الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعد قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ وقال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}؛ وقال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}؛ وأجمعت الأُمَّة على تنزيه الله عن المكان والزَّمان لأنَّه سُبحانه هو خالقهما ولا يحتاج إليهما ولا يشبه الخالق مخلوقه؛ وجاء في [الفَرق بين الفِرَق] بيان ما اتَّفق عليه أهل السُّنَّة مِن مسائل للإمام أبي منصور البغداديِّ: <وأجمعوا على أنَّه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان> اهـ وفي العقيدة الطَّحاويَّة الَّتي أجمع أهل السُّنَّة على اعتبارها: <ولا تحويه الجهات السِّتُّ كسائر المُبتدعات> اهـ.
وقد ضلَّ مُحمَّد راتب النَّابلسيُّ فقال: <إنَّ الله في كُلِّ مكان وفي كُلِّ زمان> اهـ وهذا كلام فاسد لا يقول به أهل السُّنَّة والجماعة لأنَّ الله تعالى هو خالق المكان والزَّمان فيستحيل عليه أنْ يتخصَّص بهما لأنَّه تعالى ليس جسمًا وليس محدودًا وقد رُوِيَ أنَّ سيِّدنا عليًّا رضي الله عنه قال: <مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُود> وفي العقيدة الطَّحاويَّة: <ومَن وَصَف اللهَ بمعنًى مِن معاني البشر فقد كفر>، فتبيَّن أنَّ مُحمَّد راتب النَّابلسيَّ ليس عالِمًا وأنَّه يتكلَّم بما يُنافي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة؛ فالله حَسِيبُه.
جاء في العقيدة الطَّحاويَّة الَّتي أجمع أهل السُّنَّة على اعتبارها: <فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ> انتهى.
وقد حرَّم الله علينا السُّكوت عن إنكار المُنكر مع القدرة على إنكاره؛ وقال نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام: <مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ> ومِن هذا المُنطلق كان الإنكار على مُحمَّد راتب النَّابلسيِّ؛ وهو في الحقيقة ليس عالِمًا مِن عُلماء الدِّين ولو حفِظ بعض الحكايات والقِصص إذ ليست العبرة بالفضائيَّات الَّتي تروِّج له ولأمثاله مِن دُعاة السُّوء الَّذين تسبَّبوا بخراب الأوطان وسفك الدِّماء بل العبرة بمُوافقة شرع الله وصدق اتِّباع النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام.
فالعقيدة الطَّحاويَّة: وهي الَّتي وضعها أبو جعفر الطَّحاويُّ مِن أئمَّة السَّلف الصَّالح وقال إنَّها بيان عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة عقيدة أبي حنيفة وصاحبَيه أبي يُوسف القاضي ومُحمَّد بن الحسن الشَّيبانيِّ. الأُمَّة كُلَّها أخذت بالقَبول ما ورد فيها وعند أهل السنة إجماعَ على قَبول العقيدة الطَّحاويَّة وفيها: <ومَن وصف الله بمعنًى مِن معاني البشر فقد كفر>
ويحسن أن نبين أن قول الأشعريِّ: (لا أُكفِّر أحدًا مِن أهل القِبلة) ربطه رحمه الله بـ(اختلاف العبارات) لا المعاني؛ وأمَّا المعاني فقد أجمعت الأُمَّة على قَبول ما جاء في العقيدة الطَّحاويَّة: (ومَن وصف الله بمعنًى مِن معاني البشر فقد كَفَرَ مَن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكُفَّار انزجر) انتهَى.
لا يجوز أنْ يُقال “الإله” هُو مَن يُعبد بحقٍّ أو بباطل
فائدة: قال الشَّيخ عبدالله الهرريُّ رحمه الله في [الدُّرَّة البهيَّة في حلِّ ألفاظ العقيدة الطَّحاويَّة]: <(ولا إله غيره) الشَّرح: “الإله” مَن له الإلهيَّة وهي قُدرة الإبداع والاختراع، فلا يُطلق لفظ الإله بحسب الأصل على غير الله تعالى إنَّما المُشركون استعاروا هذا اللَّفظ وأطلقوا على معبوداتهم كلمة “الإله” هكذا ذكر الفيوميُّ اللُّغويُّ في كتابه ]المصباح المُنير] حيث قال: “الإلهُ: المعبود وهُو الله سُبحانه وتعالى ثُمَّ استعاره المُشركون لِمَا عبدوه مِن دُون الله تعالى” انتهى وأمَّا المُبرَّد فقال: “الإله: مَن له الإلهيَّة والإلهيَّة قُدرة الإبداع والاختراع” انتهى فلا يجوز أنْ يُقال “الإله” هُو مَن يُعبد بحقٍّ أو بباطل. وقد عدَّ الإمام أبو منصور البغداديُّ “الإله” مِن أسماء الله. وكُلُّ هذا حُجَّة على هؤُلاء الَّذين يزعُمون أنَّ “الإله” معناه المعبود إنْ كان بحقٍّ أو بباطل بل “الإله” إذَا أُطلق لا يُطلق إلَّا على المعبود بحقٍّ لا يكون إلَّا لله ربِّ العالمين لذلك صحَّ أنْ يُقال لا إله إلَّا الله فلا يجوز إطلاق الإله على غير الله تبارك وتعالى، أمَّا إذَا قُيِّد فلا إشكال فإذَا قيل للكُفَّار هذا إلهُهُم فهُو بمعنى هذا معبودُهُم لا بمعنى المُوافقة لهُم بل بمعنى الذَّمِّ لهُم> انتهى.
ولأنَّ في قُلوب أهل الفتنة من بعض أدعياء الأشعرية زَيغًا وطاعة للهوى وميلًا إلى الباطل وإلى مُخالفة العالِم العامل فقد نقل بعضُهُم أنَّ في مسألة إطلاق لفظ “الإله” مذهبان أحدُهُمَا أنَّه يُطلق على كُلِّ معبود ولو بغير حقٍّ مُوهِمًا أصحابه مِن أهل الفتنة أنَّه قول صحيح مُعتبَر فاستحسنوا ذلك منه والعياذ بالله.
فلو كان في أهل الفتنة بقيَّة خوف مِن الله عزَّ وجلَّ لَمَا سكتوا لصاحبهم الَّذي غشَّهُم في الدِّين ولكنَّهم سكتوا له ولم يُنكروا عليه لتعلُّق قُلوبهم بمُخالفة فتاوى شيخنا الهرريِّ رحمه الله؛ فهُم يُريدون الطَّعن به ولو مِن طريق الافتراء على شرع الله.. وهذا يفضحُهُم كُلَّهُم عند كُلِّ أحد بإذن الله تعالى .انتهى.
التحقيق في نسبة الصوت إلى الله:
قال شيخنا الهرريُّ رحمه الله في [الشَّرح القويم في حلِّ ألفاظ الصِّراط المُستقيم]: <ثُمَّ إنَّ الله ما وصف نفسَه بالنُّطق إنَّما وصف نفسه بالكلام أي بأنَّه مُتكلِّمٌ فلو كان كلامُ الله نُطقًا لجاءت بذلك آيةٌ مِن القُرآن. والموجود في القُرآن الكلامُ والقولُ وهُمَا عبارة عن معنًى قائمٍ بذات الله أي ثابتٍ له معناه الذِّكر والإخبار وليس نُطقًا بالحُروف والصَّوت. وقد ألَّف الحافظُ شرف الدِّين أبو الحسن عليُّ بنُ القاضي الأجلِّ أبي المكارم بن علي المقدسيُّ جُزءًا في تضعيف أحاديثِ الصَّوت على وجه التَّحقيق، والبيهقيُّ رحمه الله قد صرَّح بأنَّه لا يصحُّ حديثٌ في نسبة الصَّوت إلى الله. وأمَّا ما في كتاب فتح الباري في كتاب التَّوحيد مِن القول بصحَّة أحاديثِ الصَّوت فهُو مردود وهُو نفسه في كتاب العلم ذكر خلافَ ما ذكره في كتاب التَّوحيد، على أنَّ ما ذكره في كتاب التَّوحيد مِن إثبات الصَّوت قال إنَّه صوتٌ قديم ولم يحمِلْه على الظَّاهر الَّذي تقوله المُشبِّهة إنَّه صوت حادث يحدث شيئًا فشيئًا يتخلَّلُه سكوت كما قال زعيم المُشبِّهة ابن تيميَّة إنَّ كلامه تعالى قديمُ النَّوع حادث الأفراد ومثل ذلك قال في إرادة الله وكِلَا الأمرَين باطل. والحافظ لا يعتقد قيام الحادث بذات الله، فشَرْحُه هذا مشحون بذكر نفي الحركة والانتقال ونحو ذلك في مواضعَ كثيرةٍ عن الله تعالى، فهُو يُؤوِّل الأحاديثَ الَّتي ظاهرُها قيام صفة حادثة بذات الله على غير الظَّاهر> انتهى مِن [الشَّرح القويم].
وقال رحمه الله في [إظهار العقيدة السُّنِّيَّة بشرح العقيدة الطَّحاويَّة]: <تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت وقال إنَّه صوت أزليٌّ أبديٌّ ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهو كافر كسائر المُشبِّهة. وأمَّا أحاديث الصَّوت فليس فيها ما يُحتجُّ به في العقائد> انتهى.
وقال في موضع آخر منه: <فالحاصل أنَّه ليس في إثبات الصَّوت لله تعالى حديث مع الصِّحَّة المُعتبَرة في أحاديث الصِّفات، لأنَّ أمر الصِّفات يُحتاط فيه ما لا يُحتاط في غيره، ويدُلُّ على ذلك رواية البُخاريِّ القدرَ الذي ليس فيه ذكر الصَّوت مِن حديث جابر هذا بصيغة الجزم، وروايته للقدر الَّذي فيه ذكر الصَّوت بصيغة التَّمريض، فتحصَّلَ أنَّ في أحاديث الصِّفات مذهبَين:
1- أحدُهُما: اشتراط أنْ يكون في درجة المشهور، وهُو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة فأكثر، وهو ما عليه أبو حنيفة وأتباعُه مِن الماتُريديَّة، وقد احتجَّ أبو حنيفة رضي الله عنه في رسائله الَّتي ألَّفها في الاعتقاد بنحو أربعين حديثًا مِن قبيل المشهور.
2- والثَّاني: ما ذهب إليه أهل التَّنزيه مِن المُحدِّثين، وهُو اشتراط أنْ يكون الرَّاوي مُتَّفقًا على ثقته.
فهذان المذهبان لا بأس بكلَيهما، وأمَّا الثَّالث وهُو ما نزل عن ذلك فلا يُحتجُّ به لإثبات الصِّفات> انتهى مِن [إظهار العقيدة السُّنِّيَّة بشرح العقيدة الطحاوية].
وقال رحمه الله في [المقالات السُّنِّيَّة في كشف ضلالات أحمد بن تيميَّة]: <قال الإمام الأسفرايينيُّ -ذاكرًا عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة- ما نصُّه: “وأنْ تعلمَ أنَّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأنَّ الحرف والصَّوت يتضمَّنانِ جواز التَّقدُّم والتَّأخُّر وذلك مُستحيل على القديم سُبحانه”> انتهى كلام الشَّيخ عبدالله الهرريِّ.
وقال الشَّيخ سمير القاضي حفظه الله في [حاشية الكيفونيِّ]: <تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت أخْذًا بظاهر بعض ما ورد مِن أحاديث وقال إنَّه صوت أزليٌّ يُريد بذلك أنَّه كلام قديم ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهُو كافر كسائر المُشبِّهة، هذا مع خطئه في إطلاق الصَّوت على الله لأنَّ هذه الأحاديث ليس فيها ما يُحتجُّ به في العقائد فإنَّها كلَّها أحاديث آحاد فضلًا عن عدم ثُبوتها، ومَا ورد في [البُخاريِّ] مِن نسبة الصَّوت إلى الله تعالى فهُو حديث مُختلَف في بعض رُواته وهُو عبدُالله بن مُحمَّد بن عقيل ولم يذكُره البُخاريُّ في [صحيحه] مُتَّصلاً وإنَّما ذَكَرَه بصيغة التَّمريض قائلًا: (ويُذكَر) إشارة إلى عدم ثُبوته وما ذَكَرَه كذلك فهُو لا يَحكُم بصحَّته رضي الله عنه وإنْ كان في [الصَّحيح] كما ذَكَرَه الحافظ وغيرُه في كُتُب فنِّ المُصطلَح فلا يصحُّ الاحتجاج به وقد أشار الحافظ البَيهقيُّ إلى عدم ثُبوت هذه الأحاديث بقوله عند الكلام عليها فإنْ ثَبَتَ شَيء مِن ذلك إلخ.. انتهى. بل صنَّف الحافظ أبو الفضل المقدسيُّ دفين الإسكندريَّة رحمه الله تعالى جُزءًا في بُطلان أحاديث الصَّوت كلِّها واختصره ابن المُعلِّم في [نجم المُهتدي ورجم المُعتدي] وفي مكتبتي صورة عن نُسخته الخطيَّة ولله الحمد> انتهى.
واعلم أخي القارئ أنَّه ليس كُلُّ ما في كُتُبِ العُلماء كُتِبَ على سبيل التَّحقيق وليس كُلُّ مخطوط مُحرَّرًا ونحن نُبرِّئ الإمام البُخاريَّ كما برَّأ عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة الإمامَ أحمد بن حنبل مِن القول بالحرف والصَّوت في حقِّ الله تعالى مع وُجود ذلك في بعض الكُتُب بالافتراء والعياذ بالله.
فمَن ظنَّ أن تحقيق المسائل يكون بمُجرَّد قراءة عبارة في كتاب ثُمَّ التَّعالُم بذلك على جَهَلَة العامَّة فهُو أحمق بليد. وقد قال نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم: <كفى بالمرء كَذِبًا أنْ يُحدِّث بكُلِّ ما سمع> رواه مُسلم وغيرُه.. فما بالُك بجاهل حدَّث بكُلِّ ما سَمِعَ وقرأ وهُو بعيد عن كُلِّ تحقيق!




