يقول أهل السُّنَّة: لمَّا كانَ اللهُ تبارك وتعالى مُنفردًا بالخلقِ أي الإحداثِ مِن العدمِ إلى الوجودِ لا يشاركُه في ذلك شيءٌ لا مِن ذوي الأرواحِ ولا مِن الجماداتِ ولا مِن الأسبابِ العاديَّةِ؛ لا يشاركُ اللهَ تعالى شيءٌ في خلقِ شيءٍ مِن منفعةٍ أو مضرَّةٍ أو عينٍ أو أثرٍ لقولِ اللهِ تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرُ اللهِ} وقولِهِ: {وخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ} وقولِه: {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شيءٍ وهو الواحدُ القهَّارُ} وقولِ رسولِهِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: <إنَّ اللهَ صانعُ كلِّ صانعٍ وصنعتِه> فعَلِمْنا أنَّ الأسبابَ العاديَّةَ ليست خالقةً لشيءٍ مِن مُسبَّباتِها بلِ اللهُ خالقُ الأسبابِ والمُسبَّباتِ؛ وهذا التَّرابُطُ بينَ الأسبابِ والمُسبَّباتِ أمرٌ أجرى اللهُ بهِ العادةَ، أي أنَّ اللهَ تعالى يَخُلقُ المُسبَّبَ عند وجودِ السببِ فكلاهُما أي السَّببُ والمُسبَّبُ يَستنِدُ في وجودِهِ وحصولِهِ ووقوعِهِ إلى إيجادِ اللهِ تباركَ وتعالى.
الأسبابُ لا تخلقُ مُسبَّباتِها
كثيرٌ مِن النَّاسِ يوقفُون تفكيرهم عند الظَّاهرِ فيقضونَ ويحكُمونَ بأنَّ هذه الأسبابَ هي تخلُقُ المُسبَّباتِ وهذا خلافُ الحقيقةِ لو كانتِ الأسبابُ تخلُقُ المُسبَّباتِ لوجبَ حصولُ المُسبَّبِ عندَ كلِّ سببٍ والواقعُ خلافُ ذلكَ؛ نجدُ كثيرًا مِن الأسبابِ تُستعملَ ولا يوجدُ إثرُها المُسبَّبُ فبذلكَ يُعلَمُ أنَّ الأسبابَ بقَدَرِ اللهِ، فإنْ سَبَقَ في مشيئةِ اللهِ وعلمِهِ الأزليَّيْنِ وجودُ هذا المُسبَّبِ إثرَ السَّببِ كان ذلك حتمًا حصولُه لأنَّ اللهَ شاءَ وعَلِمَ أنَّ هذا السَّببَ يحصلُ إثرَهُ المُسبَّبُ لا محالةَ مِن ذلكَ أمَّا إنْ لم يكن سَبَقَ في علمِ اللهِ ومشيئتِه حصولُ المُسبَّبِ إثرَ هذا السَّببِ فلا يحصلُ ذلك المُسبَّبُ؛ رُوِّيْنَا فيما يشهدُ لهذا حديثًا في صحيحِ ابن حبَّان: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: <إنّ اللهَ خلَق الدَّاءَ وخَلَقَ الدَّواءَ فإذا أُصيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذنِ اللهِ> قولهُ <بَرَأ بإذنِ الله> دليلٌ على أنَّ الأسبابَ مِن أدويةٍ وغيرِها لا تُوجبُ بطبعِها بذاتِها حصولَ المُسبَّبِ وشاهدُ الواقع يشهدُ بذلك؛ نرى كثيرًا مِن النَّاسِ يتداوَوْنَ بدواءٍ واحدٍ وأمراضُهم مُتَّحِدَةٌ فيتعافى بعضٌ منهم ولا يتعافى الآخرونَ فلو كان الدَّواءُ هو يخلُقُ الشِّفاءَ لكان كلُّ واحدٍ يستعملُ ذلك الدَّواءَ يتعافى حتمًا ولم يكن هناك حصولُ الشِّفاءِ لبعضٍ وعدمُ حصولِه لبعضٍ، لهذا قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: <فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذنِ اللهِ>.
فبذلكَ نعلمُ أنَّ الأدويةَ وجُودُها بتقديرِ اللهِ والشِّفاءُ بتقديرِ اللهِ، ليستِ الأدويةُ تخلقُ الشِّفاءَ وإلَّا لم يتخلَّفْ عندَ استعمالِ أيِّ دواءٍ حصولُ الشِّفاءِ إثرَه، كذلكَ سائرُ الأسبابِ العاديَّةِ؛ النَّارُ ليست موجبةً لحصولِ الاحتراقِ إنَّما اللهُ تعالى شاءَ أنْ يحصُلَ إثرَ مُماسَّةِ النَّارِ للشَّيءِ الاحتراقُ. فإنْ حصلَت مُماسَّةُ النَّارِ لشيءٍ ولم يحصُلِ الاحتراقُ عَلِمْنَا بأنَّ المانِعَ منْ حصولِ الاحتراقِ إثرَ مُماسَّةِ النَّارِ هو أنَّهُ سَبَقَ في عِلمِ اللهِ ومشيئتِه الأزليَّيْنِ أنَّه لا يحصلُ الاحتراقُ إثرَ مُماسَّةِ النَّارِ لهذا الشَّيءِ.
اللهُ تباركَ وتعالى خلقَ ألوانًا وأشكالًا مِن ذواتِ الأرواحِ وجعلَ في بعضِها ما لم يجعلْ في بعضها. هذا الطَّيرُ المُسمَّى السَّمَنْدلُ، هذا معروفٌ أنَّهُ لا يحصلُ له احتراقٌ؛ جلدُهُ لا يحترقُ بالنَّارِ وهو يدخلُ النَّارَ ويتهنَّأُ فيها لا يتأذَّى وهو عزيزُ الوجودِ، يقولُ ابنُ خلِّكَانَ في تاريخِه عن اللُّغويِّ المشهورِ عبدِالمطَّلبِ البغداديِّ -هذا من أئمَّةِ اللًّغةِ- يقولُ: شاهدتُ قطعةً مِن جلدِ السَّمندلِ أُهْدِيَتْ إلى الملكِ الظَّاهرِ ابنِ الملكِ الصَّالحِ صلاحِ الدِّينِ عَرْضَ ذراعٍ في طُولِ ذراع، صاروا يغمِسُونها في الزَّيتِ ثم يُشعلونَها فتنشعلُ النَّارُ ثُمَّ تنطفئُ وتبقى تلك القطعةُ بيضاءَ نقيَّةً، وحيوانُه في حالِ حياتِه هكذا يدخلُ النَّارَ ولا يُؤَثِّرُ فيه، وهو كغيرِه مِن الحيواناتِ مُؤلَّفٌ مِن لحمٍ ودَمٍ وعظمٍ، فلو كانتِ النَّارُ تخلقُ الإحراقَ بطبعِها لم يحصلْ تخلُّفُ الإحراقِ للسَّمندلِ إذَا مَسَّتْهُ النَّارُ بل لاحترقَ كما يحترقُ غيرُه.
قالَ بعضُ الشُّعراءِ في ذلكَ:
نَسْجُ داودَ لم يُفِدْ ليْلِةَ (الغا رِ) وكان الفَخَارُ للعَنْكَبُوتِ
معناهُ ليلةَ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في الغارِ هو وأبو بكرٍ حماهُما اللهُ تعالى بنسجِ العنكبوتِ ولم يكن هذا الفضلُ لنسجِ داودَ، نسجُ داودَ هو الدِّرْعِ؛ معناهُ اللهُ تعالى لم يَحْمِهما بنسجِ داودَ بل حماهُما بنسجِ العنكبوتِ وهو منَ الخلقِ الضَّعيفِ، قال:
وبَقَاءُ الَسَّمَنْدِ في لهبِ (النَّا * رِ) مُزيلٌ فضِيلةَ الياقُوتِ
يعني عدمُ احتراقِ السَّمندِ (والسَّمند هو السَّمندل) في لهبِ النَّار يدلُّ على أنَّ له مزيَّةً ليست للياقوتِ.
فالحاصلُ أنَّه يجبُ اعتقادُ أنَّ الأسبابَ لا تخلقُ مسبَّباتِها بلِ اللهُ يخلقُ المُسبَّباتِ إثرَ الأسبابِ، أي أنَّهُ تعالى هو خالقُ الأسبابِ وخالقُ مُسبَّباتِها، وعلى هذا المعنى يُشهرُ ما شاعَ وانتشرَ على ألسنةِ المُسلمينَ في أثناءِ أدعيتِهم: يا مُسبِّبَ الأسبابِ، معناهُ أنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي خلقَ في الأسبابِ حصولَ مُسبَّباتِها إثرَ استعمالِها، وهذا مِن كلامِ التَّوحيدِ الَّذي هو اشتَهرَ وفشا على ألسنةِ المُسلمينَ عُلمائِهم وعوامِّهم وهو يرجعُ إلى توحيدِ الأفعالِ، أي أنَّ اللهَ تبارك وتعالى هو الَّذي فِعلُه لا يتخلَّفُ أَثَرُهُ، إذَا شاءَ حصولَ شيءٍ إثرَ شيءٍ حصلَ لا محالةَ، لا بُدَّ.
اللهُ خالقُ العبادِ وأعمالِهم
فكما أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى هو خالقُ المُسبَّباتِ إثرَ استعمالِ الأسبابِ فهو خالقُ العبادِ حركاتِهم وسكناتِهم، لا خالقَ لشيءٍ مِن ذلكَ غيرُهُ. فالإنسانُ مكتسِبٌ لأعمالِهِ الاختياريَّةِ ليس خالقًا بل اللهُ خالقُها، هذه الحركاتُ الَّتي نتحرَّكُها للخيرِ أو للشَّرِّ: اَللهُ تباركَ وتعالى هو خالقُها فينا، هو الَّذي يُجريها على أيدِينا، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ أعمالِنا الَّتي هي حسناتٌ وبين أعمالِنا الَّتي هي سيِّئاتٌ.
والمُرادُ بالحسناتِ هنا الطَّاعاتُ والمُرادُ بالسيِّئاتِ المعاصي، فالطَّاعاتُ مِن الإيمانِ وما يتبعُه مِن صلاةٍ وصيامٍ وإلى غيرِ ذلكَ ممَّا لا يُحصى، والسيِّئاتُ مِن الكُفرِ وما بعدَهُ كلُّ ذلك بخلقِ اللهِ تعالى، هذا الاعتقادُ هو اعتقادُ الفرقةِ الناجيةِ وهم الصَّحابةُ الَّذين تلقَّوْا عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم المُعتقدَ الإيمانيَّ ثُمَّ تلقَّى منهم التَّابعونَ ثُمَّ أتباعُ التَّابعينَ وهلمَّ جرًّا، هذا هو اعتقاد الفرقةِ النَّاجيةِ. وتسميتُهم الفرقةُ النَّاجيةُ ليس لأقليَّتِهم بالنِّسبةِ للفِرقِ المُنتسبةِ للإسلامِ المُخالفةِ لهم بل هذه الفرقةُ النَّاجيةُ هي الأكثرُ، أمَّا أولئك الفِرَقُ المُخالفةُ الَّتي خالفتِ الفرقةَ النَّاجيةَ في مُعتقدِها فأولئكَ وإنْ تعدَّدَت أسماؤهم بحيث بلغت إلى اثنتَيْنِ وسبعينَ فرقةً فإنَّهم الأقلُّ. وهذه الفِرَقُ الاثنتانِ والسَّبعونَ الشَّاذَّةُ الَّتي هي ضالَّةٌ كثيرٌ منها انقرضوا ولم يبقَ إلَّا أقلُّهم. واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ وأحكمُ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ يفعلُ ما يشاءُ وصلى اللهُ وسلَّمَ على سيدِنا محمدٍ المتوكِّـلِ على خالقِهِ وعلى ءَالِهِ وصحبِهِ.
أمَّا بعدُ فقدْ كثرَ الكلامُ فِى أيامنا عنِ انتشارِ مرضِ الكُورُونا فِى بلادٍ كثيرةٍ وأدلَى كلٌّ مِنَ الجاهلِ والعارفِ بدلوِهِ فِى المسائل المتعلقةِ به والأحاديثِ الواردةِ فِى العدوَى والأوبئةِ فأصابَ العارفون وخَبَطَ غيرُهم فِى ذلك خَبْطَ عشواءَ.
ومِمَّا ينبغِى معرفتُهُ مِمَّا يتعلَّقُ بذلك ما يَلِى
أولًا. لا يَصِحُّ أن يُقاسَ هذا المرضُ بالطاعونِ وما شابهَهُ منَ الأوبئَةِ إذْ إنَّ نسبةَ الوَفَياتِ فِى المصابينَ به غيرُ مرتفعةٍ والأغلبيةُ الساحقةُ مِمَّن تَحَقَّقَتْ إصابتُهُم به يُشفَوْنَ منه بل معظمُ مَن يُصابُ به يُشفَى بلا مداواةٍ.
ثانيًا. هل ينتقلُ هذا المرضُ بالعدوَى مِن مريضٍ إلى مريضٍ ءَاخَرَ أو لا؟ قال العلماءُ أمَّا على معنَى انتقالِ المرضِ بالطبعِ مِن غيرِ مشيئةِ اللهِ تعالى ولا تقديرِهِ فلا لأنَّ كلَّ شَىْءٍ فِى العالمِ يحصُلُ بإرادةِ اللهِ تعالى وتخليقِهِ بلا استثناءٍ، وأمَّا على معنَى أنْ تكونَ مخالطةُ الصحيحِ للمريضِ سببًا لإصابتِهِ بالمرضِ فهذا مِمَّا اختلفَ أهلُ العلمِ فيه فقال قسمٌ يحصُلُ ذلك بمشيئةِ اللهِ تعالى فيكونُ مرضُ الأولِ سببًا لمرضِ الثانِى وقد يتخلَّفُ ذلك فلا يحصُلُ رغمَ المخالطةِ أىْ إذا لم يشإِ اللهُ ذلك كما هو معتادٌ فِى الأسبابِ واحتجَّ هؤلاءِ بحديثِ [فِرَّ منَ المجذومِ فرارَكَ منَ الأسدِ] وحديثِ [لا يحُلَّ ممرضٌ على مصحٍّ] ونحوِهِما منَ الأحاديثِ ومِمَّن ذهبَ إلى هذا البيهقِىُّ وابنُ الصلاحِ والنووىُّ وغيرُهُم، وقال قسمٌ ءَاخَرُ مِنَ العلماءِ لا يكونُ مرضُ أحدٍ سببًا لمرضِ غيرِهِ وإنما يبدأُ اللهُ المرضَ فِى الثانِى كما يبدأُهُ فِى الأولِ وقالوا الأمرُ بالفرارِ منَ المجذومِ ليس فيه النصُّ على أنَّ ذلك للعَدْوَى وكذلكَ الحديثُ الآخَرُ، فلمَّا صحَّ حديثُ [لا عدوَى] وحديثُ [لا يُعدِى شَىْءٌ شَيئًا] وحديثُ [ولْيَحُلَّ المصِحُّ حيث شاءَ] دلَّ ظاهرُ ذلك على أنَّ سببَ النَّهْىِ ليس التسبُّبَ بالعدوَى ولكنِ المجذومُ إذا خالطَهُ الصحيحُ البدنِ السليمُ مِنَ الآفةِ ازدادَتْ حسرتُهُ، وربما صدَرَ مِنَ السليمِ ما يُضايقُ العليلَ لِمَا يكونُ فِى نفسِهِ منَ النُّفرةِ مِن مرضِهِ أو يقول إذا أصابه المرضُ لولاه لَمَا مرِضْتُ فينكسِرُ خاطرُ المجذومِ ويتأذَّى فلذلك نُهِىَ عن مخالطتِهِ، وكذلك المريضُ بنحوِ الجذامِ لا ينبغِى له أن ينزل على الصحيح فيؤذيَهُ لأنَّ الأنفسَ تكرهُهُ فنَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك للأذَى لا للعدْوَى، وأما الصحيحُ فله أن ينزلَ محلةَ المريض إنْ صبرَ على ذلك واحتملَتْهُ نفسُهُ ولو كان النَّهْىُ للعدوَى لَمَا أُذِنَ للصحيحِ فِى النزولِ على المريضِ اهـ ورُوِىَ هذا القولُ عن كثيرينَ منهمُ الأئمةُ مالكٌ وابنُ وهبٍ والطبرِىُّ وإليه ذهبَ الباجِىُّ والقرطبِىُّ والحافظُ ابنُ حجرٍ وغيرُهُم، وأجابَ الأوَّلونَ بتأويلِ حديثِ [لا عدوَى] وأنَّ المرادَ منه أنَّ المرضَ لا يُعدِى بطبعِهِ وليس معناهُ نَفْىَ انتقالِهِ مِن شخصٍ إلى ءَاخَرَ بمشيئةِ اللهِ واللهُ أعلمُ اهـ
ثالثًا. أمَّا السبيلُ الذِى ينبغِى سُلوكُهُ مع الناسِ عند الكلامِ معهم عن هذا المرضِ فنقولُ كان شيخُنا الهررىُّ رحمه اللهُ إذا سُئِلَ عن هذه الأحاديثِ ذكرَ التفسيرَ الأولَ أحيانًا وذكرَ التفسيرَ الثانِىَ فِى أحيانٍ أخرَى ولعلَّ ذلك لاختلافِ أحوالِ السائلينَ ومدَى تمكّنهم فى العلم، ولا ضرر فى ذلك طالما أنَّ المسئلةَ خلافيةٌ غيرُ قطعيةٍ.
ولا يخفَى أنَّ مَدارَ القولينِ على أنَّ المرضَ إنما يحدُثُ بتقديرِ اللهِ وقُدرتِهِ لا بمجرَّدِ طبعِهِ وأنَّ المخالطةَ قد تحصلُ ولا يحصُلُ المرضُ عَقِبَها، فإذا كان الأمرُ كذلك فنحنُ نكْتَفِى فِى الكلامِ مع الناسِ بذكْرِ هذا المقدارِ أىْ بذِكْرِ أنَّنا نعتقِدُ بحصولِ المرضِ بمشيئةِ اللهِ وبخلقِهِ وأنَّ الخالقَ هو اللهُ لا المرضُ بطبعِهِ من غير زيادةِ تفصيلٍ وأنَّ أمراضًا معينةً تنتشِرُ بسرعةٍ كبيرةٍ أكثرَ مِن غيرِها وهذا واقعٌ مشاهَدٌ، فإذا انتشرَ المرضُ ساهَمْنا بقدرِ طاقتنا فِى الإعانةِ بالدواءِ والوقايةِ على ما يُوافقُ الشرعَ لا على ما يُخالفُهُ ولا على ما تقودُ إليه الوسوسةُ والأوهامُ والخوفُ الذِى يمنعُ صوابَ التفكيرِ.
ثم لا بأسَ بسُلوكِ طريقِ الوقايةِ مِن غيرِ مبالغةٍ تتعدى الحدودَ ولا ضعفٍ فِى التوكُّلِ على اللهِ فمن فعلَ ذلك لم نُنكِرْ عليه ولم نَلُمْهُ، وكيفَ نلومُهُ على أخذِهِ فِى الأسبابِ على الوجهِ الذِى أذنَ به الشَّرعُ لوقايةِ نفسِهِ مِن ضرَرٍ يخشاهُ، وكذلك إذا وجدنا مَن قَوِىَ توكُّلُهُ فَخَدَمَ المرْضَى وخالطهم وعلَّمهم وداواهُم وراعَى حاجاتِ عيالِهِم وءَانَسَهُم بطعامٍ وحديثٍ لوجهِ اللهِ تعالى لم نُنكِرْ عليه ولا عِبْناه بذلك كيفَ وهو يفعلُ ما أمرَ به الربُّ وحثَّ عليه الدينُ.
وليُتَنَبَّهْ هُنا إلى أنَّ دينَنا الحنيفَ حثَّ على النظافةِ فِى الأحوالِ كلِّها وعلى سترِ الفمِ عند العُطاسِ وعدمِ النفخِ على الطعامِ الساخِنِ لتبريدِهِ وعلى غسلِ اليدينِ قبل الطعامِ إن كانتا متقذِّرَتَينِ وغسلِهِما بعد الطعامِ مِنَ الدسومةِ ونحوِها وكذا على غسلِ الفمِ والاستياكِ فِى الليلِ والنهارِ وعلى تجديدِ الوضوءِ زيادةً على وضوءِ الفرضِ وعلى اغتسالاتٍ مسنونةٍ زيادةً على المفروضةِ وأمرَ بمنعِ التضمُّخِ بالنجاساتِ وأوجبَ التطهُّرَ منها والاستنجاءَ للصلاةِ وكرِهَ قضاءَ الحاجةِ فِى أماكنِ اجتماعِ الناسِ وفِى طريقِهِم إلى غيرِ ذلك مِن أمورٍ طلبَها الشرعُ وهِىَ تدخُلُ أيضًا فِى بابِ التنظُّفِ والتطهُّرِ، ويكفِى فِى ذلك تعاضُدُ الأحاديثِ فِى الحثِّ على النظافةِ كحديثِ الترمذىِّ أنَّ اللهَ تعالى يُحبُّ النظافةَ اهـ وحديثِ الطبرانِىِّ فِى الأوسط الإسلامُ نظيفٌ فتنظَّفُوا اهـ وغيرِهما، فإذا راعَيْنا هذه الآدابَ وما كانَ مثلَها مِمَّا دعا الشرعُ إليه بالنيةِ الخالصةِ للهِ جلَّ وعزَّ كان لنا الثوابُ فِى الآخرةِ والمنفعةُ فِى الدُّنيا وإذا خالفناها أو وضعناها خلفَ ظهورِنا أو أهملنا إخلاصَ النيةِ فيها أو أبدلنا عاداتِ الرَّعاعِ بعاداتِ الساداتِ خسرنا مهما تَعِبْنا فِى ذلك.
واللهُ تعالى أعلم.

اترك رد