,

كفر من أثبت المكان لله عند الإمام الاسفراييني ت 471 هجري

قال الإمامُ أبو الْمُظَفَّرِ الأَسْفَرايِينيّ (ت 471هـ) في كِتابه “التبصيرُ في الدين وتمييزُ الفِرقة الناجية عن الفِرَقِ الهالِكِين” ما نَصُّه: “لَا يجوز عَلَيْهِ (يعني الله) الْكَيْفِيَّةُ والكَمِّيَةُ والأَيْنِيَّةُ، لِأَنَّ مَن لَا مِثْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُ أَن يُقَال فِيهِ “كَيفَ هُوَ”، وَمن لَا عَدَدَ لَهُ لَا يُقَال فِيهِ “كم هُوَ”، وَمَن لَا أَوَّلَ لَهُ لَا يُقَال لَهُ “مِمَّ كَانَ” وَمن لَا مَكَان لَهُ لَا يُقَال فِيهِ “أَيْن كَانَ”، وَقد ذَكَرْنَا مِن كِتَاب الله تَعَالَى مَا يَدُلُّ على التَّوْحِيد وَنَفْيِ التَّشْبِيه وَنفْيِ الْمَكَانِ والجِهَةِ وَنفْيِ الِابْتِدَاءِ والأَوَّلِيّةِ، وَقد جَاءَ فِيهِ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليٍّ رَضِي الله عَنهُ أَشْفَى الْبَيَانِ حِين قِيلَ لَهُ: أَيْن الله، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي أَيَّنَ الأَيْنَ لَا يُقَالُ لَهُ أَيْن، فَقيل لَهُ: كَيفَ اللهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي كَيَّفَ الكَيْفَ لَا يُقَال لَهُ كَيْفَ” انتهى.

قد زعم بعض المُصنِّفين أنَّ الأشاعرة يُفسِّقُون المُجسِّم ولا يُكفِّرونه وهذا افتراء على الأشاعرة؛ ولذلك ردَّ الحافظ بدر الدِّين الزَّركشيُّ هذا الادِّعاء وبيَّن أنَّه غير صحيح فقال في كتابه [تشنيف المسامع]: <ونُقِلَ عن الأشعريَّة أنَّه يَفْسُقُ؛ وهذا النَّقل عن الأشعريَّة ليس بصحيح> انتهَى.

وأمَّا مَن حمل قول الأشعريِّ: (اشهد عليَّ أنِّي لا أُكفِّر أحدًا مِن أهل هذه القِبلة لأنَّ الكُلَّ يُشيرون إلى معبود واحد وإنَّما هذا اختلاف العبارات) انتهَى على أنَّه لا يحكُم بتكفير أحد مِن المُنتسبين إلى الإسلام أبدًا فهذا افتراء عظيم على الأشعريِّ لا يُصدِّقه عاقل ولا يُوافق عليه صاحب رُشد.

فإنَّ مِن الفِرَق المُنتسبة إلى الإسلام -زُورًا وباطلًا- فرقة البَيَانِيَّة وفرقة السَّبئيَّة وفرقة الجَنَاحِيَّة ولكُلٍّ مِن هذه الفِرَق ولغيرها مِن الكُفر القبيح ما يجعل الوِلدانَ شِيبًا والعياذ بالله تعالَى فكيف يُصدِّق مُسلم عاقل أنَّ الإمام الأشعريَّ لا يحكُم بتكفير مَن قال بمقالات هذه الفِرَق الضَّالَّة!؟

ففي فرقة البَيَانِيَّة يقول أبو منصور البغداديُّ في [الفَرق بين الفِرَق] صـ/208 فصل [ذكر البَيَانيَّة مِن الغُلاة وبيان خُروجها عن فِرق الإسلام]: <واختلف هؤُلاء في بيانٍ زعيمهم فمنهُم مَن زعم أنَّه كان نبيًّا وأنَّه نسخ بعض شريعة مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ومنهُم مَن زعم أنَّه كان إلهًا> إلخ..

ويقول في فرقة الجناحيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/216: <وحكوا لأتباعهم أنَّ عبدالله بن مُعاوية بن عبدالله بن جعفر زعم أنَّه ربٌّ وأنَّ رُوح الإله كانت في آدم ثُمَّ في شيث ثُمَّ دارت في الأنبياء والأئمَّة إلى أنِ انتهَت إلى عليٍّ ثُمَّ دارَت في أولاده الثَّلاثة ثُمَّ صارت إلى عبدالله بن مُعاوية> إلخ..

ويقول في فرقة السَّبئيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/215: <السَّبئيَّة أتباع عبدالله بن سبإ الَّذي غلَا في عليٍّ رضي الله عنه فزعم أنَّه كان نبيًّا ثُمَّ غلَا فيه حتَّى زعم أنَّه إله ودعا إلى ذلك قومًا مِن غُواة الكُوفة ورُفع خبرُهُم إلى عليٍّ رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهُم في حُفرتَين> إلخ..

بالله عليك أخي القارئ.. هل تُصدِّق أنَّ الإمام الأشعريَّ لا يحكُم بتكفير مَن جعل الإلهيَّة في إنسان؟ وهل تُصدِّق أنَّه لا يحكُم بتكفير مَن نسب لله تعالَى رُوحًا ثُمَّ جعلها تحِلُّ وتدور في الأنبياء والأئمَّة؟ وهل تُصدِّق أنَّه لا يحكُم بتكفير مَن ادَّعَى النُّبُوَّة بعد مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم!؟

فإنْ لم تُصدِّق أنَّ الأشعريَّ يحكُم بالإسلام على أُولئك فقد حكمتَ بأنَّ قولَه المذكور آنفًا لا يعني أنَّه لا يُكفِّر المُجسِّمة الحقيقيِّين بل يترُك تكفير مَن خالف في اللَّفظ والإطلاق والعبارة دون المعنَى؛ وأمَّا مَن خالف في المعنَى فإنَّه كافر عند الأشعريِّ كما عند سائر العُلماء كما صرَّحَت أقوالُهُم.

ثُمَّ إنَّ أبا منصور البغداديَّ أخذ مِن أبي إسحاق الإسفراينيِّ الَّذي أخذ مِن أبي الحسن الباهليِّ تلميذ الإمام الأشعريِّ؛ فلو كان الإمام الأشعريُّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة قبل موته لَمَا خفي ذلك عن أبي منصور البغداديِّ الَّذي نقل إجماع الأشاعرة على تكفير المُجسِّمة المُشبِّهة.

قال أبو منصور البغداديُّ في [تفسير الأسماء والصِّفات]: <فأمَّا أصحابُنا فإنَّهم وإنْ أجمعوا على تكفير المُعتزلة والغُلاة مِن الخوارج والنَّجاريَّة والجهميَّة والمُشبِّهة فقد أجازوا لعامَّة المُسلمين معاملتَهُم في عُقود البياعات والإجارات والرُّهون وسائر المُعاوضات دون الأنكحة> انتهَى.

ثُمَّ الَّذين يزعُمون أنَّ الإمام الأشعريَّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة يجعلونه مُضطربًا في عقيدته إلى آخر حياته، فهُو عندهُم عاش جاهلًا لا يعرف على مَن يجب الحُكم بالتَّكفير حتَّى أزف رحيلُه إلى ديار الآخرة! وهذا الكلام حطٌّ مِن قدر الإمام الأشعريِّ وهُو إمام الأئمَّة رضي الله عنه.

وأُولئك يجعلون الإمام الأشعريَّ مُخالفًا لِمَا أثبته الإمام الطَّحاويُّ عقيدةً للسَّلف بقوله: <ومَن وصف الله بمعنًى مِن معاني البشر فقد كفر> انتهَى فلا تكُن في مرية مِن أنَّ مَن زعم أنَّ الإمام الأشعريَّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة الحقيقيِّين ما هُو في الحقيقة إلَّا عدُوٌّ للإمام الأشعريِّ.

وقال مُلَّا عليٌّ القاري في [شرح الفقه الأكبر]: <ومُبتدعة الحنابلة قالوا: (كلامُه حُروف وأصوات تقوم بذاته وهُو قديم) وبالغ بعضُهُم جهلًا حتَّى قال: (الجلد والقرطاس قديمانِ فضلًا عن الصُّحُف) وهذا قول باطل بالضَّرورة ومُكابرة للحسِّ للإحساس بتقدُّم الباء على السِّين في بسم الله ونحوه> انتهى.

وقال مُلَّا عليٌّ القاري أيضًا: <وقد ذكر المشايخ رحمهم الله تعالى أنَّه يُقال: القُرآن كلام الله غير مُخلوق، ولا يُقال: القرآن غير مخلوق؛ لئلَّا يسبق إلى الفهم أنَّ المُؤلَّف مِن الأصوات والحُروف قديم كما ذهب إليه بعض جَهَلَة الحنابلة>

انتهى من المقالات السنية للشيخ عبد الله الهرري

ومن جملة عقيدة الاسفراييني ما ذكره الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله في [المقالات السُّنِّيَّة في كشف ضلالات أحمد بن تيميَّة]: <قال الإمام الأسفرايينيُّ -ذاكرًا عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة- ما نصُّه: “وأنْ تعلمَ أنَّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأنَّ الحرف والصَّوت يتضمَّنانِ جواز التَّقدُّم والتَّأخُّر وذلك مُستحيل على القديم سُبحانه”> انتهى كلام الشَّيخ عبدالله الهرريِّ.

وقال الشَّيخ سمير القاضي حفظه الله في [حاشية الكيفونيِّ]: <تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت أخْذًا بظاهر بعض ما ورد مِن أحاديث وقال إنَّه صوت أزليٌّ يُريد بذلك أنَّه كلام قديم ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهُو كافر كسائر المُشبِّهة، هذا مع خطئه في إطلاق الصَّوت على الله لأنَّ هذه الأحاديث ليس فيها ما يُحتجُّ به في العقائد فإنَّها كلَّها أحاديث آحاد فضلًا عن عدم ثُبوتها، ومَا ورد في [البُخاريِّ] مِن نسبة الصَّوت إلى الله تعالى فهُو حديث مُختلَف في بعض رُواته وهُو عبدُالله بن مُحمَّد بن عقيل ولم يذكُره البُخاريُّ في [صحيحه] مُتَّصلاً وإنَّما ذَكَرَه بصيغة التَّمريض قائلًا: (ويُذكَر) إشارة إلى عدم ثُبوته وما ذَكَرَه كذلك فهُو لا يَحكُم بصحَّته رضي الله عنه وإنْ كان في [الصَّحيح] كما ذَكَرَه الحافظ وغيرُه في كُتُب فنِّ المُصطلَح فلا يصحُّ الاحتجاج به وقد أشار الحافظ البَيهقيُّ إلى عدم ثُبوت هذه الأحاديث بقوله عند الكلام عليها فإنْ ثَبَتَ شَيء مِن ذلك إلخ.. انتهى. بل صنَّف الحافظ أبو الفضل المقدسيُّ دفين الإسكندريَّة رحمه الله تعالى جُزءًا في بُطلان أحاديث الصَّوت كلِّها واختصره ابن المُعلِّم في [نجم المُهتدي ورجم المُعتدي] وفي مكتبتي صورة عن نُسخته الخطيَّة ولله الحمد> انتهى.

ويحسن أن ننبه في خصوص الامام الاسفراييني أنّ قول بدر الدِّين الزَّركشيِّ: <حكى الأُستاذ أبو إسحق الإسفراييني الإجماع على جواز النَّقل مِن الكُتُب المُعتمدة ولا يُشترط اتِّصال السَّند> إلخ.. وقول العزِّ بن عبدالسَّلام: <ولذلك اعتمد النَّاس على الكُتُب المشهورة في النَّحو واللُّغة والطِّبِّ وسائر العُلوم> إلخ.. فليس على إطلاقه.

فإنْ لم يكُنِ الرَّجُل عالمًا باختلاف أهل العلم قادرًا على التَّمييز بين الصَّحيح والسَّقيم مُنع مِن الفتوى بالنَّظر إلى الكُتُب ولو كانت مُعتمدة أُجيز فيها إلَّا شيئًا تحقَّق له سماعُه عن الثِّقات، والعامِّيُّ الجاهل لا يصير بمُجرَّد الإجازة مُفتيًا ينظُر في كلام المُجتهدين ويستنبط أحكام الشَّرع الحنيف.

ففي [فتح العليِّ المالك في الفتوى على مذهب مالك] للشَّيخ عِلِّيش المالكيِّ قال: <فقال يحيى بن عُمر: قلتُ لمُحمَّد بن عبدالحكم: أرأيتَ مَن كان يروي كُتُبك هذه وكُتُب ابن القاسم وأشهب؛ هل يجوز له أنْ يُفتيَ؟ قال: لا والله إلَّا أنْ يكون عالمًا باختلاف أهل العلم يُحسن التَّمييز> إلخ..

وفيه: <وقال سحنون: “مَن اشترى كُتُب العلم أو ورثها ثُمَّ أفتى بها ولم يعرضها على الفُقهاء أُدِّب أدبًا شديدًا” وذكر القاضي حديثًا مرفوعًا: “لا يُفتي أُمَّتي الصَّحَفيُّون ولا يُقرئُهُمُ المُصحفيُّون” قال غيرُهُ: “فيُنهَى عن ذلك أشدَّ النَّهي فإنْ لم ينتهِ عُوقب بالسَّوط” وقد قال ربيعة: “لَبعضُ مَن يُفتي ها هُنا أحقُّ بالسِّجن مِن السُّرَّاق”> إلخ..

وفيه عن أبي العبَّاس القبقاب قال في جواب سُؤال عمَّن لم يقرأ الكُتُب على الثِّقات هل له أنْ يُعلِّم منها: <تعليم النَّاس مِن الرِّسالة والجلاب لمَن لم يقرأ على أحد لا ينبغي> إلخ.. إلى قوله: <الَّذي يُفتي النَّاس بما يرى في الكُتُب مِن غير أنْ يقرأ على الشَّيخ لا يحِلُّ له.. نصَّ على ذلك الفُقهاء> إلخ..

وفيه عن ابن رشد: <لا يجوز لمَن لم يعتنِ بالعلم ولا سمعه ولا رواه الجُلوس لتعليم المُوطَّأ ولا غيره مِن الأُمَّهات ولو كانت مشهورة.. ولو قرأها وتفقَّه على الشُّيوخ فيها أو حملها إجازة فقط جاز أنْ يُعلِّم ما عنده عن الشُّيوخ مِن معانيها وأنْ يقرأها إذَا صحَّح كتابه على رواية شيخه> إلخ..

ثُمَّ الكتاب لا يكون مُعتمَدًا لمُجرَّد شُهرة صاحبه ولا لمُجرَّد كونه ثابتًا عن مُصنِّفه بل لا بُدَّ مِن توفُّر نُسخة شهد الثِّقات أنَّها بخطِّ المُصنِّف أو شهدوا أنَّها مُقابلة على نُسخة بخطِّه لأنَّ الكُتُب وقع في نسخها الدَّسُّ والتَّصحيف والخطأ ولذلك قال التَّاج السُّبكيُّ: <آفة الكُتُب نُسَّاخُها> انتهى.

وقال الإمام النَّوويُّ في [التَّقريب]: <وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ مِنْ كِتَابٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ قَابَلَهَا هُوَ أَوْ ثِقَةٌ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ فَإِنْ قَابَلَهَا بِأَصْلٍ مُحَقَّقٍ مُعْتَمَدٍ أَجْزَأَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ> إلخ..

وقال شيخُنا المُحقِّق المُدقِّق الشَّيخ عبدالله الهرريُّ الحبشيُّ رحمه الله ما معناه: <إنَّ النُّسَخ الَّتي لم تكُن مُقابَلة بيد ثقة على نُسخة قابَلها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابَله على المُؤلِّف لا تُعتبر نُسَخًا صحيحة بل هي نُسخ سقيمة> انتهى.

فإذَا كان الكتاب مُعتمَدًا احتاج القارئ إلى علم وفهم سليم بحيث لا يُخشى على النَّاقل منه اللَّبس والخلط وإلى ضبط القواعد الَّتي يُميِّز بها الصَّحيح مِن السقيم وإلَّا فقد عاب القاضي عياض قومًا وصفهم فقال: <الْمُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ؛ الْمُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ> انتهى.

وأمَّا غربان أهل الفتنة النَّاعقون بدعوة العامَّة إلى الأخذ مِن الكُتُب بحُجَّة أنَّ العُلماء سمحوا بذلك؛ فإنَّما يبتغون استباحةَ مُخالفة ما تلقَّوْه عن العالِم العامل والانتصارَ لدعاويهمُ الباطلة الكاذبة الَّتي حرَّفوا بها شرع الله فجعلوا المُختلَف فيه إجماعًا والإجماع مُختلَفًا فيه والعياذ بالله تعالى.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading