كلام الله الذاتي ليس بحرف ولا صوت والرد على الحبتري

مجلس 63:

مجلسنا اليوم

*في بيان أن كلام الله الذاتي ليس بحرف ولا صوت*

وأنه لا خلاف في هذه المسألة

_على الأقوال المعتبرة عند أهل السنة والجماعة_

*وبيان براءة الإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري من القول بخلاف ذلك*

الحمدلله

وصلى الله وسلم على رسول الله

اللهم اجعل نياتنا خالصة لوجهك الكريم

*وامحق اللهم الفتنة وأهلها يا عزيز يا جبار*

ءامين

وبعد فاعلم أخي القارئ

أن *كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت*

هذه عقيدة أهل السنة والجماعة

لأن *الحروف والأصوات لا تكون قديمة*

*الحروف والأصوات لا تكون أزلية*

بل هي حادثة مخلوقة دائما

فيجب تنزيه الله تعالى عنها

لأن *حدوث الصفة يستلزم حدوث الذات*

والله تعالى صفاته قديمة أزلية ليست بحادثة

واعلم أخي القارئ

أنه *لم يصح في نسبة الصوت إلى الله تعالى حديث* عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

*هذا ما نص عليه العلماء والحفاظ*

وسوف نورد من أقوالهم في هذا الباب ما تيسر بإذن الله تعالى فيما يلي

فلا يجوز نسبة الصوت إلى الله

وقد غلط بعض المصنفين

فتوهموا أن الأحاديث التي ورد فيها <الصوت> قد صحت

فقالوا بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى

*لكنهم لم يعتقدوا أنه صوت حادث مخلوق تتعاقب فيه الحروف*

*بل اعتقدوا أنه صوت بلا كيف وأنه لا يستلزم المخارج*

*_وقولهم هذا خطأ_*

ولكن لا نُكفِّرهم

بل نقول إنهم غلطوا وأخطأوا

وهم ليسوا من المجتهدين بكل حال

أما من قال بتعاقب الحروف في هذا فيكفر بالله والعياذ بالله تعالى

قال شيخنا الهرري في [إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية]: <تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت وقال إنَّه صوت أزليٌّ أبديٌّ ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهُو كافر كسائر المُشبِّهة> إلخ..

*أما المشبهة المجسمة القائلون بنسبة الصوت إلى الله = فقد كفروا*

لأن خطأهم أكبر من خطإ الذين ذكرتهم آنفا

فالمشبهة ما فهموا من قولهم تنزيه الله عن صفات المخلوقين

ولا هم نفوا التشبيه

*ولا اعتقدوا أنه بلا كيف*

فهؤلاء نقول بتكفيرهم لأنهم وقعوا في تشبيه الله بخلقه والعياذ بالله تعالى

واعلم أخي القارئ

أن أهل السنة والجماعة

لا يثبتون صفة لله تعالى لمجرد قول عالِم بذلك

– ولا لمجرد قول صحابي أو تابعي

– ولا يحتج في ذلك بالحديث الضعيف

– *ولا بالحديث الذي اختُلف في توثيق كل رواته ولو قوَّاه آخَر*

قال أبو سُليمان الخطابيُّ: <لا تثبُت لله صفة إلَّا بالكتاب أو خبر مقطوع له بصحَّته يستند إلى أصل في الكتاب أو في السُّنَّة المقطوع على صحَّتها وما بخلاف ذلك فالواجب التَّوقُّف عن إطلاق ذلك ويُتَأَوَّلُ على ما يليق بمعاني الأُصول المُتَّفَق عليها مِن أقوال أهل العلم مِن نفي التَّشبيه> انتهى.

وقال شيخنا الهرري في [الشَّرح القويم في حلِّ ألفاظ الصِّراط المُستقيم]: <وقد ألَّف الحافظُ شرف الدِّين أبو الحسن عليُّ بنُ القاضي الأجلِّ أبي المكارم بن علي المقدسيُّ جُزءًا في تضعيف أحاديثِ الصَّوت على وجه التَّحقيقِ والبيهقيُّ رحمه الله قد صرَّح بأنَّه لا يصحُّ حديثٌ في نسبة الصَّوت إلى الله> انتهى.

وقد روج المدعو الحبتري (من أهل الفتنة)

شيئًا مما يُفترى على الإمام أحمد من القول بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى

وأحمد بريء من القول بذلك

كيف وهو من أئمة أهل السنة والجماعة يُصدَّق فيه أنه يخرج عن قواعدهم الصحيحة!

*وكذب المجسمة على أحمد معروف لا يغتر به طلبة العلم*

وممن برَّأه رضي الله عنه الإمام العز بن عبدالسلام

ففي [إيضاح الكلام فيما جرى للعز بن عبدالسلام]: <وأنه حي مريد سميع بصير عليم قدير متكلم بكلام أزلي ليس بحرف ولا صوت ولا يُتصوَّر في كلامه أن ينقلب مدادًا في الألواح والأوراق شكلًا ترمقه العيون والأحداق كما زعم أهل الحشو والنفاق بل الكتابة من أفعال العباد>

إلى قوله:

*<وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم، وكيف يُظنُّ بأحمد وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله تعالى قديم وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل، وقد أخبر الله تعالى عن حدوثها>* إلخ..

وكذلك روج المدعو الحبتري (من أهل الفتنة)

ما يُفترى على الإمام البخاري من القول بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى

والبخاري بريء من القول بذلك

كيف وهو من أئمة أهل السنة والجماعة كذلك؛ يُصدَّق فيه أنه يخرج عن قواعدهم الصحيحة!

وقد أشكل على أولئك أن البخاري أورد حديث عبدالله بن محمد بن عقيل

وجواب ما أشكل عليهم أن يقال لهم

نعم البخاري ذكر أول الحديث بصيغة الجزم

ولكن القدر الذي فيه ذكر الصوت ذكره بصيغة تمريض

قال: <ويُذكَر> يعني لم يذكره متصلا بل بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه

فالبخاري رضي الله عنه لا يصحح هذا القدر من الحديث كما ذَكَرَه ابن حجر في فتح الباري

فهذا ليس تصحيحا منه لما فيه ذكر الصوت

فانتبه

وعبدُالله بن مُحمَّد بن عقيل

مختلف في كونه ثقة. قال البيهقي: <اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه> فلا تثبت صفة لله تعالى بمجرد حديث رواه مختلف في توثيقه

قال ابن حجر في [فتح الباري] فصل كتاب العلم ما نصه:

*<لأنَّ لفظ الصَّوت ممَّا يُتوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّبِّ ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث مِن طريق مُختلَف فيها ولو اعتَضَدَت>* انتهى

أي لا يكفي ذلك في مسائل الاعتقاد

وأما الحديث الآخَر عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنه قال:

قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم:

*<يقول الله يومَ القيامة يا آدمُ فيقول لبَّيك وسعديك [فيُنادى] بصوت إنَّ الله يأمُرُك أنْ تُخرج مِن ذُرِّيَّتك بعثًا إلى النَّار>*

هذا اللَّفظ رَواه رُواة البُخاريِّ على وجهَين

– بعضُهُم رواه بكسر الدَّال

– وبعضهم رواه بفتح الدَّال

قال الحافظ ابن حجر: <ووقع فيُنادِي مضبوطًا للأكثر بكسر الدَّال وفي رواية أبي ذرٍّ بفتحها على البناء للمجهول ولا محذور في رواية الجُمهور فإنَّ قرينة قوله: (إنَّ الله يأمُرُك) تدُلُّ ظاهرًا على أنَّ المُنادِي ملَك يأمُرُه الله بأنْ يُنادي بذلك>* انتهى

*معناه أن السياق دل أن الملَك هو من يتكلم بصوت*

فهذا الحديث رواه البُخاريُّ موصولًا مُسنَدًا

لكنَّه ليس صريحًا في إثبات الصَّوت صفة لله فلا حُجَّة فيه للصَّوتيَّة

وهُناك حديث آخرُ: *<إذَا تكلَّم الله بالوحي سمع أهل السَّموات شيئًا>*

ورواه أبو داود بلفظ:

*<سمع أهل السَّماء للسَّماء صلصلة كجرِّ السِّلسلة على الصَّفوان>*

_وهذا قد يحتجُّ به المُشبِّهة_

= وليس لهُم فيه حُجَّة

لأنَّ الصَّوت خارج مِن السَّماء

لأن الحديث يفسر الحديث كما نص علماء المصطلح

والحديث فسَّر الحديث بأنَّ الصَّوت للسَّماء

فالإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري

رضي الله عنهما

*هما بريئان من القول بنسبة الصوت إلى الله تعالى*

— > _وعليه؛ فمن يروج في كتبه أنهما كانا ينسبان الصوت إلى الله

فقد ظلمهما وبهتهما والعياذ بالله تعالى_

عند التحقيق

يُعرف مَن الخبير ومَن الجاهل الشرير

والحبتري في قلبه مرض عضال

فهو إن وقع على شيء في كتاب قدَّسه وكأنه نص شرعي

– ولم يسأل بعد ذلك هل ثبت على المصنف أم لا

– وهل ما ظنه المصنف صحيحا ثابت حقا أم لا

فترى كيف يثبت الحبتري كل ما يقرأه في كتاب ولو ناقض الكتاب نفسه!

دون مراعاة للبينة الشرعية

ففي فتح الباري

كلام ونقيضه في مسألة الصوت

فلعل الحبتري يثبت الأمر ونقيضه على ابن حجر!

*_والصواب التحقيق_*

وللتحقيق أهل من الثقات العارفين

= ليس الحبتري أهلا للتحقيق

فاحذروه

الحبتري ضعيف الذهن

لا يحقق ما يقرأ

ولا يميز الأقوال المعتبرة من غيرها

لأنه لا يرجع في كل ذلك إلى قواعد الشرع

ولو رجع إلى قاعدة شرعية لا يرجع بها إلى محلها

_فنسأل الله السلامة من الجهل والتنطع_

ففي كتاب فتح الباري لابن حجر

في فصل كتاب التَّوحيد منه القول بصحَّة أحاديثِ الصَّوت

*_وهُو كلام مردود كما نقلنا عن العلماء والحفاظ_*

وهُو نفسه أي ابن حجر في فصل كتاب العلم من [فتح الباري]؛

ذكر الصواب في المسألة على خلافَ ما ذكره في فصل كتاب التَّوحيد

فإن لم يكن -الذي في فصل كتاب التوحيد- دسًّا ولا تصحيفًا من النُّسَّاخ

فيكون غلط

ولكنه مع غلطه لا يُكفَّر

لأنه قال إنَّه صوتٌ قديم ولم يحمِلْه على الظَّاهر الَّذي تقوله المُشبِّهة

فالحافظ لا يعتقد قيام الحادث بذات الله،

وكتابه المذكور مشحون بذكر نفي الحركة والانتقال ونحو ذلك في مواضعَ كثيرةٍ عن الله تعالى

*فهُو يُؤوِّل الأحاديثَ الَّتي ظاهرُها قيام صفة حادثة بذات الله على غير الظَّاهر*

وهذا نص قول ابن حجر في فصل كتاب العلم من [فتح الباري] أرسمه مرة ثانية لتنتبهوا له: <لأنَّ لفظ الصَّوت ممَّا يُتوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّبِّ ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث مِن طريق مُختلَف فيها ولو اعتَضَدَت> انتهى

– فكيف بعد هذه الجملة يروِّج المدعو الحبتري (من أهل الفتنة) أن ابن حجر قال بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى!

– وكيف روَّج المدعو الحبتري (من أهل الفتنة) قبل ذلك أن الإمام البخاري رضي الله عنه قال بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى!

– وكيف روَّج المدعو الحبتري (من أهل الفتنة) قبل ذلك أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال بنسبة الصوت إلى الله سبحانه وتعالى!

هذا لتعلموا أن المدعو الحبتري من أهل الفتنة

وأن في قلبه مرضًا نسأل الله أن يعافيه منه

وأن يهديه إلى الحق والصواب

أما أنتم فاحذروا كلام الحبتري

وسائر كلام أهل الفتنة مما خالفوا فيه العالم العامل مولانا الشيخ عبدالله الهرري رحمه الله

قال شيخنا الهرري في [صريح البيان]: <والثَّانية: لا تثبُت الصِّفة لله بقول صحابيٍّ أو تابعيٍّ إلَّا بما صحَّ مِنَ الأحاديث النَّبويَّة المرفوعة المُتَّفق على توثيق رُواتها فلا يُحتجُّ بالضَّعيف ولا بالمُختلَف في توثيق رُواته حتَّى لو ورد إسناد فيه مُختلَف فيه وجاء حديث آخَرُ يعضِدُه فلا يُحتجُّ به> انتهى.

وفيه:

<وإذَا روى الثِّقة المأمون خبرًا مُتَّصِل الإسناد رُدَّ بأُمُور: أحدُهَا أنْ يُخالِف مُوجَبات العُقول فيُعلَم بُطلانُه لأنَّ الشَّرع إنَّما يَرِدُ بمُجوَّزات العُقول وأمَّا بخلاف العُقول فلَا، والثَّاني أنْ يُخالف نصَّ الكتاب أو السُّنَّة المُتواتِرة فيُعلَم أنَّه لا أصل له أو منسوخ، والثَّالث أنْ يُخالف الإجماع فيُستدَلُّ على أنَّه منسوخ أو لا أصل له لأنَّه لا يجوز أنْ يكون صحيحًا غير منسوخ وتُجمِع الأُمَّة على خلافه>

انتهى من كتابه [الفقيه والمتفقِّه]

الثَّالثة: ذكر عُلماء الحديث أنَّ الحديث إذَا خالف صريح العقل أو النَّصَّ القُرآنيَّ أو الحديث المُتواتِر ولم يقبَل تأويلًا فهُو باطل وذكره الفُقهاء والأُصُوليُّون في كُتُب أُصُول الفقه كتاج الدِّين السُّبكيِّ في [جمع الجوامع] وغيره.

انتهى من [صريح البيان]

*وقال شيخنا رحمه الله في [الشَّرح القويم في حلِّ ألفاظ الصِّراط المُستقيم]:*

ثُمَّ إنَّ الله ما وصف نفسَه بالنُّطق إنَّما وصف نفسه بالكلام

أي بأنَّه مُتكلِّمٌ

فلو كان كلامُ الله نُطقًا لجاءت بذلك آيةٌ مِن القُرآن.

والموجود في القُرآن الكلامُ والقولُ وهُمَا عبارة عن معنًى قائمٍ بذات الله

أي ثابتٍ له

معناه الذِّكر والإخبار وليس نُطقًا بالحُروف والصَّوت.

وقد ألَّف الحافظُ شرف الدِّين أبو الحسن عليُّ بنُ القاضي الأجلِّ أبي المكارم بن علي المقدسيُّ جُزءًا في تضعيف أحاديثِ الصَّوت على وجه التَّحقيق، والبيهقيُّ رحمه الله قد صرَّح بأنَّه لا يصحُّ حديثٌ في نسبة الصَّوت إلى الله.

وأمَّا ما في كتاب فتح الباري في كتاب التَّوحيد مِن القول بصحَّة أحاديثِ الصَّوت فهُو مردود وهُو نفسه في كتاب العلم ذكر خلافَ ما ذكره في كتاب التَّوحيد، على أنَّ ما ذكره في كتاب التَّوحيد مِن إثبات الصَّوت قال إنَّه صوتٌ قديم ولم يحمِلْه على الظَّاهر الَّذي تقوله المُشبِّهة إنَّه صوت حادث يحدث شيئًا فشيئًا يتخلَّلُه سكوت كما قال زعيم المُشبِّهة ابن تيميَّة إنَّ كلامه تعالى قديمُ النَّوع حادث الأفراد، ومثل ذلك قال في إرادة الله وكِلَا الأمرَين باطل. والحافظ لا يعتقد قيام الحادث بذات الله، فشَرْحُه هذا مشحون بذكر نفي الحركة والانتقال ونحو ذلك في مواضعَ كثيرةٍ عن الله تعالى، فهُو يُؤوِّل الأحاديثَ الَّتي ظاهرُها قيام صفة حادثة بذات الله على غير الظَّاهر.

انتهى من [الشرح القويم]

*وقال رحمه الله في [إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية]:*

تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت وقال إنَّه صوت أزليٌّ أبديٌّ ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهو كافر كسائر المُشبِّهة. وأمَّا أحاديث الصَّوت فليس فيها ما يُحتجُّ به في العقائد

*وقال في موضع آخر منه:*

فالحاصل أنَّه ليس في إثبات الصَّوت لله تعالى حديث مع الصِّحَّة المُعتبَرة في أحاديث الصِّفات، لأنَّ أمر الصِّفات يُحتاط فيه ما لا يُحتاط في غيره، ويدُلُّ على ذلك رواية البُخاريِّ القدرَ الذي ليس فيه ذكر الصَّوت مِن حديث جابر هذا بصيغة الجزم، وروايته للقدر الَّذي فيه ذكر الصَّوت بصيغة التَّمريض، فتحصَّلَ أنَّ في أحاديث الصِّفات مذهبَين:

1- أحدُهُما: اشتراط أنْ يكون في درجة المشهور، وهُو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة فأكثر، وهو ما عليه أبو حنيفة وأتباعُه مِن الماتُريديَّة، وقد احتجَّ أبو حنيفة رضي الله عنه في رسائله الَّتي ألَّفها في الاعتقاد بنحو أربعين حديثًا مِن قبيل المشهور.

2- والثَّاني: ما ذهب إليه أهل التَّنزيه مِن المُحدِّثين، وهُو اشتراط أنْ يكون الرَّاوي مُتَّفقًا على ثقته.

فهذان المذهبان لا بأس بكلَيهما، وأمَّا الثَّالث وهُو ما نزل عن ذلك فلا يُحتجُّ به لإثبات الصِّفات.

انتهى من [إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية]

وقال في [المقالات السنية]: قال الإمام الأسفرايينيُّ -ذاكرًا عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة- ما نصُّه: <وأنْ تعلمَ أنَّ كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأنَّ الحرف والصَّوت يتضمَّنانِ جواز التَّقدُّم والتَّأخُّر وذلك مُستحيل على القديم سُبحانه> انتهى.

وقال مُلَّا عليٌّ القاري في [شرح الفقه الأكبر]: <ومُبتدعة الحنابلة قالوا: (كلامُه حُروف وأصوات تقوم بذاته وهُو قديم) وبالغ بعضُهُم جهلًا حتَّى قال: (الجلد والقرطاس قديمانِ فضلًا عن الصُّحُف) وهذا قول باطل بالضَّرورة ومُكابرة للحسِّ للإحساس بتقدُّم الباء على السِّين في بسم الله ونحوه> انتهى.

وقال مُلَّا عليٌّ القاري أيضًا: <وقد ذكر المشايخ رحمهم الله تعالى أنَّه يُقال: القُرآن كلام الله غير مُخلوق، ولا يُقال: القرآن غير مخلوق؛ لئلَّا يسبق إلى الفهم أنَّ المُؤلَّف مِن الأصوات والحُروف قديم كما ذهب إليه بعض جَهَلَة الحنابلة>

انتهى من المقالات السنية

وقال الشَّيخ سمير القاضي حفظه الله في [حاشية الكيفوني]:

<تنبيه. مَن قال إنَّ الله يتكلَّم بصوت أخْذًا بظاهر بعض ما ورد مِن أحاديث وقال إنَّه صوت أزليٌّ يُريد بذلك أنَّه كلام قديم ليس فيه تعاقُب الحُروف فلا يُكفَّر إنْ كانت نيَّتُه كمَا يقول وإلَّا فهُو كافر كسائر المُشبِّهة، هذا مع خطئه في إطلاق الصَّوت على الله لأنَّ هذه الأحاديث ليس فيها ما يُحتجُّ به في العقائد فإنَّها كلَّها أحاديث آحاد فضلًا عن عدم ثُبوتها، ومَا ورد في [البُخاريِّ] مِن نسبة الصَّوت إلى الله تعالى فهُو حديث مُختلَف في بعض رُواته وهُو عبدُالله بن مُحمَّد بن عقيل ولم يذكُره البُخاريُّ في [صحيحه] مُتَّصلاً وإنَّما ذَكَرَه بصيغة التَّمريض قائلًا: (ويُذكَر) إشارة إلى عدم ثُبوته وما ذَكَرَه كذلك فهُو لا يَحكُم بصحَّته رضي الله عنه وإنْ كان في [الصَّحيح] كما ذَكَرَه الحافظ وغيرُه في كُتُب فنِّ المُصطلَح فلا يصحُّ الاحتجاج به وقد أشار الحافظ البَيهقيُّ إلى عدم ثُبوت هذه الأحاديث بقوله عند الكلام عليها فإنْ ثَبَتَ شَيء مِن ذلك.. إلخ.. انتهى. بل صنَّف الحافظ أبو الفضل المقدسيُّ دفين الإسكندريَّة رحمه الله تعالى جُزءًا في بُطلان أحاديث الصَّوت كلِّها واختصره ابن المُعلِّم في [نجم المُهتدي ورجم المُعتدي] وفي مكتبتي صورة عن نُسخته الخطيَّة ولله الحمد> انتهى.

نهاية المجلس

جزاكم الله خيرا

ملحق:

وكنت رأيت بعض الوهابية يحتجون بأن البخاري بوَّب في صحيحه بقوله:

<باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة>

وذكر الحديث: <إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه> الحديث

فالجواب أن يقال له:

ليس مراد من قال من اللغويين: <النداء الصوت> أن النداء لا يكون في لغة العرب في جميع الموارد إلا بالصوت وإنما المراد أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت وقد قال آخرون من اللغويين النداء <طلب الإقبال>.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة