
يقول ضياء الدين أبو القاسم الطبري المكي الشافعي المعروف بخطيب الرّي المتوفى بعد 550 هجرية رحمه الله في [القول في التكفير والتضليل والتصويب] :
القسم الأول: الكفر بالله وهو على أنواع أربعة:
النوع الأول: الجهل بالله كالدهرية والأزلية الذين أنكروا الإله.
النوع الثاني: الذين قالوا بقديم على الإطلاق لاستناد العالم إليه كالقائلين بالعلة والمعلول فإنهم قالوا تقديم على الجملة إلا أنهم لم يصفوه بكونه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً.
النوع الثالث: الذين وصفوه بكونه حياً إلا أنهم أثبتوا معه شريكاً كالثنوية وبعض الفلاسفة المتقدمين الذين قالوا بالبارئ والنفس الحيّين
النوع الرابع: الذين عرفوا الله ثم أنكروه عناداً.
القسم الثاني: الكفر برسوله وهو على ضروب خمسة.
ثم يفصل رحمه الله في القسم الثاني و يتعرض بعد ذلك للقسم الثالث فيقول :

ينقل خطيب الري رحمه الله عن القاضي أن من علمنا أنه معتقد لمذهب لا يصح مع مقامه عليه [معرفة الله] أي مادام قائما على هذا المعتقد لا يصح أن يقال فيه عارف بالله
فهو كافر بالله = غير عارف بالله = عابد لغير الله.
ثم ينقل رحمه الله عن الأشعري بعض الأمثلة عن تكفير المتأوّل:
يعتقد رحمه الله كفر المتأول الذي يقول إن أعمال العباد ليست بتقدير الله و لا بخلق الله سبحانه وتعالى ويعتبرهم مظاهين للمجوس
وقد حذَّرنا نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام مِن مثل هذا فقال: <الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ> وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: <الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ>. قال البيهقيُّ في [الاعتقاد]: <وإنَّما سُمُّوا قدريَّة لأنَّهم أثبتوا القدَر لأنفسهم ونفَوه عن الله سُبحانه وتعالى ونفَوا عنه خلقَ أفعالهم وأثبتوه لأنفسهم، فصاروا بإضافة بعض الخلق إليه دون بعض مُضاهين للمجُوس في قولهم بالأصلَين النُّور والظُّلمة وأنَّ الخير مِن فعل النُّور والشَّرَّ مِن فعل الظُّلمة> انتهى.
وقال الخَطَّابِيُّ [شرح مُسلم للنَّوويِّ]: <إنَّما جعلهم صلَّى الله عليه وسلَّم مجُوسًا لمُضاهاة مذهبهم مذهبَ المجُوس في قولهم بالأصلَين النُّور والظُّلمة يزعمون أنَّ الخير مِن فعل النُّور والشَّرَّ مِن فعل الظُّلمة فصاروا ثنويَّة وكذلك القدريَّة يُضيفون الخير إلى الله تعالى والشَّرَّ إلى غيره واللهُ سبحانه وتعالى خالق الخير والشَّرِّ جميعًا لا يكون شيء منهما إلَّا بمشيئته فهُما مُضافان إليه سبحانه وتعالى خلقًا وإيجادًا وإلى الفاعلِين لهُما مِن عباده فِعلًا واكتسابًا> انتهى.
كذلك كفّر من يقول أن القرءان [على معنى كلام الله الذي هو صفته] مخلوق أي من زعم أن كلام الله الذي هو صفته مخلوق [أي من زعم أن الصفة الأزلية مخلوقة حادثة فهو كافر]. فالقرءان يطلق ويراد به كلام الله الذي هو صفته ويطلق ويراد به اللفظ المنزل الذي هو عبارة عن كلام الله الأزلي وليس هو عين الكلام الازلي فمن قال القرءان مخلوق بهذا المعنى لايكفر لأن الحروف مخلوقة.
وقد ثبت عن الشافعي أنه كفّر حفصًا الفرد المعتزلي لقوله بخلق القرءان.
قال رحمه الله:


1== كمن يقول لفظ جسم عن الله لكن لا يفهم معنى الجسم [أي لا يفهم منه التركيب والتأليف ] بل يظن أن معناه الموجود أو القائم بنفسه أو نحو ذلك من المعاني التي يجوز إطلاقها في حق الله تعالى فإنه ينظر عند ذلك في حال هذا المطلق هل يعتقد في هذا الموجود او القائم بنفسه أنه حجم مركب مؤلف أو لا ؟ وهل يلتزم ما يلزم من إطلاق الجسم من المكان والجهة والاتصال والانفصال والحدوث أو لا يلتزم ذلك ؟ فإن كان يعتقد في الله الحجم والكيفية والكمية حكم بكفره و إن كان لا يعتقد ذلك ولا يقول به لم يحكم بكفره لكنه عاص معصية كبيرة وخاطئ لإطلاقه على الله تعالى ما لم يرد الإذن الشرعيّ به.
وقد ورد في الحديث القُدسيِّ: <وأمَّا شتمُهُ إيَّايَ فقولُهُ اتَّخذَ اللهُ ولدًا> انتهَى لأنَّه نسب الابن إلى الله تعالَى كان بذلك شاتمًا لله؛ فكذلك مَن نسب الجسم إلى الله تعالَى فقد نسب إليه ما لا يليق به سُبحانه فهُو في حُكم شاتم الله والعياذ بالله، ولا خلاف بين المُسلمين في كُفر مَن شتم الله تعالَى.
وهذا مذهب إمامنا الأشعريِّ فقد ثبت أنَّه قال في [النَّوادر]: <مَن اعتقد أنَّ الله جسم فهُو غير عارف بربِّه وإنَّه كافر به> انتهَى ولا يثبُت عنه أنَّه تراجع آخِرَ حياته عن مذهبه كما يزعُم الوهَّابية ولا تراجع عن تكفير المُجسِّمة كما يزعُم بعض المُنحرفين ولو ثبت عنه غير ذلك قبل موته لَمَا رأيتَ الأشاعرة قد أجمعوا على تكفير المُجسِّمة وهُم أعلم بمذهبه مِن الجَهَلَة المُتصولحة أهل الفتنة الذين خالفوا نصَّ الإمام وزعموا أنَّ في تكفير المُجسِّمة خلافًا مُعتبَرًا وهذا افتراء منهُم على المذهب وإنَّما الخلاف في تكفير العامِّيِّ الَّذي يخفَى عليه مدلول الألفاظ إذا نسب الجسم إلى الله تعالَى وهُو لجهله يظُنُّ أنَّ الجسم معناه الوُجود أو القيام بالنَّفس.
و لأجل هذا لم يُفرِّق عُلماء المُسلمين بين عبادة الأجسام وبين عبادة الأوثان والأصنام وبين عبادة النَّار والشَّمس والعياذ بالله تعالَى فكُلُّ هذا كُفر عند أهل السُّنَّة والجماعة ولذلك قال الغزاليُّ في [الاقتصاد في الاعتقاد]: <فإنَّ القائلَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه جسمٌ؛ وعابدَ الوثن والشَّمس: واحد> انتهَى.
بل إنَّ بعض العُلماء قال ما معناه: إنَّ مَن عبد الأوثان فقد عبد مخلوقًا لا يستحقُّ العبادة فهُو كافر بذلك؛ وأمَّا مَن عبد جسمًا توَّهم أنَّه فوق العرش فهذا لم يعبُد خالقًا ولا مخلوقًا بل عبد العدم المحض إذ ليس فوق العرش جسم هو الإله.
إذن الكلام صريح لا يحتمل تحريفًا، فهذا أمر عظيم مُتعلِّق بأصل معنَى الشَّهادتَين أعني اعتقاد أنَّ الله تعالَى ليس كمثله شيء سُبحانه وتعالَى عمَّا يقول الظَّالمون عُلُوًّا كبيرًا.
وقد خالف في هذا الإمام الأشعري؛ فئتانِ مِن المُنتسبين إلى الإسلام نسبوا لفظ (الجسم) إلى الله تعالَى والعياذ بالله؛
فأمَّا الفئة الأُولَى: فقد خالفت في اللَّفظ والإطلاق والعبارة ولم يفهموا أنَّ لفظ (الجسم) يعني الحجم بل فهموا منه الوُجود أو القيام بالنَّفس؛ فهؤُلاء لم يحكُم الأشعريُّ بتكفيرهم لجهلهم بالمعنَى.
وأمَّا الفئة الثَّانية: فقد نسبوا الجسم إلى الله وهُم يفهمون مِن لفظ (الجسم) الحجم الَّذي لازمُه السُّكنَى في الأمكنة والتَّحيز في الجهات فهُم الَّذين لا فرق بينهُم وبين عُبَّاد الأصنام والأوثان؛ فهؤُلاء هُمُ المُجسِّمة الحقيقيُّون وهُم كُفَّار بإجماع الأشاعرة بل وسائر عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة.
فلا معنى لاحتجاج المُخالف بأنَّه رُوِيَ عن الأشعريِّ أنَّه قال: (اشهد عليَّ أنِّي لا أُكفِّر أحدًا مِن أهل هذه القِبلة لأنَّ الكُلَّ يُشيرون إلى معبود واحد وإنَّما هذا اختلاف العبارات) انتهَى لأنَّ المقصود به الَّذين خالفوا في اللَّفظ والعبارة دون المعنَى، وأمَّا الَّذين خالفوا في المعنَى فكُفَّار بالإجماع.
قال الإمام الجوينيُّ في [الشَّامل]: <اعلموا أرشدكُم الله أنَّ الخلاف في ذلك يدُور بيننا وبين فئتَينِ: (إحداهُمَا) تُخالف في اللَّفظ والإطلاق دون المعنى، و(الأُخرَى) تُخالف في المعنى. فأمَّا الَّذين خالفوا في الإطلاق دون المعنى فهُمُ الَّذين قالوا: المعنَى بالجسم الوُجود أو القيام بالنَّفس> إلخ..
وقال أبو منصور البغداديُّ في التَّبصرة البغداديَّة: <وقد شاهدنا قومًا مِن الكرَّاميَّة لا يعرفون مِن الجسم إلَّا اسمه ولا يعرفون أنَّ خواصَّهُم يقولون بحُدوث الحوادث في ذات الباري تعالَى فهؤُلاء يحِلُّ نكاحُهُم وذبائحُهُم والصَّلاة عليهم> انتهَى فلم يُكفِّر مَن خالف في اللَّفظ دون المعنَى.
فهذا كلام أكابر الأشاعرة -وليس كلامنا وحسب- وهُو واضح في أنَّ الَّذي نجَا مِن الحُكم بالتَّكفير أُولئك الَّذين خالفوا في اللَّفظ والإطلاق والعبارة دون المعنَى، وكذلك قال البزدويُّ شيخ الفُقهاء الحنفيَّة في [أُصُول الدِّين] له: <إلَّا أنَّ بعضهُم قالوا: نعني بالجسم الوُجود لا غير> انتهَى.
وقال المُحدِّث مُحمَّد زاهد الكوثريُّ في [مقالاته]: <وإنَّ العزَّ بن عبد السَّلام يَعذُر –في قواعده- مَن بَدَرَت منه كلمة مُوهِمة لكنَّه يُريد بذلك العاميَّ الَّذي تخفَى عليه مدلولات الألفاظ> إلخ.. معناه أنَّ مَن لم يَخفَ عليه مدلول ومعنَى لفظ الجسم ومع ذلك نسبه إلى الله تعالَى فهُو كافر ولا يُعذر.
فقد أجمع الأشاعرة على تكفير مَن نسب الجسم إلى الله مع العلم بمعناه أي مع العلم بأنَّ لفظ الجسم يُفيد معنَى الحجم والعرض والعُمق والطُّول ونحوِ ذلك ممَّا هُو لازم مِن السُّكنَى في الأمكنة؛ والتَّحيزِ في الجهات.. وفيما يلي بعض أقوال العُلماء في بيان ما صرَّحنا به ونقلناه عنهُم.
قال القاضي عبد الوهَّاب البغداديُّ ت/422هـ أحد أعلام المالكيَّة وشيخ الحافظ الخطيب البغداديِّ في [شرح عقيدة مالك الصَّغير]: <ولأنَّ ذلك يرجع إلى التَّنقُّل والتَّحوُّل وإشغال الحيِّز والافتقار إلى الأماكن وذلك يؤُول إلى التَّجسيم وإلى قِدَم الأجسام وهذا كُفر عند كافَّة أهل الإسلام> انتهَى.
وقال أبو منصور البغداديُّ في [تفسير الأسماء والصِّفات]: <فأمَّا أصحابُنا فإنَّهم وإنْ أجمعوا على تكفير المُعتزلة والغُلاة مِن الخوارج والنَّجاريَّة والجهميَّة والمُشبِّهة فقد أجازوا لعامَّة المُسلمين معاملتَهُم> إلخ.. وحشَا كتابه المُسمَّى [الفَرق بين الفِرَق] بما يدُلُّ على تكفير تلك الفِرَق جميعِها.
وقال الشَّيخ إبراهيم المارغني التُّونُسيُّ شيخ جامع الزَّيتونة المُتوفَّى 1349هـ في كتابه المُسمَّى [طالع البُشرَى على العقيدة الصُّغرَى] ما نصُّه: <ويُسمَّى الاعتقاد الفاسد كاعتقاد قدم العالم أو تعدُّد الإله أو أنَّ الله تعالَى جسم، وصاحب هذا الاعتقاد مُجمع على كُفره> إلى آخر كلامه.
وقال الفقيه تقيُّ الدِّين الحصنيُّ في [كفاية الأخيار] في تكفير المُجسِّمة: <وهُو الصَّواب الَّذي لا محيد عنه إذ فيه مُخالفة صريح القُرآن> انتهَى وقال المُفسِّر القُرطبيُّ في كتابه المُسمَّى بـ [التَّذكار]: <والصَّحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهُم وبين عُبَّاد الأصنام والصُّور> انتهَى.
وقد زعم بعض المُصنِّفين أنَّ الأشاعرة يُفسِّقُون المُجسِّم ولا يُكفِّرونه وهذا افتراء على الأشاعرة؛ ولذلك ردَّ الحافظ بدر الدِّين الزَّركشيُّ هذا الادِّعاء وبيَّن أنَّه غير صحيح فقال في كتابه [تشنيف المسامع]: <ونُقِلَ عن الأشعريَّة أنَّه يَفْسُقُ؛ وهذا النَّقل عن الأشعريَّة ليس بصحيح> انتهَى.
وأمَّا مَن حمل قول الأشعريِّ: (اشهد عليَّ أنِّي لا أُكفِّر أحدًا مِن أهل هذه القِبلة لأنَّ الكُلَّ يُشيرون إلى معبود واحد وإنَّما هذا اختلاف العبارات) انتهَى على أنَّه لا يحكُم بتكفير أحد مِن المُنتسبين إلى الإسلام أبدًا فهذا افتراء عظيم على الأشعريِّ لا يُصدِّقه عاقل ولا يُوافق عليه صاحب رُشد.
فإنَّ مِن الفِرَق المُنتسبة إلى الإسلام -زُورًا وباطلًا- فرقة البَيَانِيَّة وفرقة السَّبئيَّة وفرقة الجَنَاحِيَّة ولكُلٍّ مِن هذه الفِرَق ولغيرها مِن الكُفر القبيح ما يجعل الوِلدانَ شِيبًا والعياذ بالله تعالَى فكيف يُصدِّق مُسلم عاقل أنَّ الإمام الأشعريَّ لا يحكُم بتكفير مَن قال بمقالات هذه الفِرَق الضَّالَّة!؟
ففي فرقة البَيَانِيَّة يقول أبو منصور البغداديُّ في [الفَرق بين الفِرَق] صـ/208 فصل [ذكر البَيَانيَّة مِن الغُلاة وبيان خُروجها عن فِرق الإسلام]: <واختلف هؤُلاء في بيانٍ زعيمهم فمنهُم مَن زعم أنَّه كان نبيًّا وأنَّه نسخ بعض شريعة مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ومنهُم مَن زعم أنَّه كان إلهًا> إلخ..
ويقول في فرقة الجناحيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/216: <وحكوا لأتباعهم أنَّ عبدالله بن مُعاوية بن عبدالله بن جعفر زعم أنَّه ربٌّ وأنَّ رُوح الإله كانت في آدم ثُمَّ في شيث ثُمَّ دارت في الأنبياء والأئمَّة إلى أنِ انتهَت إلى عليٍّ ثُمَّ دارَت في أولاده الثَّلاثة ثُمَّ صارت إلى عبدالله بن مُعاوية> إلخ..
ويقول في فرقة السَّبئيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/215: <السَّبئيَّة أتباع عبدالله بن سبإ الَّذي غلَا في عليٍّ رضي الله عنه فزعم أنَّه كان نبيًّا ثُمَّ غلَا فيه حتَّى زعم أنَّه إله ودعا إلى ذلك قومًا مِن غُواة الكُوفة ورُفع خبرُهُم إلى عليٍّ رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهُم في حُفرتَين> إلخ..
بالله عليك أخي القارئ.. هل تُصدِّق أنَّ الإمام الأشعريَّ لا يحكُم بتكفير مَن جعل الإلهيَّة في إنسان؟ وهل تُصدِّق أنَّه لا يحكُم بتكفير مَن نسب لله تعالَى رُوحًا ثُمَّ جعلها تحِلُّ وتدور في الأنبياء والأئمَّة؟ وهل تُصدِّق أنَّه لا يحكُم بتكفير مَن ادَّعَى النُّبُوَّة بعد مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم!؟
فإنْ لم تُصدِّق أنَّ الأشعريَّ يحكُم بالإسلام على أُولئك فقد حكمتَ بأنَّ قولَه المذكور آنفًا لا يعني أنَّه لا يُكفِّر المُجسِّمة الحقيقيِّين بل يترُك تكفير مَن خالف في اللَّفظ والإطلاق والعبارة دون المعنَى؛ وأمَّا مَن خالف في المعنَى فإنَّه كافر عند الأشعريِّ كما عند سائر العُلماء كما صرَّحَت أقوالُهُم.
ثُمَّ إنَّ أبا منصور البغداديَّ [توفي ٤٢٩ هـ (١٠٣٧م)] أخذ مِن أبي إسحاق الإسفراينيِّ الَّذي أخذ مِن أبي الحسن الباهليِّ تلميذ الإمام الأشعريِّ؛ فلو كان الإمام الأشعريُّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة قبل موته لَمَا خفي ذلك عن أبي منصور البغداديِّ الَّذي نقل إجماع الأشاعرة على تكفير المُجسِّمة المُشبِّهة.
قال أبو منصور البغداديُّ في [تفسير الأسماء والصِّفات]: <فأمَّا أصحابُنا فإنَّهم وإنْ أجمعوا على تكفير المُعتزلة والغُلاة مِن الخوارج والنَّجاريَّة والجهميَّة والمُشبِّهة فقد أجازوا لعامَّة المُسلمين معاملتَهُم في عُقود البياعات والإجارات والرُّهون وسائر المُعاوضات دون الأنكحة> انتهَى.
ثُمَّ الَّذين يزعُمون أنَّ الإمام الأشعريَّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة يجعلونه مُضطربًا في عقيدته إلى آخر حياته، فهُو عندهُم عاش جاهلًا لا يعرف على مَن يجب الحُكم بالتَّكفير حتَّى أزف رحيلُه إلى ديار الآخرة! وهذا الكلام حطٌّ مِن قدر الإمام الأشعريِّ وهُو إمام الأئمَّة رضي الله عنه.
وأُولئك يجعلون الإمام الأشعريَّ مُخالفًا لِمَا أثبته الإمام الطَّحاويُّ عقيدةً للسَّلف بقوله: <ومَن وصف الله بمعنًى مِن معاني البشر فقد كفر> انتهَى فلا تكُن في مرية مِن أنَّ مَن زعم أنَّ الإمام الأشعريَّ تراجع عن تكفير المُجسِّمة الحقيقيِّين ما هُو في الحقيقة إلَّا عدُوٌّ للإمام الأشعريِّ.
2== يقول رحمه الله [من قال قولا يوجب عليه الكفر] [لا يكفر بنفس القول] [متى لم يقل بالذي يوجبه عليه قوله]
فَالمُجَسِّمُ الَّذِي يَدِينُ بِعِبَادَةِ الجِسمِ – أَي: يَعتَقِدُ مَعبُودَهُ جِسمًا وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ عَلَى ذٰلِكَ – كَافِرٌ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، فَإِن أَعلَنَ مَا يَنطَوِي عَلَيهِ ضَمِيرُهُ، وَصَرَّحَ بِمَا يَدِينُ بِهِ، حُكِمَ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا أَيضًا؛ لِإِظهَارِهِ مَا يُنَاقِضُ الإِسلَامَ، وَأَمَّا إِذَا لَم يُعلِن ذٰلِكَ، جَرَت عَلَيهِ أَحكَامُ الإِسلَامِ فِي الظَّاهِرِ، وَكَانَ شَأنُهُ فِي الحَقِيقَةِ شَأنَ المُنَافِقِ.
فَإِذَا لَم تُعلَم حَقِيقَةُ حَالِ القَائِلِ – أَهُوَ مُلتَزِمٌ بِالتَّركِيبِ أَم جَاهِلٌ بِمَعنَى اللَّفظِ – فَإِنَّ جُمهُورَ الشافعية عَلَى عَدَمِ تَكفِيرِهِ ظَاهِرًا، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِن ظَهَرَ مِنهُ التَّصرِيحُ بِالتَّركِيبِ أَو بِشَيءٍ مِن لَوَازِمِهِ الظَّاهِرَةِ – كَاللَّونِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ – حِينَئِذٍ يُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ أَظهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُعتَقَدِهِ
فهناك أُمُورٌ كَاشِفَةٌ عَن اعتِقَادِ التَّركِيبِ، كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِ ذٰلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ البَابَ يَتَّسِعُ فِي مَن أَطلَقَ لَفظَ «الجِسمِ» عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَلَا يَكفِي مُجَرَّدُ اللَّفظِ لِحُكمٍ وَاحِدٍ، بَل يُنظَرُ إِلَى فَهمِ القَائِلِ لِمَعنَاهُ وَمَا يَلتَزِمُهُ مِن مُقتَضَاهُ؛ فَإِن كَانَ يَعرِفُ حَقِيقَتَهُ – وَهِيَ التَّركِيبُ – فَقَد نَقَّصَ اللهَ تَعَالَى تَنقِيصًا صَرِيحًا، وَكَانَ بِذٰلِكَ شَاتِمًا لِجَلَالِهِ سُبحَانَهُ، خَارِجًا مِنَ الإِسلَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعتَقِدًا لِمُقتَضَى لَفظِهِ أَم لَم يَكُن؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إِطلَاقِ مَا يَتَضَمَّنُ المُستَحِيلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مَعَ العِلمِ بِدَلَالَتِهِ إِقدَامٌ عَلَى الكُفرِ.
وَإِن كَانَ لَا يَعرِفُ حَقِيقَةَ مَعنَى «الجِسمِ»، بَل يَظُنُّ أَنَّهُ بِمَعنَى «المَوجُودِ» أَو «القَائِمِ بِنَفسِهِ»، فَهُنَا وَقَعَ الِاختِلَافُ؛ فَذَهَبَ المُتَوَلِّي الشَّافِعِيُّ فِي «الغُنيَةِ» وَغَيرُهُ إِلَى تَكفِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَطلَقَ عَلَى اللهِ مَا يُنبِئُ بِالمُستَحِيلِ دُونَ إِذنٍ شَرعِيٍّ، فَلَا يُعذَرُ فِي الإِطلَاقِ، وَذَهَبَ جُمهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَفسِيقِهِ دُونَ تَكفِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَفهَم دَلَالَةَ الأَلفَاظِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا، وَهُنَا يُقَالُ: لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ؛ لأَنَّهُ لَا يَلتَزِمُ مَعنَاهَا الحَقِيقِيَّ.
وَبِنَاءً عَلَى هٰذَا الأَصلِ، يُتَصَوَّرُ مِثَالُ العَامِّيِّ الَّذِي يَتَلَفَّظُ بِالجِسمِيَّةِ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَالحُكمُ فِيهِ يَدُورُ مَعَ مَا يَتَرَجَّحُ مِن فَهمِهِ وَإِدرَاكِهِ، وَمَا يَتَبَيَّنُ لَنَا مِن حَالِهِ. فَإِنِ احتَمَلَ عِندَنَا أَنَّهُ لَا يَعرِفُ حَقِيقَةَ مَعنَى مَا نَطَقَ بِهِ، فَإِن سِرنَا عَلَى قَولِ المُتَوَلِّي حَكَمنَا بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِمُجَرَّدِ إِطلَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى المُستَحِيلِ، وَإِن سِرنَا عَلَى قَولِ جُمهُورِ الشَّافِعِيَّةِ لَم نَحكُم عَلَيهِ بِالكُفرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ يَفهَمُ مَعنَى مَا قَالَ، أَو يَلتَزِمُ مَدلُولَهُ؛ لِأَنَّ الحُكمَ فِي الظَّاهِرِ مَبنِيٌّ عَلَى مَا يَظهَرُ مِن فَهمِهِ وَإِدرَاكِهِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفظِ المُحتَمِلِ.
وهذا ما قرره خطيب الريّ : فمن قال الله جسم لكنه لا يقول بالتركيب ولا التأليف [أي لا يفهم حقيقة معنى الجسم] [بل يظن أن معناه الموجود أو القائم بنفسه أو نحو ذلك من المعاني التي يجوز إطلاقها في حق الله تعالى] فهو غالط آثم غير كافر. أما إن كان [يفهم المعنى الفاسد أي يفهم التركيب و التأليف] أي يَعرِفُ حَقِيقَة الجسم – وَهِيَ التَّركِيبُ – فَقَد نَقَّصَ اللهَ تَعَالَى تَنقِيصًا صَرِيحًا، وَكَانَ بِذٰلِكَ شَاتِمًا لِجَلَالِهِ سُبحَانَهُ، خَارِجًا مِنَ الإِسلَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعتَقِدًا لِمُقتَضَى لَفظِهِ أَم لَم يَكُن؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إِطلَاقِ مَا يَتَضَمَّنُ المُستَحِيلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مَعَ العِلمِ بِدَلَالَتِهِ إِقدَامٌ عَلَى الكُفرِ.
و إن كان يفهم المعنى [و أنكر اللوازم البيّنة وما يقتضيه قوله] فلا ينفعه إنكاره ويعامل وفق إقراره لأن لازم المذهب مذهب إذا كان اللازم بيّنا ليس خفيّا.
فإِذَا رُدَّ هٰذَا التَّفصِيلُ إِلَى أَصلِ المَعنَى، تَبَيَّنَ أَنَّ «التَّركِيبَ» لَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، بَل هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ نَفسِهِ، وَأَنَّ «الحُدُوثَ» مِن أَظهَرِ لَوَازِمِهِ وَأَبيَنِهَا؛ فَمَن أَطلَقَ الجِسمِيَّةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَلتَزِمُ التَّركِيبَ، فَإِنَّمَا ذٰلِكَ لِعَدَمِ فَهمِهِ لِحَقِيقَةِ اللَّفظِ وَلَا إِدرَاكِهِ لِمَعنَاهُ.
إذن التَّركِيبَ هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، وَالحُدُوثَ لَازِمُهُ البَيِّنُ الَّذِي لَا يَنفَكُّ عَنهُ؛
فَمَن وَصَفَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّركِيبِ، فَقَد نَاقَضَ القِدَمَ وَالغِنَى، وَأَثبَتَ مَا هُوَ مُنتَفٍ عَنهُ بِالإِجمَاعِ، وَلِذٰلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ خطيب الريّ و ابنُ حَجَرٍ في -ما سيذكر لاحقا في المقال- فِي الحُكمِ بِكُفرِهِ؛
لِأَنَّ اللَّازِمَ البَيِّنَ – فِي مِثلِ هٰذَا المَقَامِ – مَذهَبٌ،
فَلَو زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ يُثبِتُ التَّركِيبَ وَلَا يَلتَزِمُ الحُدُوثَ، لَم يَنفَعهُ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ الحُدُوثَ مُلَازِمٌ لَهُ لُزُومًا ظَاهِرًا. فلا ينبغي حمل كلام خطيب الري على إعذار من أثبت التركيب والتأليف ولم يلتزم الحدوث و الافتقار بدعوى أن لازم المذهب ليس مذهبا لأنه في هذا المقام هو لازم بيّن لا ينفك عن ملزومه بدليل قول القاضي بعد ذلك في الصحيفة 302 من نهاية المرام.
«فاللَّوَازِمِ» الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا الحُكمُ؛ لَيسَت أَيَّ لَوَازِمَ مُتَوَهَّمَةٍ، بَل هِيَ اللَّوَازِمُ الدَّالَّةُ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى اعتِقَادِ التَّركِيبِ؛ كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِهَا؛ فَمَن صَرَّحَ بِهٰذِهِ اللَّوَازِمِ، فَقَد أَظهَرَ اعتِقَادَ التَّركِيبِ، فَيُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَنفَعُهُ أَن يَدَّعِي عَدَمَ التِزَامِ الحُدُوثِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بَيِّنٌ لَهُ.

وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يَجرِي تَفصِيلُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الحُكمِ الظَّاهِرِ؛ فَإِذَا لَم تُعلَم حَقِيقَةُ حَالِ القَائِلِ – أَهُوَ مُلتَزِمٌ بِالتَّركِيبِ أَم جَاهِلٌ بِمَعنَى اللَّفظِ – فَإِنَّ جُمهُورَهُم عَلَى عَدَمِ تَكفِيرِهِ ظَاهِرًا، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِن ظَهَرَ مِنهُ التَّصرِيحُ بِالتَّركِيبِ أَو بِشَيءٍ مِن لَوَازِمِهِ الظَّاهِرَةِ – كَاللَّونِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ – حِينَئِذٍ يُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ أَظهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُعتَقَدِهِ.
وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ وَشَرحُهُ: أَنَّ المَسأَلَةَ تَدُورُ بَينَ اللَّفظِ وَمَعنَاهُ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَن نَطَقَ بِلَفظِ الجِسمِيَّةِ يَلزَمُهُ حُكمٌ وَاحِدٌ، بَلِ العِبرَةُ بِمَا يَفهَمُهُ وَيَلتَزِمُهُ مِن مَعنَى؛ فَإِن كَانَ قَولُهُ مُشتَمِلًا عَلَى مَعنًى صَرِيحٍ فِي التَّركِيبِ وَمَا يَستَلزِمُهُ مِنَ الحُدُوثِ، كَانَ كُفرًا لَا شُبهَةَ فِيهِ، وَإِلَّا فَالحُكمُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ حَالِهِ، وَإِظهَارِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَبِهٰذَا يَزُولُ الِاضطِرَابُ، وَيَنتَظِمُ كَلَامُ العُلَمَاءِ فِي سِلكٍ وَاحِدٍ مُتَّسِقٍ.
التَّفرِيقُ بَينَ الحُكمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَأَثَرُهُ فِي التَّكفِيرِ
❖ مِنَ القَوَاعِدِ المُهِمَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ لِلأَحكَامِ جَانِبَينِ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ فَأَمَّا البَاطِنُ فَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَيهِ الأَمرُ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ مَا يُعَامَلُ بِهِ العَبدُ بَينَ النَّاسِ. وَمِنَ الأَحكَامِ مَا يَتَّحِدُ فِيهِ الحُكمَانِ، وَمِنهَا مَا يَختَلِفُ فِيهِ الحُكمُ ظَاهِرًا عَنهُ بَاطِنًا، وَهَذَا مِمَّا يَحتَاجُ إِلَيهِ فِي تَحرِيرِ مَسَائِلِ التَّكفِيرِ تَحرِيرًا دَقِيقًا.
❖ وَمِمَّا يُقَرِّبُ المَعنَى مِثَالُ الدَّعوَى فِي الأَموَالِ: فَقَد يَدَّعِي شَخصٌ عَلَى غَاصِبٍ أَنَّهُ غَصَبَ أَرضَهُ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً مَقبُولَةً شَرعًا، فَيَحكُمُ الحَاكِمُ لَهُ بِأَنَّ الأَرضَ لَهُ؛ فَإِن كَانَ صَادِقًا كَانَت لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَلَا تَكُونُ لَهُ بَاطِنًا وَإِن ثَبَتَت لَهُ ظَاهِرًا بِحُكمِ الحَاكِمِ.
❖ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ حَدِيثُ الشَّيخَينِ، وَاللَّفظُ لِمُسلِمٍ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأتِينِي الخَصمُ، فَلَعَلَّ بَعضَكُم أَن يَكُونَ أَبلَغَ مِن بَعضٍ، فَأَحسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقضِيَ لَهُ، فَمَن قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مُسلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطعَةٌ مِن نَارٍ، فَليَحمِلهَا أَو يَذَرهَا».
❖ وَعَلَى هَذَا التَّفصِيلِ تُنَزَّلُ أَحكَامُ التَّكفِيرِ وَعَدَمِهِ؛ فَالمُنَافِقُ مَحكُومٌ بِإِسلَامِهِ فِي الظَّاهِرِ وَإِن كَانَ فِي البَاطِنِ كَافِرًا، وَمَن كَانَ عَلَى الكُفرِ ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسلَامِ ثُمَّ مَاتَ قَبلَ أَن يَعلَمَ أَحَدٌ بِإِسلَامِهِ فَهُوَ مَحكُومٌ بِكُفرِهِ فِي الظَّاهِرِ وَإِن كَانَ فِي البَاطِنِ مُسلِمًا. وَمَن لَم يُمَيِّز بَينَ هَذَينِ المَعنَيَينِ، وَخَلَطَ بَينَ الحُكمَينِ، وَزَعَمَ أَنَّ الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ لَا يَنفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَقَعَ فِي التَّخلِيطِ وَالخَبطِ وَالِاضطِرَابِ.
❖ ومِن أَبيَنِ مَا يُظهِرُ مَنهَجَ الشَّيخِ أَحمَدَ بنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ من الشافعية كمثال لما قدمناه أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَينَ مَا يَكُونُ فِي البَاطِنِ وَمَا يُحكَمُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ عِندَ الِاحتِمَالِ وَعَدَمِ تَبَيُّنِ الحَالِ؛ فَقَد ذَكَرَ فِي شَرحِهِ عَلَى «المِنهَاجِ» تَفصِيلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ قَد تُحمَلُ بَاطِنًا عَلَى الكُفرِ إِذَا صَدَرَت مِن صَاحٍ مُكَلَّفٍ، وَقَد يُمتَنَعُ الحُكمُ عَلَى قَائِلِهَا ظَاهِرًا بِالكُفرِ لِاحتِمَالِ عُذرٍ؛ كَغَيبَةِ العَقلِ.
❖ وَنَصُّ ابنِ حَجَرٍ فِي شَرحِهِ عَلَى «المِنهَاجِ»: «وَقَولُ ابنِ عَبدِ السَّلَامِ: يُعَزَّرُ وَلِيٌّ قَالَ: أَنَا اللهُ، وَلَا يُنَافِي ذٰلِكَ وِلَايَتَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيرُ مَعصُومٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ إِذ إِن كَانَ غَائِبًا فَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يُعَزَّرُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ. وَيُمكِنُ حَملُهُ عَلَى مَا إِذَا شَكَكنَا فِي حَالِهِ، فَيُعَزَّرُ زَجرًا لَهُ، وَلَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ؛ لِاحتِمَالِ قِيَامِ عُذرِهِ».
❖ وَيَكشِفُ هٰذَا النَّقلُ عَن وَجهِ الفَرقِ بَينَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ؛ فَتَأَمَّل كَيفَ فَصَلَ بَينَ الحُكمِ فِي البَاطِنِ وَالحُكمِ فِي الظَّاهِرِ، فَبَيَّنَ أَنَّ مَن نَطَقَ بِهٰذِهِ الكَلِمَةِ، إِن صَدَرَت مِن صَاحٍ مُكَلَّفٍ، حُمِلَت فِي البَاطِنِ عَلَى الكُفرِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ، وَإِن صَدَرَت مِن غَائِبِ العَقلِ، فَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يُحكَمُ بِخُرُوجِهِ عَنِ الإِسلَامِ لِقِيَامِ عُذرِهِ. فَالحُكمُ عَلَيهِ فِي البَاطِنِ لَا يَخرُجُ عَن هٰذَينِ الوَجهَينِ.
وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ؛ فَلَمَّا كَانَ يَجُوزُ عِندَنَا أَن يَكُونَ قَد تَكَلَّمَ بِذٰلِكَ وَهُوَ غَائِبُ العَقلِ، وَلَم تَتَبَيَّن لَنَا حَقِيقَةُ حَالِهِ، حَكَمنَا لَهُ بِالإِسلَامِ ظَاهِرًا، وَلَم نُوقِع عَلَيهِ حُكمَ الكُفرِ إِلَّا إِذَا ظَهَرَ لَنَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَاحِيًا حِينَ نَطَقَ بِذٰلِكَ.
وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ: أَنَّ مَا بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ دَائِرٌ بَينَ وَجهَينِ، أَمَّا فِي المُعَامَلَةِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا تَدُورُ مَعَ مَا تَبَيَّنَ لَنَا، وَقَامَت عَلَيهِ القَرَائِنُ وَالأَدِلَّةُ.
❖ وَمِن أَبيَنِ تَطبِيقَاتِهِ الَّتِي تُجَلِّي هٰذَا المَعنَى وَتُزِيلُ عَنهُ الإِشكَالَ: مَا ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي «الزَّوَاجِرِ» مِنَ التَّفرِيقِ الدَّقِيقِ بَينَ الأَلفَاظِ الَّتِي تَحتَمِلُ التَّأوِيلَ، وَتِلكَ الَّتِي تَكُونُ نَصًّا لَا تَحتَمِلُهُ؛ فَفَرَّقَ بَينَ قَولِ القَائِلِ: «اللهُ فِي السَّمَاءِ»، وَقَولِهِ: «اللهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ». فَحَكَمَ بِكُفرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِثبَاتِ الجِهَةِ وَالِاستِقرَارِ وَالظَّرفِيَّةِ، وَهِيَ مَعَانٍ مُستَحِيلَةٌ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَم يَحكُم بِكُفرِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيسَ نَصًّا فِي ذٰلِكَ، بَل يَحتَمِلُ أَن يُحمَلَ عَلَى أَمرِهِ وَسُلطَانِهِ، وَهُوَ تَأوِيلٌ مَعرُوفٌ مُوَافِقٌ لِلَّفظِ القُرآنِيِّ عِندَ الخَلَفِ وَالسَّلَفِ.
❖ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هٰذَا الأَصلِ أَنَّهُ لَو ثَبَتَ أَنَّ قَائِلَ: «فِي السَّمَاءِ» أَرَادَ حَقِيقَةَ الجِهَةِ، لَحُكِمَ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي المَعنَى كَقَائِلِ: «سَاكِنُ السَّمَاءِ»، الَّذِي لَا يَحتَمِلُ لَفظُهُ تَأوِيلًا.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَ العُلَمَاءِ يَنتَظِمُ فِي قَاعِدَةٍ جَلِيَّةٍ مُحكَمَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ أَقوَالَهُم قَد تَكُونُ مُنصَرِفَةً إِلَى «حُكمِ البَاطِنِ»، وَهٰذَا هُوَ الغَالِبُ عَلَى صَنِيعِ عُلَمَاءِ الكَلَامِ، وَقَد تَكُونُ مُنصَرِفَةً إِلَى «حُكمِ الظَّاهِرِ»، وَهٰذَا هُوَ الغَالِبُ عَلَى صَنِيعِ الفُقَهَاءِ.
فَمَن لَم يُحسِنِ التَّفرِيقَ بَينَ هٰذَينِ الجَانِبَينِ، وَلَم يُحَرِّر مَحَلَّ كُلِّ قَولٍ مِنهُمَا، بَل خَلَطَ بَينَهُمَا، وَتَعَامَلَ مَعَ المَقُولَاتِ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ، وَظَنَّ أَنَّ حُكمَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ لَا يَنفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَقَعَ فِي الِاضطِرَابِ وَالتَّخلِيطِ، وَسَاءَ فَهمُهُ، وَاضطَرَبَت نِسبَتُهُ لِلأَئِمَّةِ، وَضَلَّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَعَلَى ضَوءِ هٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ التَّفصِيلَ الَّذِي ذكر في نهاية المرام في عَدَم التَّكفِيرِ محمول على مَن لَم يُعلَم مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو كَانَ جَاهِلًا بِحَقِيقَةِ مَا يَنطِقُ بِهِ؛ أَمَّا مَن تَبَيَّنَ مِنهُ ذٰلِكَ، فَلَا خِلَافَ فِي تَكفِيرِهِ عِندَ الأشاعرة، وَقَد صَرَّحَ بِذٰلِكَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كُتُبِهِ، نَقلًا وَتَقرِيرًا كما في الأمثلة السابقة أعلاه.
وَخُلَاصَةُ هٰذَا البَابِ وَشَرحُهُ أنّ التَّكفِيرُ عِندَهُ دَائِرٌ مَعَ ثُبُوتِ اعتِقَادِ التَّركِيبِ أَو التَّصرِيحِ بِلَوَازِمِهِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِن عَدَمِ التَّكفِيرِ، فَمَحمُولٌ عَلَى مَن لَم يَتَبَيَّن حَالُهُ أَو كَانَ جَاهِلًا بِمَعنَى مَا يَنطِقُ بِهِ؛ وَبِهٰذَا يَزُولُ مَوهُومُ التَّعَارُضِ، وَيَستَقِيمُ فَهمُ كَلَامِهِ عَلَى وَجهِهِ الصَّحِيحِ.وَبِهٰذَا التَّحقِيقِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَركِ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ عَلَى الإِطلَاقِ نِسبَةٌ غَيرُ دَقِيقَةٍ، بَل الحكم مُقَيَّدٌ بِالحَالِ وَالقَرِينَةِ؛ فَمَن ثَبَتَ مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو أَظهَرَ لَوَازِمَهُ البَيِّنَةَ، فَحُكمُهُ الكُفرُ صَرِيحًا، وَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلتَّوَقُّفِ، وَأَمَّا مَن لَم يُعلَم مِنهُ ذٰلِكَ، أَو كَانَ يَتَلَفَّظُ دُونَ فَهمٍ لِدَلَالَةِ مَا يَقُولُ، فَهُنَا تَجرِي أَحكَامُ الفُقَهَاءِ فِي الظَّاهِرِ، مَعَ تَفوِيضِ سَرِيرَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
يقول خطيب الريّ:

فائدة لزيادة البيان من كتاب الشرح القويم القويم للشيخ عبد الله الهرري :
(قاعدة اللفظ الذى له معنيان أحدهما نوع من أنواع الكفر والآخر ليس كفرا وكان المعنى الذى هو كفر ظاهرا لا يكفر قائله حتى يعرف منه أى المعنيين أراد، فإن قال أردت المعنى الكفرى حكم عليه بالكفر وأجرى عليه أحكام الردة وإلا فلا يحكم عليه بالكفر) مثال ذلك أن كلمة النبى فى اللغة تأتى بمعنى الأرض المحدودبة المرتفعة وتأتى بمعنى من أوحى إليه بالنبوة، فلو قال شخص الصلاة على النبى مكروهة وأراد أن الصلاة على الأرض المحدودبة مكروهة لأن الشخص لا يخشع فى صلاته عليها فكلامه صحيح وأما إن أراد أن الصلاة على النبى أى محمد مكروهة فهو كفر لأن ذلك تكذيب للشريعة قال تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ (وكذلك إن كان اللفظ له معان كثيرة وكان كل معانيه كفرا وكان معنى واحد منها غير كفر لا يكفر إلا أن يعرف منه إرادة المعنى الكفرى وهذا هو الذى ذكره بعض العلماء الحنفيين فى كتبهم) وقد ذكر للفظ الذى له عدة معان بعضها كفر وبعضها ليس كفرا مثال عن محمد بن الحسن رضى الله عنه فى فتاوى قاضيخان وهو أن الرجل إذا قيل له صل فقال لا أصلى فإن أراد لا أصلى لأنى قد صليت لا يكفر وإن أراد لا أصلى لقولك لا يكفر وكذا إن أراد لا أصلى أنا متكاسل لا يكفر وإن أراد أنه لا يصلى لأنه مستخف بها كفر (وأما ما يقوله بعض الناس من أنه إذا كان فى الكلمة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير أخذ بترك التكفير فلا معنى له) وهم يوردون ذلك فى الكلمة الصريحة فى الكفر (ولا يصح نسبة ذلك إلى مالك ولا إلى أبى حنيفة كما نسب سيد سابق) فى كتابه فقه السنة (شبه ذلك إلى مالك وهو شائع على ألسنة بعض العصريين فليتقوا الله) فيفهم من هذا أن ما كان من الكلام فيه استخفاف بالدين أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة نكفر قائله ولو خالف فى ذلك ألف إنسان ولا ننظر إلى كثرة المخالفين وإنما ننظر إلى موافقة الحق (قال العلماء أما الصريح أى الذى ليس له إلا معنى واحد يقتضى التكفير فيحكم على قائله بالكفر) ولا يقبل له تأويل إلا إذا كان لا يفهم معنى الكلمة التى قالها فعندئذ لا يكفر، فمن حصل منه كفر صريح ينظر إلى فهمه ولا ينظر إلى قصده فإن كان يفهم المعنى الكفرى وقال لم أقصده كفر ولم يقبل منه تأوله وإن لم يفهم المعنى الكفرى لا يكفر ولكن ينهى عن ذلك القول، وأما من حصل منه كلام يحتمل وجهين بحسب وضع اللغة أحدهما كفر والآخر ليس كذلك فإن هذا ينظر إلى قصده فإن كان أراد المعنى الكفرى كفر وإلا فلا يكفر. أما اللفظ الصريح (كقول أنا الله) فيحكم على قائله بالكفر (حتى لو صدر هذا اللفظ من ولى فى حالة غيبة عقله يعزر ولو لم يكن هو مكلفا تلك الساعة قال ذلك عز الدين ابن عبد السلام، وذلك لأن التعزير يؤثر فيمن غاب عقله كما يؤثر فى الصاحى العاقل وكما يؤثر فى البهائم فإنها إذا جمحت فضربت تكف عن جموحها مع أنها ليست بعاقلة. كذلك الولى الذى نطق بالكفر فى حال الغيبة عندما يضرب أو يصرخ عليه يكف للزاجر الطبيعى على أن الولى لا يصدر منه كفر فى حال حضور عقله إلا أن يسبق لسانه لأن الولى محفوظ من الكفر بخلاف المعصية الكبيرة أو الصغيرة فإن ذلك يجوز على الولى لكن لا يستمر عليه بل يتوب عن قرب. وقد يحصل من الولى معصية كبيرة قبل موته بقليل لكن لا يموت إلا وقد تاب)
(قال إمام الحرمين) عبد الملك (الجوينى) فى كتاب الإرشاد (اتفق الأصوليون على أن من نطق بكلمة الردة أى الكفر وزعم أنه أضمر تورية) أى أنه أراد به معنى بعيدا عن المعنى المتبادر من الكلمة لا يحتمله اللفظ (كفر ظاهرا وباطنا) أى يكون كافرا ظاهرا وباطنا (وأقرهم على ذلك أى فلا ينفعه التأويل البعيد كالذى يقول [بعامية بعض البلاد] يلعن رسول الله ويقول قصدى برسول الله الصواعق) وهذا دليل على أنه لا يؤول كل لفظ منحرف وإنما يؤول ما كان تأويله قريبا وأما ما كان صريحا فى المعنى الفاسد فلا يؤول فالحذر من هؤلاء الذين يؤولون الصريح لمن يفهم معناه (وقد عد كثير من الفقهاء كالفقيه الحنفى بدر الرشيد) فى رسالته فى الألفاظ المكفرات (وهو قريب من القرن الثامن الهجرى أشياء كثيرة فينبغى الاطلاع عليها فإن من لم يعرف الشر يقع فيه فليحذر فقد ثبت عن أحد الصحابة أنه أخذ لسانه وخاطبه) قائلا (يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول »أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه«) رواه الطبرانى فى المعجم الكبير (ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر) (وفى حديث ءاخر للرسول صلى الله عليه وسلم »إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب« رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة) ومعنى حديث الشيخين أن الإنسان قد يتكلم بكلمة لا يرى أن فيها ذنبا ولا يراها ضارة له يستوجب بها النزول إلى قعر جهنم كما تدل على ذلك رواية الترمذى من غير فرق بين أن يكون منشرح البال أو غير منشرح، وقعر جهنم مسافة سبعين عاما وذلك محل الكفار لا يصله عصاة المسلمين.

ولزيادة تأكيد الفائدة نواصل في ذكر مذهب ابن حجر الهيتمي كمثال من المتأخرين لنبين مسألة اللوازم و حكم المتهرب منها و هل هي مذهب أو لا ؟
تَفصِيلُ ابنِ حَجَرٍ فِي مَرَاتِبِ التَّجسِيمِ وَضَابِطُ التَّكفِيرِ فِيهَا وَتَحرِيرُ مَعنَى «اللَّوَازِمِ»
❖ لَم يَترُكِ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ هٰذَا البَابَ مُجمَلًا، بَل بَسَطَهُ بِتَفصِيلٍ دَقِيقٍ فِي كِتَابِهِ «الإِعلَامِ بِقَوَاطِعِ الإِسلَامِ»، رَافِعًا مَا يُتَوَهَّمُ مِن تَعَارُضٍ فِي النُّقُولِ، وَجَامِعًا أَطرَافَ المَسأَلَةِ فِي قَاعِدَةٍ مُحكَمَةٍ؛ فَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ المُجَسِّمَةِ لَيسَ عَلَى مَرتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَل يَنقَسِمُ إِلَى مَرَاتِبَ: فَمِنهُم مَن يَقُولُ: «جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ»، وَمِنهُم مَن يَقُولُ: «جِسمٌ كَالأَجسَامِ»؛
فَحَمَلَ عَدَمَ التَّكفِيرِ عَلَى الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا يَلزَمُ قَولَهُ مِنَ النَّقصِ قَد لَا يَلتَزِمُونَهُ وَلَا يُدرِكُونَهُ، وَحَمَلَ التَّكفِيرَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِثبَاتِ الحُدُوثِ وَالتَّركِيبِ وَالأَلوَانِ وَالِاتِّصَالِ، وَفِي إِثبَاتِ مَا أَجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى نَفيِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ انتِفَاؤُهُ عَنهُ، فَلَا مَحَلَّ لِلتَّوَقُّفِ فِي كُفرِهِ.
❖ وَقَد أَشَارَ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ إِلَى هٰذَا التَّفصِيلِ كُلِّهِ فِي كِتَابِهِ «الإِعلَامِ بِقَوَاطِعِ الإِسلَامِ»، حَيثُ قَالَ: «وَالمَشهُورُ مِنَ المَذهَبِ كَمَا قَالَهُ جَمعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّ المُجَسِّمَةَ لَا يُكَفَّرُونَ، لَكِن أَطلَقَ فِي المَجمُوعِ تَكفِيرَهُم، وَيَنبَغِي حَملُ الأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا قَالُوا: جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ. وَالثَّانِي عَلَى مَا إِذَا قَالُوا: جِسمٌ كَالأَجسَامِ؛ لِأَنَّ النَّقصَ اللَّازِمَ عَلَى الأَوَّلِ قَد لَا يَلتَزِمُونَهُ، وَمَرَّ أَنَّ لَازِمَ المَذهَبِ غَيرُ مَذهَبٍ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الحُدُوثِ وَالتَّركِيبِ وَالأَلوَانِ وَالِاتِّصَالِ، فَيَكُونُ كُفرًا؛ لِأَنَّهُ أَثبَتَ لِلقَدِيمِ مَا هُوَ مَنفِيٌّ عَنهُ بِالإِجمَاعِ، وَمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ انتِفَاؤُهُ عَنهُ، وَلَا يَنبَغِي التَّوَقُّفُ فِي ذٰلِكَ».
❖ وَإِذَا رُدَّ هٰذَا التَّفصِيلُ إِلَى أَصلِ المَعنَى، تَبَيَّنَ أَنَّ «التَّركِيبَ» لَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، بَل هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ نَفسِهِ، وَأَنَّ «الحُدُوثَ» مِن أَظهَرِ لَوَازِمِهِ وَأَبيَنِهَا؛ فَمَن أَطلَقَ الجِسمِيَّةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَلتَزِمُ التَّركِيبَ، فَإِنَّمَا ذٰلِكَ لِعَدَمِ فَهمِهِ لِحَقِيقَةِ اللَّفظِ وَلَا إِدرَاكِهِ لِمَعنَاهُ. وَمِن هٰذَا يُفهَمُ أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ ابنُ حَجَرٍ «لَوَازِمَ» إِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ كَاشِفَةٌ عَن اعتِقَادِ التَّركِيبِ، كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِ ذٰلِكَ.
وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يَجرِي تَفصِيلُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الحُكمِ الظَّاهِرِ؛ فَإِذَا لَم تُعلَم حَقِيقَةُ حَالِ القَائِلِ – أَهُوَ مُلتَزِمٌ بِالتَّركِيبِ أَم جَاهِلٌ بِمَعنَى اللَّفظِ – فَإِنَّ جُمهُورَهُم عَلَى عَدَمِ تَكفِيرِهِ ظَاهِرًا، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِن ظَهَرَ مِنهُ التَّصرِيحُ بِالتَّركِيبِ أَو بِشَيءٍ مِن لَوَازِمِهِ الظَّاهِرَةِ – كَاللَّونِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ – حِينَئِذٍ يُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ أَظهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُعتَقَدِهِ.
وَبِهٰذَا عَينِهِ صَرَّحَ ابنُ حَجَرٍ فِي «الإِعلَامِ»، حَيثُ قَرَّرَ أَنَّ الأَصَحَّ عَدَمُ تَكفِيرِ الجِهَوِيَّةِ وَالمُجَسِّمَةِ، إِلَّا إِذَا صَرَّحُوا بِلَوَازِمِ قَولِهِم فِي الحُدُوثِ، أَو بِمَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ؛ كَالتَّركِيبِ، وَاللَّونِ، وَالِاحتِيَاجِ. حَيثُ قَالَ: «الأَصَحُّ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ الجِهَوِيَّةَ وَلَا المُجَسِّمَةَ، إِلَّا إِن صَرَّحُوا بِاعتِقَادِهِم لِلَوَازِمِ قَولِهِم فِي الحُدُوثِ أَو مَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ [أَي فِي الحُدُوثِ] كَاللَّونِ وَالتَّركِيبِ وَالِاحتِيَاجِ».
وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ وَشَرحُهُ: أَنَّ المَسأَلَةَ تَدُورُ بَينَ اللَّفظِ وَمَعنَاهُ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَن نَطَقَ بِلَفظِ الجِسمِيَّةِ يَلزَمُهُ حُكمٌ وَاحِدٌ، بَلِ العِبرَةُ بِمَا يَفهَمُهُ وَيَلتَزِمُهُ مِن مَعنَى؛ فَإِن كَانَ قَولُهُ مُشتَمِلًا عَلَى مَعنًى صَرِيحٍ فِي التَّركِيبِ وَمَا يَستَلزِمُهُ مِنَ الحُدُوثِ، كَانَ كُفرًا لَا شُبهَةَ فِيهِ، وَإِلَّا فَالحُكمُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ حَالِهِ، وَإِظهَارِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَبِهٰذَا يَزُولُ الِاضطِرَابُ، وَيَنتَظِمُ كَلَامُ العُلَمَاءِ فِي سِلكٍ وَاحِدٍ مُتَّسِقٍ.
*النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةُ: نُصُوصُ ابنُ حَجَرٍ الصَّرِيحَةُ فِي تَكفِيرِ مَن اعتَقَدَ التَّركِيبَ وَالتَّنبِيهُ عَلَى مَزَالِقِ المُتَفَيهِقِينَ*
❖ يَتَبَيَّنُ بِالجَمعِ بَينَ هٰذِهِ النُّصُوصِ وَتَحرِيرِ مَقَاصِدِهَا أَنَّ الشَّيخَ ابنَ حَجَرٍ الهَيتَمِيَّ قَد قَرَّرَ قَاعِدَةً مُحكَمَةً فِي هٰذَا البَابِ، وَهِيَ أَنَّ التَّركِيبَ هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، وَأَنَّ الحُدُوثَ لَازِمُهُ البَيِّنُ الَّذِي لَا يَنفَكُّ عَنهُ؛ فَمَن وَصَفَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّركِيبِ، فَقَد نَاقَضَ القِدَمَ وَالغِنَى، وَأَثبَتَ مَا هُوَ مُنتَفٍ عَنهُ بِالإِجمَاعِ، وَلِذٰلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ ابنُ حَجَرٍ فِي الحُكمِ بِكُفرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ البَيِّنَ – فِي مِثلِ هٰذَا المَقَامِ – مَذهَبٌ، فَلَو زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ يُثبِتُ التَّركِيبَ وَلَا يَلتَزِمُ الحُدُوثَ، لَم يَنفَعهُ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ الحُدُوثَ مُلَازِمٌ لَهُ لُزُومًا ظَاهِرًا.
❖ وَعَلَى ضَوءِ هٰذَا الأَصلِ، يَتَّضِحُ أَنَّ التَّفصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي عَدَمِ التَّكفِيرِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَن لَم يُعلَم مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو كَانَ جَاهِلًا بِحَقِيقَةِ مَا يَنطِقُ بِهِ؛ أَمَّا مَن تَبَيَّنَ مِنهُ ذٰلِكَ، فَلَا خِلَافَ فِي تَكفِيرِهِ عِندَهُ، وَقَد صَرَّحَ بِذٰلِكَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كُتُبِهِ، نَقلًا وَتَقرِيرًا.
❖ فَنَقَلَ ابنُ حَجَرٍ عَن سَحنُونٍ تَكفِيرَ مَن أَثبَتَ الحُلُولَ وَالِاستِقرَارَ وَالظَّرفِيَّةَ أَوِ التَّحَيُّزَ؛ وَمِن ذٰلِكَ حِكَايَتُهُ هٰذَا التَّفصِيلَ بِأَسرِهِ مُطَوَّلًا مَبسُوطًا فِي كِتَابِ «الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةِ» عَن سَحنُونٍ المَالِكِيِّ، مَعَ قَولِهِ: «فَقَائِلُ هٰذِهِ المَقَالَةِ الَّتِي هِيَ القَولُ بِالجِهَةِ فَوقَ، إِن كَانَ يَعتَقِدُ الحُلُولَ وَالِاستِقرَارَ وَالظَّرفِيَّةَ أَوِ التَّحَيُّزَ، فَهُوَ كَافِرٌ، يُسلَكُ بِهِ مَسلَكَ المُرتَدِّينَ، إِن كَانَ مُظهِرًا لِذٰلِكَ».
❖ وَحَكَى ابنُ حَجَرٍ عَن القَرَافِيِّ تَكفِيرَ المُجَسِّمَةِ وَالجِهَوِيَّةِ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ فِي «شَرحِ المُقَدِّمَةِ الحَضرَمِيَّةِ» حيث نَقلَ عن القَرَافِيِّ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ وَالجِهَوِيِّ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، مَعَ قَولِهِ: إِنَّهُم حَقِيقُونَ بِذٰلِكَ.
❖ وَقَضَى ابنُ حَجَرٍ فِي «الزَّوَاجِرِ» بِكُفرِ مَن تَلَفَّظَ بِمَا لَا يَحتَمِلُ إِلَّا المَعنَى المُستَحِيلَ؛ نَحوَ قَولِهِ: «سَاكِنُ السَّمَاءِ»، فَأَوضَحَ بُطلَانَ إِيمَانِ مَن قَالَ: «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ»، وَهُوَ حُكمٌ بِالكُفرِ، وَقَد سَبَقَ تَقرِيرُهُ.
❖ وَقَد بَسَطَ البَيَانَ فِي بَعضِ المَوَاضِعِ، فَأَصدَرَ حُكمَهُ عَلَى مَن نُسِبَ إِلَيهِ اعتِقَادُ التَّركِيبِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنهُ، بِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي «الكُفرِ البَرَاحِ الصَّرِيحِ»؛ إِذ يَقُولُ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ فِي «الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةِ»، عِندَ سَردِهِ لِجُملَةٍ مِن ضَلَالَاتِ أَحمَدَ بنِ تَيمِيَّةَ وَأَقوَالِهِ الفَاسِدَةِ: «وَأَنَّ رَبَّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا مَحَلُّ الحَوَادِثِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ وَتَقَدَّسَ، وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ تَفتَقِرُ ذَاتُهُ افتِقَارَ الكُلِّ لِلجُزءِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ وَتَقَدَّسَ، وَأَنَّ القُرآنَ مُحدَثٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ، وَأَنَّ العَالَمَ قَدِيمٌ بِالنَّوعِ، وَلَم يَزَل مَعَ اللَّهِ مَخلُوقٌ دَائِمًا، فَجَعَلَهُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَا فَاعِلًا بِالِاختِيَارِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ، وَقَولُهُ بِالجِسمِيَّةِ وَالجِهَةِ وَالِانتِقَالِ، وَأَنَّهُ بِقَدرِ العَرشِ لَا أَصغَرُ وَلَا أَكبَرُ، تَعَالَى اللَّهُ عَن هٰذَا الِافتِرَاءِ الشَّنِيعِ القَبِيحِ، وَالكُفرِ البَرَاحِ الصَّرِيحِ»، فَتَأَمَّل، رَحِمَكَ اللَّهُ، كَيفَ أَنَّ الشَّيخَ ابنَ حَجَرٍ لَم يَتَرَدَّد فِي الحُكمِ بِتَكفِيرِ ابنِ تَيمِيَّةَ، لَمَّا انكَشَفَ لَهُ اعتِقَادُهُ بِحَقِيقَةِ التَّركِيبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
❖ وَيَتَأَكَّدُ هٰذَا المَعنَى بِبَيَانِ مَقصُودِهِ مِن «اللَّوَازِمِ» الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا الحُكمُ؛ فَلَيسَت أَيَّ لَوَازِمَ مُتَوَهَّمَةٍ، بَل هِيَ اللَّوَازِمُ الدَّالَّةُ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى اعتِقَادِ التَّركِيبِ؛ كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِهَا؛ فَمَن صَرَّحَ بِهٰذِهِ اللَّوَازِمِ، فَقَد أَظهَرَ اعتِقَادَ التَّركِيبِ، فَيُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَنفَعُهُ أَن يَدَّعِي عَدَمَ التِزَامِ الحُدُوثِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بَيِّنٌ لَهُ.
وَخُلَاصَةُ هٰذَا البَابِ وَشَرحُهُ أنّ التَّكفِيرُ عِندَهُ دَائِرٌ مَعَ ثُبُوتِ اعتِقَادِ التَّركِيبِ أَو التَّصرِيحِ بِلَوَازِمِهِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِن عَدَمِ التَّكفِيرِ، فَمَحمُولٌ عَلَى مَن لَم يَتَبَيَّن حَالُهُ أَو كَانَ جَاهِلًا بِمَعنَى مَا يَنطِقُ بِهِ؛ وَبِهٰذَا يَزُولُ مَوهُومُ التَّعَارُضِ، وَيَستَقِيمُ فَهمُ كَلَامِهِ عَلَى وَجهِهِ الصَّحِيحِ.
وَبَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأصِيلِ وَالتَّفصِيلِ، إِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الشَّيخِ ابنِ حَجَرٍ مَا يُوهِمُ فِي ظَاهِرِهِ عَدَمَ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ، فَلَيسَ ذٰلِكَ عَلَى إِطلَاقِهِ، بَلِ الوَاجِبُ حَملُهُ عَلَى التَّفصِيلِ الَّذِي أَصَّلَهُ وَقَرَّرَهُ فِي سَائِرِ كَلَامِهِ؛
فَهُوَ إِنَّمَا لَا يُكَفِّرُ مَن أَطلَقَ اللَّفظَ دُونَ فَهمٍ لِمَعنَاهُ، وَلَا التِزَامٍ لِمُقتَضَاهُ
أَمَّا مَن اعتَقَدَ حَقِيقَةَ التَّركِيبِ، أَو صَرَّحَ بِلَوَازِمِهِ الدَّالَّةِ عَلَيهِ – كَاللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ – فَإِنَّهُ يَحكُمُ بِكُفرِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ اللَّوَازِمَ كَاشِفَةٌ عَن اعتِقَادِ التَّركِيبِ، وَالتَّركِيبُ مُنَاقِضٌ لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ القِدَمِ وَالغِنَى.
وَأَمَّا مَوضِعُ الخِلَافِ، فَإِنَّمَا هُوَ فِي الحُكمِ الظَّاهِرِ عَلَى مَن لَم يَتَبَيَّن حَالُهُ، لَا فِي بَاطِنِ الحُكمِ الَّذِي يَقتَضِيهِ المَعنَى.
وَبِهٰذَا التَّحقِيقِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَى الشَّيخِ أَحمَدَ بنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ مِن تَركِ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ عَلَى الإِطلَاقِ نِسبَةٌ غَيرُ دَقِيقَةٍ، بَل مَذهَبُهُ مُقَيَّدٌ بِالحَالِ وَالقَرِينَةِ؛ فَمَن ثَبَتَ مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو أَظهَرَ لَوَازِمَهُ البَيِّنَةَ، فَحُكمُهُ الكُفرُ صَرِيحًا، وَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلتَّوَقُّفِ، وَأَمَّا مَن لَم يُعلَم مِنهُ ذٰلِكَ، أَو كَانَ يَتَلَفَّظُ دُونَ فَهمٍ لِدَلَالَةِ مَا يَقُولُ، فَهُنَا تَجرِي أَحكَامُ الفُقَهَاءِ فِي الظَّاهِرِ، مَعَ تَفوِيضِ سَرِيرَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
❖ فكَلَامُ الشَّيخِ ابنُ حَجَرٍ لَيسَ مُتَنَاقِضًا، بَل هُوَ مُنَظَّمٌ عَلَى قَاعِدَةٍ دَقِيقَةٍ، تَفصِلُ بَينَ مَرَاتِبِ الأَقوَالِ وَالفَهم وَالعِلمِ؛ فَمَحَلُّ التَّكفِيرِ عِندَهُ هُوَ ثُبُوتُ المَعنَى المُستَحِيلِ – وَهُوَ التَّركِيبُ – وَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ، لَا مُجَرَّدُ اللَّفظِ المُحتَمِلِ، وَبِهٰذَا يَسلَمُ حُسنُ الظَّنِّ بِهِ، وَتَنتَظِمُ نُقُولُهُ بَعضُهَا مَعَ بَعضٍ، وَيَندَفِعُ وَهمُ التَّعَارُضِ عَن كَلَامِهِ.
*خَاتِمَةٌ*
❖ وَفِي ضَوءِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأصِيلِ وَالتَّفصِيلِ، يَصِحُّ أَن يُقَالَ: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخِلَافِ المَنقُولِ بَينَ المُحَقِّقِينَ فِي هٰذَا البَابِ لَيسَ خِلَافًا فِي أَصلِ الحُكمِ، بَل هُوَ خِلَافٌ فِي العِبَارَةِ وَطَرِيقَةِ التَّعلِيمِ؛ أَيُجعَلُ الأَصلُ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ، ثُمَّ يُستَثنَى مَن لَا يَفهَمُ المَعنَى وَلَا يَلتَزِمُ مُقتَضَاهُ، أَم يُقَالُ: لَا يُكَفَّرُونَ عَلَى الإِطلَاقِ، ثُمَّ يُستَثنَى مَن صَرَّحَ بِالتَّركِيبِ وَلَوَازِمِهِ؟ وَالحَقُّ أَنَّ الأَوَّلَ أَصرَحُ وَأَدفَعُ لِلإِيهَامِ، لِأَنَّ نِسبَةَ الجِسمِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن صَرِيحِ الكُفرِ فِي نَفسِهَا، ثُمَّ يَأتِي بَعدَ ذٰلِكَ النَّظَرُ فِي أَحوَالِ القَائِلِينَ، وَمَا يَعرِضُ لَهُم مِنَ الجَهلِ أَوِ الِاحتِمَالِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِن أَحكَامِ الظَّاهِرِ.
❖ وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يَنتَظِمُ مَنهَجُ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ فِي بَابِ التَّجسِيمِ انتِظَامًا مُحكَمًا؛ فَقَد بَنَاهُ عَلَى أُصُولٍ رَاسِخَةٍ: أَوَّلُهَا تَحقِيقُ مَعنَى الجِسمِ وَأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّركِيبِ، وَثَانِيهَا تَقرِيرُ استِحَالَةِ ذٰلِكَ فِي حَقِّ اللهِ عَقلًا وَنَقلًا، وَثَالِثُهَا أَنَّ مَن عَبَدَ جِسمًا فَلَيسَ عَابِدًا لِلَّهِ فَيَلزَمُ كُفرُهُ، وَرَابِعُهَا التَّفرِيقُ بَينَ الحُكمِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا عِندَ الِاحتِمَالِ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا يُنقَلُ عَنهُ مِمَّا يُوهِمُ تَركَ التَّكفِيرِ لَا يُفهَمُ إِلَّا عَلَى هٰذَا التَّفصِيلِ؛ فَهُوَ يُكَفِّرُ مَن ثَبَتَ مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ أَو صَرَّحَ بِلَوَازِمِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذٰلِكَ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي مَن أَطلَقَ اللَّفظَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَعنَاهُ، وَفِي كَيفِيَّةِ تَنزِيلِ الحُكمِ الظَّاهِرِ عَلَيهِ.
❖ وَبِهٰذَا عَينِهِ يَتَّضِحُ أَنَّ مَا حَكَاهُ بَعضُ المُتَأَخِّرِينَ – كَالشَّيخِ عَبدِ اللهِ الهَرَرِيِّ رحمه الله – فِي تَفصِيلِ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مُوَافِقٌ لِمَنهَجِ ابنِ حَجَرٍ، لَا مُخَالِفٌ لَهُ؛ وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الخِلَافِ بَينَهُمَا هُوَ فِي صِيَاغَةِ العِبَارَةِ وَطَرِيقَةِ العَرضِ، عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ مَن جَعَلَ الأَصلَ التَّكفِيرَ ثُمَّ استَثنَى مَن لَا يَفهَمُ المَعنَى أَو لَا يَلتَزِمُهُ، أَبلَغُ فِي مَقَامِ التَّعلِيمِ، وَأَدفَعُ لِلَّبسِ؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ الأَصلَ أَوَّلًا، ثُمَّ تُبَيِّنُ مَوَاضِعَ الِاستِثنَاءِ عَلَى وَجهِهَا الصَّحِيحِ.
❖ فالنِّزَاعُ لَيسَ فِي أَنَّ التَّجسِيمَ مُنَافٍ لِلتَّنزِيهِ – فَهٰذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ – وَلَا فِي أَنَّ اعتِقَادَ التَّركِيبِ كُفرٌ صَرِيحٌ، بَل فِي تَحقِيقِ مَحَلِّ الإِنزَالِ عَلَى الأَشخَاصِ، وَفِي طَرِيقَةِ بَيَانِ ذٰلِكَ لِلطُّلَّابِ؛ فَمَن لَم يُحسِن فَهمَ هٰذَا الفَرقِ، تَوَهَّمَ التَّعَارُضَ، وَنَسَبَ إِلَى الأَئِمَّةِ مَا هُم بُرَآءُ مِنهُ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
يقول خطيب الريّ:

رابط الصورة:


![جواب من يسأل هل يصح الدخول للإسلام بقول مهمد بدل محمد [مقال حول كيفية دخول الإسلام]](https://lataef.blog/wp-content/uploads/2026/04/WhatsApp-Image-2026-04-08-at-12.51.06.jpeg)