يَـجِبُ غَسْلُهُ وَلا تَكْـفِينُهُ وَلا يَـحْرُمُ ذَلِكَ (وَلا يُدْفَنُ فِـى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِيـنَ) أَىْ لا يَـجُوزُ دَفْنُهُ فِيهَا لِأَنَّـهَا وُقِـفَتْ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِيـنَ فَقَطْ (وَمَالُهُ) بَعْدَ مَوْتِهِ (فَـىْءٌ أَىْ لِـبَيْتِ الْمَالِ إِنْ كَانَ) يُوجَدُ (بَيْتُ مَالٍ مُسْتَـقِيمٌ) قَائِمٌ عَلَـيْهِ ثِـقَةٌ أَمِيـنٌ (أَمَّا إِنْ لَـمْ يَكُنْ) بَــيْتُ مَالٍ مُسْتَـقِيمٌ كَمَا هُوَ عَلَـيْهِ الْـحَالُ الْـيَوْمَ (فَإِنْ تَـمَكَّنَ رَجُلٌ صَالِحٌ) أَمِيـنٌ عَارِفٌ بِـمَصَارِفِ هَذَا الْمَالِ (مِنْ أَخْذِهِ وَصَرْفِـهِ فِـى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِيـنَ فَعَلَ ذَلِكَ) أَىْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) فِـى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ.
(يَـجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَدَاءُ جَـمِيعِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّـهُ عَلَـيْهِ) مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَغَـيْـرِ ذَلِكَ (وَيَـجِبُ عَلَـيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَـهُ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّـهُ بِهِ) أَىْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ (مِنَ الإِتْيَانِ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَ)أَنْ (يَـجْـتَـنِبَ مُبْطِلاتِهِ وَيَـجِبُ عَلَـيْهِ أَمْرُ مَنْ رَءَاهُ تَارِكَ شَىْءٍ مِنْهَا أَوْ يَـأْتِـى بِـهَا عَلَى غَـيْـرِ وَجْهِهَا بِالإِتْيَانِ بِـهَا عَلَى وَجْهِهَا) أَىْ يَـجِبُ أَمْرُهُ بِالإِتْيَانِ بِـهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى تَصِحُّ بِهِ (وَيَـجِبُ عَلَـيْهِ قَهْرُهُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَـيْهِ) أَىْ يَـجِبُ إِرْغَامُهُ عَلَى تَـأْدِيَـةِ الْفَرَائِضِ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ عَلِمَ أَنَّـهُ لا يَـمْتَـثِلُ إِلَّا بِالْـقَهْرِ وَالأَمْرِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا وَجَبَ عَلَـيْهِ الإِنْـكَارُ) أَىْ كَرَاهِيَـةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ (بِقَلْبِهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْـقَهْرِ وَالأَمْرِ وَذَلِكَ أَضْعَـفُ الإِيـمَانِ أَىْ أَقَلُّ مَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ عِنْدَ الْعَجْزِ) عَنِ الْـقَهْرِ وَالأَمْرِ لِـيَسْلَمَ مِنَ الْمَعْصِيَـةِ. (وَيَـجِبُ) عَلَى الْمُكَـلَّفِ (تَرْكُ جَـمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ) الْكَـبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ (وَنَـهْىُ مُرْتَكِبِهَا وَمَنْعُهُ قَهْرًا مِنْهَا إِنْ قَدَرَ عَلَـيْهِ) أَىْ إِنْ قَدَرَ عَلَى الـنَّهْىِ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ (وَإِلَّا وَجَبَ عَلَـيْهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ).
(وَالْـحَرَامُ) هُوَ (مَا تَوَعَّدَ اللَّـهُ مُرْتَكِـبَهُ بِالْعِقَابِ وَوَعَدَ تَـارِكَهُ) امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّـهِ (بِالـثَّوَابِ وَعَكْسُهُ الْوَاجِبُ) وَهُوَ مَا وَعَدَ اللَّـهُ فَاعِلَهُ بِالـثَّوَابِ وَتَوَعَّدَ تَارِكَهُ بِالْعِقَابِ.



اترك تعليقاً