,

الله خالق والعبد كاسب لفعله – من كتاب الغنية للشيخ عبد القادر الجيلاني

أفعالنا من خلق الله أفعال العبادِ هيَ خَلقُ الله تعالى وكَسْبٌ منَ العباد”، هذا مِن جملة عقائدِ أهلِ الحقّ،

والمرادُ بأفعالِ العِباد حركَاتُهم وسكُونُهم ونواياهُم وعلُومُهم وإدراكاتُهم وقُصودُهم، القَصدُ الذي يقصِدُ العبدَ بقَلبِه والنّوايا التي هي يجزمُها ويصَمّمُ عليها وحركاتُ جوارحِه حركاتُ رِجْلِه ويَدِه كلُّ ذلكَ يُقالُ لهُ أفعال العبادِ، كلُّ ذلك خَلقُ الله تعالى وكَسبٌ للعباد، الخَلقُ هو الإحداث منَ العدَم إلى الوجود، الكَسبُ أمرٌ دونَ الخَلْق.

حرَكاتُنا الاختياريّةُ والاضطراريّةُ خَلقُ الله نحنُ لا نَخلُق شيئًا منها إنما أفعالُنا الاختياريّةُ كَسبٌ لنَا وهيَ خَلقٌ للهِ تَعالى كالطَّرْفَة التي يَطْرفُها العبدُ واللّمحةُ التي يَلمَحُها العبدُ والنُّطقُ الذي يَنطِقُه العبدُ باختيارِه وقَصدِه خَلقُ لله أي اللهُ هو الذي أحدثَه منَ العدَم إلى الوجود.

الأفعالُ الاضطراريّةُ مِن أعمالنا بخلقِ الله وليسَت كَسبًا لنا أمّا أفعالُنا الاختياريّةُ فهيَ بكَسبنا وخَلقِ اللهِ تعالى، ويُقال إنّ حَركاتِ العَبدِ وسُكونَه كائنةً ما كانت هيَ مِن جملَةِ الممكناتِ العقليّةِ كما أن ذواتِنا مِن الممكناتِ العقليّةِ وهذه الأرضُ منَ الممكناتِ العقليّةِ أي أنّ العقلَ يَقضِي بصِحّةِ دخُولها في الوجود، وبعَدم صِحّة دخُولها في الوجود أي أنّه كانَ جائزًا في العقل حدوثُ هذه الأشياء وعدَمُ حدُوثِها.

ومِن الدليل على أنّ العبدَ لا يَخلُق شيئًا مِن أفعالِه ما قالَه الإمامُ المحدّث بَدر الدّين الزّركشيّ قال عن شَقّ العبدِ للتّفاحةَ قال فالذي شَقّ التّفاحة لو كانَ هو أحدَث أي خلَق هذا الشّقَّ لاستَطاع أن يُعيدَها كما كانت، ولا يَستطِيعُ أن يُعِيدَها كما كانَت فإذًا هذا دليلٌ عقليٌّ على أنّ هذا العبدَ ما خلَق هذا الشّق.

وكذلك بعض العلماءِ مِن أهلِ الحقّ ذكَر مثالا آخر وهو أنّ الإنسان يُخرج حرفَ الباءِ مِن شفتَيْه وحرفَ الحاء مِن حَلقِه وليسَ له أن يُحدث الباء مِن حَلقه مع إطباق الشّفتَين ولا إخراجُ الحاء مُطبِقًا شفتَيه مِن حيث تَخرُج الباء.

هذان المثَلان يُثبِتان أنّ العَبْدَ لا يخلُق شيئًا مِن أفعالِه، أصغرُ الأجرام الذّرّة وأكبرها العَرش لا فرقَ بينَ العَرش وبينَ الذّرّة في أنّهما لا يصِحُّ دخُولُهما في الوجود إلاّ بخَلق الله تبارك وتعالى وإيجادِه وتكوينه كذلك الحركاتُ والسّكَنات،

في عباراتِ المتكلّمينَ متَكلّمي أهلِ السنّة والجماعة يُقال للشّىء الذي لا يَقبَل الانقسامَ مِن تَناهيْه في القِلّة الجوهرُ الفَرد وبعبارات أهلِ العصر يقال له الذّرَّة.

من أخلاق المتقين – قال شيخ الطريقة القادرية الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ونفعنا الله به:

<إياكم أن تحبوا أحدًا أو تكرهوه إلا بعد عرض أفعاله على الكتاب والسنة، كيلا تحبوه بالهوى، وتبغضوه بالهوى، واعلموا أنه لا يجوز لكم هجر أحد على الظن والتهمة> اهـ.

وقال الشيخ محي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: «من أراد أن لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلًا نهارًا عند كل قول وفعل واعتقاد» اهـ.

فالقول الأول: وهو قول الشيخ عبد القادر الجيلاني يوقعنا على معنى عظيم وهو ألا نقع في فخ إتباع الهوى، وأن يكون ميزاننا الحب في الله والبغض في الله، وهو ما يترتب عليه تقديم ما يحبه الله على هوى النفس، وبغض ما يبغضه الله، وذلك ما لا يعرف إلا بالعلم، كما قال ابن رسلان في الزبد:

وزن بحكم الشرع كل خاطرِ * فإن يكن مأموره فبادر

ولذلك قال الشيخ عبد القادر نفعنا الله به ما نصه: “إذا لم تتبع الكتاب والسنة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبدًا، ما سمعت من استغنى برأيه ضل، هذّب نفسك بصحبة من هو أعلم منك”اهـ،

وقال سيدنا الحبيب الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: “والرجل من جمع الناس على الله لا على نفسه وجذبهم لله لا إلى نفسه وبقي بمعزل عنهم وهو ذلك الفارس البطل”اهـ، وهذا ما تراه واضحًا في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان شديدًا في أمر الله إنكارًا على من تبع هواه حتى قال يومًا “ما ترك الحق صاحبًا لعمر”.

وهو ما تجده أيضًا في سيرة التابعي الجليل أويس القرني رضي الله عنه وهو القائل: “إن قيام المؤمن بما لله لم يترك له صديقًا والله إنا لنأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيسبون ويشتمون أعراضنا”.

وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري في هامش السيف الصقيل (ص/24) ما نصه:

“وأما اليوم فقلما تجد بين العلماء من يسهر على السنة النقية البيضاء والدين الحنيف فاتسع المجال لتمويه الضلال. وأدعو الله سبحانه أن يوقظ أهل الشأن من سباتهم العميق ويرشدهم إلى حراسة الشرع من اعتداء المعتدين” اهـ.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة