*
الرَّدُّ المُحَرَّرُ عَلَى مَن صَحَّحَ قَولَ «مُهَمَّدٍ» بَدَلَ «مُحَمَّدٍ» فِي الشَّهَادَتَينِ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
❁ أَمَّا بَعدُ؛ فَقَد وَقَعَ عِندَ بَعضِ النَّاسِ خَلطٌ فِي مَسأَلَةِ النُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ لِمَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ، وَخُصُوصًا فِي حُكمِ مَن يَقُولُ: «أَشهَدُ أَنَّ مُهَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، فَيُبدِلُ الحَاءَ مِنِ اسمِ سَيِّدِنَا «مُحَمَّدٍ» ﷺ هَاءً، ثُمَّ يُقَالُ: إِنَّ هٰذَا كَافٍ فِي صِحَّةِ دُخُولِهِ فِي الإِسلَامِ وَلَو كَانَ يَعرِفُ الصَّوَابَ وَيَقدِرُ عَلَى النُّطقِ بِهِ.
❁ وَمَثَلُ مَن يَحتَجُّ بِحُكمِ العَاجِزِ عَلَى القَادِرِ كَمَثَلِ مَن سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: «أَكلُ المَيتَةِ حَرَامٌ»، فَاعتَرَضَ عَلَيهِ بِأَنَّ المُضطَرَّ يَجُوزُ لَهُ أَكلُهَا؛ فَإِنَّ إِبَاحَتَهَا لِلمُضطَرِّ لَا تَرفَعُ حُرمَتَهَا عَنِ المُختَارِ، وَإِنَّمَا ذٰلِكَ حُكمٌ خَاصٌّ بِحَالِ الضَّرُورَةِ. وَكَذٰلِكَ العَاجِزُ عَنِ النُّطقِ الصَّحِيحِ لَهُ حُكمٌ خَاصٌّ بِعَجزِهِ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ حُكمُهُ دَلِيلًا عَلَى تَصحِيحِ فِعلِ مَن يَعرِفُ الصَّوَابَ وَيَقدِرُ عَلَيهِ.
❁ وَمَنشَأُ الغَلَطِ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ عَدَمُ التَّفرِيقِ بَينَ القَادِرِ وَالعَاجِزِ، وَبَينَ العَالِمِ بِالصَّوَابِ وَالجَاهِلِ بِهِ، وَبَينَ مَن وُجِدَ مَن يُعَلِّمُهُ وَمَن لَم يَجِد سَبِيلًا إِلَى تَعَلُّمِ النُّطقِ الصَّحِيحِ.
❁ وَقَد جَرَى فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ شَيءٌ مِنَ الإِطلَاقِ مِن طَرَفَينِ: فَطَرَفٌ يَحكُمُ بِالصِّحَّةِ مُطلَقًا، وَطَرَفٌ يَحكُمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ مُطلَقًا، وَالتَّحقِيقُ يَقتَضِي التَّفصِيلَ، وَتَحرِيرَ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَرَدَّ كُلِّ صُورَةٍ إِلَى القَاعِدَةِ الَّتِي تَندَرِجُ تَحتَهَا.
❁ وَلِذٰلِكَ كَانَ لَا بُدَّ قَبلَ بَيَانِ الحُكمِ مِن تَحدِيدِ مَحَلِّ النِّزَاعِ تَحدِيدًا دَقِيقًا؛ حَتَّى لَا يُخلَطَ بَينَ صُوَرٍ مُختَلِفَةٍ، وَلَا يُنَزَّلَ حُكمُ العَاجِزِ مَنزِلَةَ حُكمِ القَادِرِ، أَو حُكمُ الجَاهِلِ مَنزِلَةَ حُكمِ مَن عَرَفَ الصَّوَابَ وَقَدَرَ عَلَيهِ.
*
تَحرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ*
❁ مَحَلُّ النِّزَاعِ هُنَا لَيسَ فِي المُسلِمِ الَّذِي سَبَقَ ثُبُوتُ إِسلَامِهِ، سَوَاءٌ وُلِدَ بَينَ أَبَوَينِ مُسلِمَينِ فَثَبَتَ لَهُ حُكمُ الإِسلَامِ تَبَعًا لَهُمَا، أَو كَانَ كَافِرًا أَصلِيًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسلَامِ مِن قَبلُ عَلَى الوَجهِ الشَّرعِيِّ المُعتَبَرِ؛ فَهٰذَا قَد ثَبَتَ إِسلَامُهُ، وَلَا يُشتَرَطُ لِبَقَاءِ حُكمِ إِسلَامِهِ أَن يُعِيدَ النُّطقَ بِالشَّهَادَتَينِ كُلَّمَا ذَكَرَ اسمَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأَنَّ إِسلَامَهُ قَد ثَبَتَ مِن قَبلُ. وَلَا مَحَلُّ النِّزَاعِ أَيضًا فِي الأَعجَمِيِّ الَّذِي لَا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ عَلَى إِخرَاجِ حَرفِ الحَاءِ مِنِ اسمِ «مُحَمَّدٍ» إِخرَاجًا صَحِيحًا، وَلَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ لَفظًا بَدِيلًا صَحِيحًا يَحصُلُ بِهِ الإِقرَارُ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّخُولُ فِي الإِسلَامِ، كَقَولِهِ: «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ» أَو «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»؛ فَهٰذَا لَهُ حُكمُ العَاجِزِ، وَلَا فِي الأَخرَسِ أَو مَن عَاجَلَتهُ المَنِيَّةُ فَلَم يَقدِر عَلَى النُّطقِ، وَلَا فِي الجَاهِلِ الَّذِي لَم يَعرِفِ الصَّوَابَ وَلَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ.
❁ وَلَيسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَيضًا فِي رَجُلٍ لَم يَسمَعِ النُّطقَ الصَّحِيحَ لِاسمِ «مُحَمَّدٍ»، وَكَانَ يَظُنُّ لِجَهلِهِ أَنَّ قَولَهُ «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» هُوَ اللَّفظُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَن إِيمَانِهِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ؛ فَهٰذَا لَا يُجعَلُ فِي حُكمِ مَن عَلِمَ وَقَدَرَ وَتَعَمَّدَ تَركَ الصَّوَابِ، بَل لَهُ مِن جِهَةِ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الصَّوَابِ حُكمٌ يُشبِهُ حُكمَ العَاجِزِ.
❁ وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ هُوَ فِي شَخصٍ غَيرِ مُسلِمٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ، وَيَعلَمُ أَنَّ اسمَ نَبِيِّنَا ﷺ هُوَ «مُحَمَّدٌ» بِالحَاءِ، وَقَد بُيِّنَ لَهُ النُّطقُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَقُولَ «مُحَمَّدًا»، ثُمَّ يَتَعَمَّدُ عِندَ إِرَادَتِهِ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ أَن يَقُولَ: «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» بِالهَاءِ، مِن غَيرِ أَن يَأتِيَ بِلَفظٍ آخَرَ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ.
❁ فَهٰذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا البَحثُ، وَمَن أَرَادَ تَصحِيحَ الحُكمِ فِيهَا فَعَلَيهِ أَن يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى ذٰلِكَ، دُونَ أَن يَستَدِلَّ بِحَالِ العَاجِزِ، أَوِ الجَاهِلِ، أَو مَن لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن هٰؤُلَاءِ لَهُ حُكمٌ يَختَلِفُ عَن حُكمِ القَادِرِ العَالِمِ بِالصَّوَابِ.
*
الدُّخُولُ فِي الإِسلَامِ يَقُومُ عَلَى الِاعتِقَادِ وَالإِقرَارِ*
❁ إِنَّ اللهَ تَعَالَى شَرَعَ لِمَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ طَرِيقًا وَاضِحًا، وَهُوَ أَن يَعتَقِدَ مَعنَى الشَّهَادَتَينِ اعتِقَادًا جَازِمًا، وَأَن يُقِرَّ بِهِمَا بِلِسَانِهِ إِن كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطقِ.
❁ فَالصِّيغَةُ المَشهُورَةُ هِيَ: «أَشهَدُ أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، مَعَ فَهمِ مَعنَاهَا وَاعتِقَادِهِ اعتِقَادًا جَازِمًا.
❁ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ».
❁ وَهٰذَا هُوَ الأَصلُ الَّذِي جَرَى عَلَيهِ أَهلُ العِلمِ فِي بَيَانِ مَا يُظهِرُ بِهِ غَيرُ المُسلِمِ دُخُولَهُ فِي الإِسلَامِ، وَلَا يُعرَفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الِاجتِهَادِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالأَوزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحمَدَ وَغَيرِهِم، أَصلٌ يُبِيحُ جَعلَ تَحرِيفِ اسمِ اللهِ تَعَالَى أَوِ اسمِ نَبِيِّهِ ﷺ ـ مَعَ القُدرَةِ عَلَى الصَّوَابِ ـ طَرِيقًا مُستَقِلًّا يَقُومُ مَقَامَ الإِقرَارِ الصَّحِيحِ.
*
الفَرقُ بَينَ الحُكمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ*
❁ مَن نَطَقَ بِالشَّهَادَتَينِ نُطقًا مُعتَبَرًا وَأَظهَرَ الإِسلَامَ، فَإِنَّنَا نُجرِي عَلَيهِ فِي الدُّنيَا أَحكَامَ المُسلِمِينَ، لِأَنَّ الأَحكَامَ الدُّنيَوِيَّةَ تُبنَى عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى مَعرِفَةِ مَا تُكِنُّهُ القُلُوبُ.
❁ فَإِن كَانَ قَد نَطَقَ بِلِسَانِهِ وَلَم يُصَدِّق فِي قَلبِهِ، فَهُوَ مُنَافِقٌ فِي البَاطِنِ، وَإِن كُنَّا نُعَامِلُهُ فِي الدُّنيَا مُعَامَلَةَ المُسلِمِ لِمَا أَظهَرَهُ.
❁ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ].
❁ وَأَمَّا مَن صَدَّقَ بِقَلبِهِ وَامتَنَعَ مِنَ النُّطقِ مَعَ قُدرَتِهِ عَلَيهِ، فَلَا يَكفِيهِ مُجَرَّدُ مَا فِي قَلبِهِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَهلُ السُّنَّةِ فِي حَقِّ القَادِرِ؛ لِأَنَّ الإِقرَارَ بِاللِّسَانِ مَطلُوبٌ مِنهُ.
❁ قَالَ الإِمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحيَى بنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ (ت ٦٧٦هـ) فِي [المِنهَاجِ شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ]: «وَاتَّفَقَ أَهلُ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ المُؤمِنَ الَّذِي يُحكَمُ بِأَنَّهُ مِن أَهلِ القِبلَةِ وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَنِ اعتَقَدَ بِقَلبِهِ دِينَ الإِسلَامِ اعتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِنَ الشُّكُوكِ، وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَينِ، فَإِنِ اقتَصَرَ عَلَى إِحدَاهُمَا لَم يَكُن مِن أَهلِ القِبلَةِ أَصلًا، إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ النُّطقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ، أَو لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ لِمُعَاجَلَةِ المَنِيَّةِ، أَو لِغَيرِ ذٰلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُؤمِنًا».
❁ فَهٰذَا النَّصُّ يُقَرِّرُ قَاعِدَةً مِحوَرِيَّةً فِي مَسأَلَتِنَا، وَهِيَ أَنَّ القَادِرَ غَيرُ العَاجِزِ، وَأَنَّ العَاجِزَ مُستَثنًى مِنَ الحُكمِ العَامِّ، فَلَا يَصِحُّ الِاستِدلَالُ بِحُكمِهِ عَلَى مَن كَانَ قَادِرًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النُّطقِ.
*
لَا يُشتَرَطُ لَفظُ «أَشهَدُ» بِعَينِهِ*
❁ مَا تَقَدَّمَ لَا يَعنِي أَنَّ لَفظَ «أَشهَدُ» شَرطٌ تَعَبُّدِيٌّ لَا يَقُومُ غَيرُهُ مَقَامَهُ؛ بَل نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَن أَتَى بِلَفظٍ يُؤَدِّي مَعنَى الشَّهَادَتَينِ صَحَّ مِنهُ الإِقرَارُ.
❁ وَإِنَّمَا كَانَ لَفظُ «أَشهَدُ» أَفضَلَ وَأَبلَغَ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِن مَعَانِي العِلمِ وَالِاعتِقَادِ وَالِاعتِرَافِ وَالإِقرَارِ، وَلِوُرُودِهِ فِي الصِّيَغِ المَأثُورَةِ.
❁ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ الحُسَينُ بنُ الحَسَنِ الحَلِيمِيُّ الشَّافِعِيُّ (ت ٤٠٣هـ) فِي [المِنهَاجِ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ]: «وَلَا خِلَافَ أَنَّ الإِيمَانَ يَصِحُّ بِغَيرِ كَلِمَةِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، حَتَّى لَو قَالَ: لَا إِلٰهَ غَيرُ اللهِ، أَو لَا إِلٰهَ سِوَى اللهِ، أَو مَا عَدَا اللهَ، أَو مَا مِن إِلٰهٍ إِلَّا اللهُ، أَو لَا إِلٰهَ إِلَّا الرَّحمَنُ؛ فَكَقَولِهِ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ».
❁ فَالعِبرَةُ إِذَن لَيسَت بِالتَّقَيُّدِ بِلَفظٍ وَاحِدٍ مَعَ إِهمَالِ مَعنَاهُ، وَإِنَّمَا العِبرَةُ بِأَن يَصدُرَ مِنَ القَائِلِ لَفظٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى الإِقرَارِ المَطلُوبِ شَرعًا.
*
يَصِحُّ الإِسلَامُ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ*
❁ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِبرَةَ بِالمَعنَى أَنَّ الفُقَهَاءَ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ الإِسلَامِ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ، فَلَو أَقَرَّ غَيرُ العَرَبِيِّ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَبِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ بِلُغَتِهِ إِقرَارًا صَرِيحًا صَحَّ ذٰلِكَ، وَلَا يَتَوَقَّفُ دُخُولُهُ فِي الإِسلَامِ عَلَى إِجَادَتِهِ العَرَبِيَّةَ.
❁ وَنَصَّ الإِمَامُ يُوسُفُ بنُ إِبرَاهِيمَ الأَردَبِيلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي [الأَنوَارِ لِأَعمَالِ الأَبرَارِ] عَلَى أَنَّهُ «يَصِحُّ الإِسلَامُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ».
❁ وَهٰذَا لَا يَنصُرُ قَولَ مَن يُجِيزُ التَّحرِيفَ العَمدِيَّ مَعَ القُدرَةِ؛ فَالتَّرجَمَةُ إِلَى لُغَةٍ أُخرَى إِقرَارٌ صَحِيحٌ بِلُغَةٍ أُخرَى، أَمَّا تَحرِيفُ لَفظٍ عَرَبِيٍّ مَعَ مَعرِفَةِ صَوَابِهِ وَالقُدرَةِ عَلَيهِ فَمَسأَلَةٌ أُخرَى.
*
لَا يَتَعَيَّنُ لَفظُ «مُحَمَّدٍ» إِذَا أَتَى بِاسمٍ أَو كُنيَةٍ ثَابِتَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ*
❁ نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لَفظُ «مُحَمَّدٍ» بِعَينِهِ إِذَا أَتَى المُقِرُّ بِاسمٍ أَو كُنيَةٍ مَعرُوفَةٍ ثَابِتَةٍ تُعَيِّنُ شَخصَ نَبِيِّنَا ﷺ وَتُؤَدِّي مَعنَى الإِقرَارِ بِرِسَالَتِهِ.
❁ وَقَالَ الأَردَبِيلِيُّ فِي [الأَنوَارِ لِأَعمَالِ الأَبرَارِ] مَا مَعنَاهُ: إِنَّ قَولَهُ: «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ»، أَو: «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»، كَقَولِهِ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ».
❁ وَجَاءَ فِي [حَوَاشِي الشَّروَانِيِّ عَلَى تُحفَةِ المُحتَاجِ]: «وَلَو قَالَ بَدَلَ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللهِ فِي الشَّهَادَتَينِ: أَحمَدُ، أَو أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ، كَفَاهُ».
❁ وَقَد نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ مِن زَمَنِ الإِمَامِ الحَلِيمِيِّ عَلَى أَنَّ قَولَ: «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ» يَقُومُ مَقَامَ قَولِ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» فِي الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، وَنَقَلَ ذٰلِكَ النَّوَوِيُّ فِي [رَوضَةِ الطَّالِبِينَ]، وَنَصَّ عَلَيهِ الأَردَبِيلِيُّ فِي [الأَنوَارِ]، وَالشِّربِينِيُّ فِي [مُغنِي المُحتَاجِ]، وَتَقَرَّرَ فِي شُرُوحِ المَذهَبِ وَحَوَاشِيهِ. وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ الفِقهِيِّ قَرَّرَ العلماء صَرَاحَةً أَنَّ مَن عَجَزَ عَن إِخرَاجِ الحَاءِ فِي اسمِ «مُحَمَّدٍ» يُلَقَّنُ: «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»؛ لِأَنَّهُ لَفظٌ صَحِيحٌ نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الاسمِ الشَّرِيفِ فِي هٰذَا البَابِ.
❁ وَفِي هٰذَا بَيَانٌ دَقِيقٌ لِأَصلِ المَسأَلَةِ؛ فَلَو كَانَ المَدَارُ عَلَى الحُرُوفِ نَفسِهَا فَقَط، لَمَا صَحَّ «أَحمَدُ» وَلَا «أَبُو القَاسِمِ»، وَإِنَّمَا العِبرَةُ بِأَن يَأتِيَ المُتَكَلِّمُ بِلَفظٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ وَيُثبِتُ لَهُ الرِّسَالَةَ.
❁ وَلَو كَانَ مُجَرَّدُ مَا فِي القَلبِ مِن قَصدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَافِيًا، لَمَا كَانَ لِاشتِرَاطِ النُّطقِ وَالإِقرَارِ مَعنًى. وَإِنَّمَا المَطلُوبُ مِنَ القَادِرِ أَن يَصدُرَ مِنهُ لَفظٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى إِقرَارِهِ بِنُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَرِسَالَتِهِ.
*
ثُبُوتُ اسمِ «أَحمَدَ» وَكُنيَةِ «أَبِي القَاسِمِ» لِلنَّبِيِّ ﷺ*
❁ لَيسَ قَولُ الفُقَهَاءِ بِإِجزَاءِ «أَحمَدَ» وَ«أَبِي القَاسِمِ» مُجَرَّدَ اجتِهَادٍ فِي إِيجَادِ أَلفَاظٍ بَدِيلَةٍ، بَل «أَحمَدُ» اسمٌ ثَابِتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَ«أَبُو القَاسِمِ» كُنيَةٌ ثَابِتَةٌ مَعرُوفَةٌ لَهُ ﷺ.
❁ وَرَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لَهُ قَومُهُ: لَا نَدَعُكَ تُسَمِّي بِاسمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي؛ فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقسِمُ بَينَكُم».
❁ وَرُوِيَ أَيضًا أَنَّ رَجُلًا نَادَى بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَم أَعنِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي».
❁ وَثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحمَدُ».
❁ فَإِذَا قِيلَ لِلأَعجَمِيِّ العَاجِزِ عَنِ الحَاءِ: «قُل: أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»، فَهٰذَا لَيسَ استِبدَالًا لِاسمِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفظٍ مُختَرَعٍ، بَل إِقرَارٌ بِرِسَالَتِهِ بِكُنيَةٍ صَحِيحَةٍ ثَابِتَةٍ لَهُ ﷺ.
*
أَسمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُختَرَعُ*
❁ وَمِنَ الأُصُولِ المُؤَيِّدَةِ لِهٰذَا أَنَّ أَهلَ العِلمِ قَرَّرُوا أَنَّ أَسمَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُختَرَعُ لَهُ مِنهَا مَا لَم يَثبُت، ثُمَّ يُجعَلُ ذٰلِكَ الاسمُ المُختَرَعُ فِي حُكمِ اسمِهِ الثَّابِتِ.
❁ وَقَالَ العَلَّامَةُ الشَّبرَامَلِّسِيُّ الشَّافِعِيُّ، فِي مَعنَى مَا نَقَلَهُ عَن أَهلِ العِلمِ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ اختِرَاعُ اسمٍ أَو وَصفٍ للهِ تَعَالَى، وَمِثلُهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا يُسَمَّى بِاسمٍ لَم يُسَمَّ بِهِ. وَنَقَلَ هٰذَا المَعنَى الشَّروَانِيُّ فِي [حَوَاشِيهِ عَلَى تُحفَةِ المُحتَاجِ].
❁ وَقَالَ النَّفرَاوِيُّ المَالِكِيُّ (ت ١١٢٦هـ) فِي [الفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى رِسَالَةِ ابنِ أَبِي زَيدٍ القَيرَوَانِيِّ]، عِندَ كَلَامِهِ عَلَى الأَسمَاءِ: إِنَّ أَسمَاءَ النَّبِيِّ ﷺ «تَوقِيفِيَّةٌ اتِّفَاقًا».
❁ وَإِذَا كَانَتِ الأَلفَاظُ البَدِيلَةُ الَّتِي أَجَازَهَا الفُقَهَاءُ هِيَ أَسمَاءً وَكُنًى ثَابِتَةً، كَـ«أَحمَدَ» وَ«أَبِي القَاسِمِ»، فَلَا يَصِحُّ أَن نُلحِقَ بِهَا كُلَّ لَفظٍ مُحَرَّفٍ لَم يَثبُت اسمًا لَهُ ﷺ، مِن غَيرِ دَلِيلٍ.
❁ وَهٰذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ «أَحمَدَ» اسمٌ ثَابِتٌ، وَ«أَبَا القَاسِمِ» كُنيَةٌ ثَابِتَةٌ، فَصَحَّ عِندَ الفُقَهَاءِ أَن يُستَعمَلَا فِي مَقَامِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا أَن نَجعَلَ كُلَّ صُورَةٍ مُحَرَّفَةٍ مِنَ الاسمِ اسمًا آخَرَ صَحِيحًا لَهُ ﷺ فَهٰذَا يَفتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ.
*
مَا يُقَالُ فِي «طٰه» وَ«المُصطَفَى»*
❁ وَمِمَّا ذُكِرَ فِي هٰذَا البَابِ أَنَّ أَهلَ العِلمِ لَم يَجعَلُوا كُلَّ لَقَبٍ أَو وَصفٍ يُطلَقُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَائِمًا مَقَامَ الاسمِ الصَّرِيحِ عِندَ إِرَادَتِهِ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ في الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَا صَحَّ وَصفُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ يَلزَمُ أَن يَكُونَ مِنَ الأَلفَاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ «مُحَمَّدٍ» فِي هٰذَا البَابِ.
❁ وَمِن هُنَا ذَكَرَ مَن حَرَّرَ هٰذِهِ المَسأَلَةَ أَنَّ قَولَ «طٰه رَسُولُ اللهِ» أَو «المُصطَفَى رَسُولُ اللهِ» لَا يُلحَقُ عِندَهُم بِقَولِ «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ» وَ«أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»؛ فَكَيفَ يُجعَلُ لَفظٌ مُحَرَّفٌ لَم يَرِد اسمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَولَى بِالتَّصحِيحِ مِن ذٰلِكَ؟
❁ وَوَجهُ ذٰلِكَ أَنَّ المَقصُودَ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ لَيسَ مُجَرَّدَ ذِكرِ لَفظٍ يُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفسِ القَائِلِ، بَل لَا بُدَّ أَن يَكُونَ اللَّفظُ نَفسُهُ صَالِحًا لِلدَّلَالَةِ عَلَيهِ وَتَعيِينِهِ فِي مَقَامِ الإِقرَارِ بِرِسَالَتِهِ؛ وَلِهٰذَا صَحَّ عِندَ الفُقَهَاءِ قَولُ «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ» وَ«أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»، لِثُبُوتِ هٰذَينِ اللَّفظَينِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَدَلَالَتِهِمَا عَلَيهِ. فَإِذَا لَم يُكتَفَ فِي هٰذَا البَابِ بِمُجَرَّدِ لَقَبٍ أَو وَصفٍ، مَعَ صِحَّةِ إِطلَاقِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصدِهِ بِهِ، فَاللَّفظُ المُحَرَّفُ الَّذِي لَم يَثبُت اسمًا وَلَا كُنيَةً لَهُ ﷺ أَولَى بِأَلَّا يُجعَلَ قَائِمًا مَقَامَ اسمِهِ الصَّحِيحِ فِي حَقِّ مَن يَعرِفُ الصَّوَابَ وَيَقدِرُ عَلَى النُّطقِ بِهِ.
*
الفَرقُ بَينَ «مُحَمَّدٍ» وَ«مُهَمَّدٍ» فِي اللِّسَانِ العَرَبِيِّ*
❁ اسمُ نَبِيِّنَا ﷺ هُوَ «مُحَمَّدٌ» بِالحَاءِ، وَالحَاءُ وَالهَاءُ حَرفَانِ مُتَمَايِزَانِ فِي اللِّسَانِ العَرَبِيِّ؛ فَلَيسَ إِبدَالُ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ مُجَرَّدَ اختِلَافٍ فِي الرَّسمِ، بَل هُوَ تَغيِيرٌ فِي بِنيَةِ اللَّفظِ.
❁ فَاسمُ «مُحَمَّدٍ» مَبنِيٌّ عَلَى مَادَّةِ «ح م د»، وَهِيَ مَادَّةُ الحَمدِ، وَأَمَّا «ه م د» فَمَادَّةٌ أُخرَى فِي العَرَبِيَّةِ. وَقَد ذَكَرَ الزَّبِيدِيُّ (ت ١٢٠٥هـ) فِي [تَاجِ العَرُوسِ] فِي مَادَّةِ «هَمَدَ» أَنَّ «الهُمُودَ» يَأتِي لِلمَوتِ وَالهَلَاكِ وَطُفُوءِ النَّارِ وَذَهَابِ أَثَرِهَا. فَلَيسَ إِبدَالُ الحَاءِ هَاءً إِبقَاءً لِلَّفظِ العَرَبِيِّ عَلَى حَالِهِ، بَل نَقلٌ لَهُ مِن مَادَّةٍ إِلَى مَادَّةٍ أُخرَى.
❁ فالحَاءُ وَالهَاءُ حَرفَانِ مُستَقِلَّانِ مُتَمَايِزَانِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَلِكُلٍّ مِنهُمَا مَخرَجُهُ وَصِفَتُهُ. وَمِن ثَمَّ، فَمَن كَانَ يَعلَمُ أَنَّ اسمَ النَّبِيِّ ﷺ «مُحَمَّدٌ»، وَيَقدِرُ عَلَى إِخرَاجِ الحَاءِ صَحِيحَةً، ثُمَّ يَعمِدُ إِلَى إِبدَالِهَا هَاءً، فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ نَطَقَ بِالاسمِ العَرَبِيِّ الصَّحِيحِ نَفسِهِ؛ لِأَنَّ «مُحَمَّدًا» غَيرُ «مُهَمَّدٍ» لَفظًا ومَعنىً.
❁ وَمَعَ ذٰلِكَ لَا يَلزَمُ مِن هٰذَا أَن يَتَعَيَّنَ «مُحَمَّدٌ» دُونَ كُلِّ لَفظٍ آخَرَ؛ فَلَهُ أَن يَقُولَ «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ»، أَو «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»، عَلَى مَا نَصَّ عَلَيهِ الفُقَهَاءُ؛ لِأَنَّ هٰذَينِ اسمٌ وَكُنيَةٌ مَعرُوفَانِ لِنَبِيِّنَا ﷺ ولِأَنَّ المَقصُودَ هُوَ تَحَقُّقُ الإِقرَارِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ بِلَفظٍ صَحِيحٍ دَالٍّ عَلَيهِ.
*
لَا يَكفِي مُجَرَّدُ القَصدِ البَاطِنِ لِلقَادِرِ*
❁ قَد يَقُولُ قَائِلٌ: «هٰذَا الرَّجُلُ لَم يُرِد بِقَولِهِ مُهَمَّدًا رَجُلًا آخَرَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ فِي قَلبِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ، فَلِمَاذَا لَا نَحكُمُ بِصِحَّةِ إِقرَارِهِ؟».
❁ وَالجَوَابُ: أَنَّ المَسأَلَةَ لَيسَت فِي إِثبَاتِ مَا فِي قَلبِهِ فَقَط؛ فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ القَصدِ البَاطِنِ كَافِيًا فِي حَقِّ القَادِرِ، لَم يَكُن لِاشتِرَاطِ الإِقرَارِ بِاللِّسَانِ مَعنًى.
❁ وَقَد فَرَّقَ الفُقَهَاءُ بَينَ الأَلفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الإِسلَامِ وَالأَلفَاظِ الَّتِي لَا تَكفِي فِي إِظهَارِهِ، فَلَم يَجعَلُوا كُلَّ عِبَارَةٍ يَحتَمِلُ قَائِلُهَا أَن يَكُونَ قَاصِدًا الإِسلَامَ كَافِيَةً فِي نَفسِهَا.
❁ فمِن أَقوَى مَا يُجِيبُ عَن شُبهَةِ «إِنَّمَا يَقصِدُ مُحَمَّدًا فِي قَلبِهِ» أَنَّ الفُقَهَاءَ لَم يَجعَلُوا كُلَّ لَفظٍ يَحتَمِلُ قَصدَ الإِسلَامِ كَافِيًا فِي الدُّخُولِ فِيهِ.
❁ فَقَد ذَكَرَ الشَّروَانِيُّ فِي [حَوَاشِيهِ عَلَى تُحفَةِ المُحتَاجِ] أَنَّ بَعضَ الأَلفَاظِ، كَقَولِ الكَافِرِ: «أَنَا مِنكُم»، أَو: «مِثلُكُم»، أَو: «وَلِيُّ مُحَمَّدٍ»، أَو: «أُحِبُّهُ»، لَا تَكفِي وَحدَهَا اعتِرَافًا بِالإِسلَامِ؛ لِأَنَّهَا تَحتَمِلُ غَيرَ الإِقرَارِ المَطلُوبِ، فَلَو كَانَ القَصدُ البَاطِنُ مُغنِيًا عَن دَلَالَةِ اللَّفظِ، لَم يَكُن لِهٰذَا التَّفرِيقِ مَعنًى.
❁ فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ القَصدِ لَا يُغنِي فِي هٰذِهِ الأَلفَاظِ عَن وُجُودِ دَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَكَيفَ يُقَالُ: إِنَّ مَن كَانَ قَادِرًا عَلَى أَن يَقُولَ «مُحَمَّدًا»، ثُمَّ تَعَمَّدَ أَن يَقُولَ «مُهَمَّدًا»، فَقَد أَتَى بِعَينِ الشَّهَادَةِ الصَّحِيحَةِ، مِن غَيرِ أَن يُطَالَبَ بِلَفظٍ صَحِيحٍ يُحَقِّقُ مَعنَى الإِقرَارِ؟
❁ وَعَلَيهِ، فَمَن كَانَ يَعرِفُ اللَّفظَ الصَّحِيحَ، وَيَقدِرُ عَلَى النُّطقِ بِهِ، ثُمَّ تَعَمَّدَ تَركَهُ، فَلَا يَكفِي فِي حَقِّهِ أَن يُقَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يَقصِدُ فِي قَلبِهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ»؛ لِأَنَّ القَادِرَ عِندَ إِرَادَتِهِ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ مَطلُوبٌ مِنهُ أَن يُظهِرَ إِقرَارَهُ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفظٍ صَحِيحٍ دَالٍّ عَلَيهِ، وَلَا يَكفِي مُجَرَّدُ القَصدِ البَاطِنِ مَعَ تَعَمُّدِ تَركِ اللَّفظِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَقدِرُ عَلَيهِ.
❁ ونَقُولُ: لَو كَانَ مُجَرَّدُ القَصدِ فِي القَلبِ كَافِيًا لِلقَادِرِ عَلَى النُّطقِ، لَمَا كَانَ لِاشتِرَاطِ النُّطقِ بِاللِّسَانِ مَعنًى، وَلَمَا فَرَّقَ الفُقَهَاءُ بَينَ الأَلفَاظِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا إِظهَارُ الإِسلَامِ وَالأَلفَاظِ الَّتِي لَا تَكفِي لِذٰلِكَ؛ فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ القَصدَ البَاطِنَ لَا يُغنِي، فِي حَقِّ القَادِرِ، عَن لَفظٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى الإِقرَارِ المَطلُوبِ.
*
حُكمُ الأَعجَمِيِّ الَّذِي لَا يُحسِنُ الحَاءَ*
❁ أَمَّا الأَعجَمِيُّ الَّذِي لَا يُحسِنُ إِخرَاجَ حَرفِ الحَاءِ، وَيَجرِي عَلَى لِسَانِهِ إِبدَالُهَا هَاءً أَو غَيرَهَا مِنَ الحُرُوفِ، فَلَا يُجعَلُ فِي حُكمِ مَن يَعرِفُ النُّطقَ الصَّحِيحَ وَيَقدِرُ عَلَيهِ ثُمَّ يَتَعَمَّدُ تَركَهُ؛ لِأَنَّ هٰذَا عَاجِزٌ عَن إِخرَاجِ الحَرفِ عَلَى وَجهِهِ الصَّحِيحِ، وَحُكمُ العَاجِزِ غَيرُ حُكمِ القَادِرِ.
❁ فَإِذَا أَرَادَ هٰذَا الأَعجَمِيُّ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ، وَلَم يُحسِن نُطقَ اسمِ «مُحَمَّدٍ» بِالحَاءِ، عُلِّمَ النُّطقَ الصَّحِيحَ وَدُرِّبَ عَلَيهِ بِقَدرِ استِطَاعَتِهِ؛ فَإِن عَجَزَ عَن ذٰلِكَ، عُلِّمَ لَفظًا آخَرَ صَحِيحًا يَدُلُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، كَقَولِهِ: «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ» أَو «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ».
❁ فَإِن لَم يُحسِن نُطقَ اسمِ «مُحَمَّدٍ» بِالحَاءِ، قِيلَ لَهُ: «قُل: أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»؛ لِأَنَّ «أَبَا القَاسِمِ» كُنيَةٌ ثَابِتَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَد نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَولَ «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ» يَقُومُ مَقَامَ قَولِ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» فِي هٰذَا البَابِ.
❁ وَإِن لَم يَكُن يَعرِفُ أَنَّ «أَبَا القَاسِمِ» هُوَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، عُلِّمَ ذٰلِكَ وَبُيِّنَ لَهُ؛ حَتَّى يَكُونَ إِقرَارُهُ بِالرِّسَالَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى وَجهِ التَّعيِينِ.
❁ فَإِن عَجَزَ بَعدَ ذٰلِكَ عَنِ النُّطقِ بِلَفظٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَم يُطَاوِعهُ لِسَانُهُ عَلَى ذٰلِكَ، أَو لَم يَعرِفِ الصَّوَابَ وَلَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ إِيَّاهُ، فَلَا يُجعَلُ فِي حُكمِ القَادِرِ العَالِمِ؛ بَل لَهُ حُكمُ العَاجِزِ أَو مَن لَم يَتَمَكَّن مِنَ الإِتيَانِ بِالصَّوَابِ. وَقَد تَقَدَّمَ نَصُّ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي استِثنَاءِ مَن عَجَزَ عَنِ النُّطقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ، أَو لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، أَو لِغَيرِ ذٰلِكَ.
*
العَجزُ لَا يَنحَصِرُ فِي الخَرَسِ*
❁ وَلَيسَ العَجزُ المُعتَبَرُ مَقصُورًا عَلَى مَن وُلِدَ أَخرَسَ، بَل يَدخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن لَم يَتَمَكَّن مِنَ النُّطقِ لِسَبَبٍ يَمنَعُهُ مِنهُ، كَخَلَلٍ فِي اللِّسَانِ، أَو شِدَّةِ مَرَضٍ، أَو مُعَاجَلَةِ المَنِيَّةِ، أَو نَحوِ ذٰلِكَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ عَدَمُ القُدرَةِ عَلَى النُّطقِ.
❁ وَقَد عَبَّرَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَن هٰذَا بِعِبَارَةٍ وَاسِعَةٍ، فَقَالَ: «إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ النُّطقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ، أَو لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ لِمُعَاجَلَةِ المَنِيَّةِ، أَو لِغَيرِ ذٰلِكَ».
❁ فَقَولُهُ: «أَو لِغَيرِ ذٰلِكَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحُكمَ لَا يَختَصُّ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِن صُوَرِ العَجزِ وَعَدَمِ التَّمَكُّنِ؛ فَقَد يَكُونُ ذٰلِكَ لِعَجزٍ فِي اللِّسَانِ، وَقَد يَكُونُ لِجَهلِهِ بِالنُّطقِ الصَّحِيحِ لِعَدَمِ تَعَلُّمِهِ، أَو لِأَنَّهُ لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ الصَّوَابَ، فَلَا يُجعَلُ هٰذَا فِي حُكمِ مَن عَلِمَ الصَّوَابَ وَقَدَرَ عَلَيهِ ثُمَّ تَعَمَّدَ تَركَهُ.
*
حُكمُ مَن لَم يَعرِفِ الصَّوَابَ أَو لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ*
❁ وَيَنبَغِي هُنَا التَّفرِيقُ بَينَ مَن عَلِمَ الصَّوَابَ وَقَدَرَ عَلَيهِ، وَبَينَ مَن لَم يَعلَمهُ أَصلًا، أَو لَم يَبلُغهُ، أَو لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ.
❁ فَمَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ وَكَانَ صَادِقًا فِي إِيمَانِهِ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَبِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَكِنَّهُ لَم يَعرِفِ النُّطقَ الصَّحِيحَ، وَلَم يَجِد مَن يُبَيِّنُهُ لَهُ، وَظَنَّ أَنَّ قَولَ «مُهَمَّدٍ» هُوَ الصَّوَابُ، فَلَا يُجعَلُ هٰذَا فِي حُكمِ القَادِرِ العَالِمِ المُتَعَمِّدِ لِتَركِ الصَّوَابِ.
❁ بَل هٰذَا مِن جِهَةِ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن مَعرِفَةِ الصَّوَابِ فِي مِثلِ حُكمِ العَاجِزِ؛ لِأَنَّ العَجزَ قَد يَكُونُ عَجزًا عَنِ النُّطقِ، وَقَد يَكُونُ عَدَمَ تَمَكُّنٍ مِنَ التَّعَلُّمِ وَمَعرِفَةِ مَا يُطَالَبُ بِهِ.
❁ وَمِن ثَمَّ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُنسَبَ إِلَينَا أَنَّنَا نَحكُمُ عَلَى كُلِّ مَن خَرَجَتِ الهَاءُ مِن لِسَانِهِ مَكَانَ الحَاءِ بِحُكمٍ وَاحِدٍ دُونَ تَفصِيلٍ؛ فَهٰذَا خِلَافُ مَا نُقَرِّرُهُ.
*
مَن عَجَزَ عَنِ النُّطقِ كَفَاهُ مَا استَطَاعَ، وَالعَاجِزُ لَهُ حُكمٌ خَاصٌّ*
❁ إِذَا عَجَزَ الإِنسَانُ عَنِ النُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ لِعِلَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، فَلَا يُكَلَّفُ مَا لَا يُطِيقُ، وَتَكُونُ حَالُهُ حَالًا خَاصَّةً مُختَلِفَةً عَن حَالِ القَادِرِ، وَهٰذَا هُوَ مَعنَى استِثنَاءِ النَّوَوِيِّ وَغَيرِهِ لِمَن عَجَزَ عَنِ النُّطقِ.
❁ وَعَلَى هٰذَا، فَمَن عَجَزَ عَنِ النُّطقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ، أَو عَجَزَ عَن لَفظِ «مُحَمَّدٍ» وَعَن كُلِّ بَدِيلٍ صَحِيحٍ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَا يُحمَلُ عَلَيهِ الحُكمُ العَامُّ فِي القَادِرِ، وَلَا يُجعَلُ عَجزُهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ القَادِرَ يَجُوزُ لَهُ تَركُ النُّطقِ الصَّحِيحِ.
❁ وَهٰذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ الِاستِدلَالَ بِالعَاجِزِ لِتَصحِيحِ فِعلِ القَادِرِ استِدلَالٌ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، فَاحتِجَاجُ مَن يُصَحِّحُ فِعلَ القَادِرِ بِحَالِ العَاجِزِ كَاحتِجَاجِ مَن يَقُولُ: إِنَّ أَكلَ المَيتَةِ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ اللهَ أَبَاحَهَا لِلمُضطَرِّ! فَحُكمُ الضَّرُورَةِ لَا يُنقَضُ بِهِ حُكمُ الِاختِيَارِ، وَحُكمُ العَاجِزِ لَا يُجعَلُ حُجَّةً عَلَى القَادِرِ.
*
سُبُلُ تَعَلُّمِ النُّطقِ الصَّحِيحِ مُتَيَسِّرَةٌ*
❁ وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنبِيهُ عَلَيهِ أَنَّ تَعَلُّمَ النُّطقِ الصَّحِيحِ لِاسمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَيسَ أَمرًا مُتَعَذِّرًا فِي العَادَةِ عَلَى مَن طَلَبَ التَّعَلُّمَ وَوَجَدَ مَن يُعَلِّمُهُ.
❁ فَأَئِمَّةُ المَسَاجِدِ وَمُعَلِّمُو القُرآنِ وَأَسَاتِذَةُ العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ وَالمُؤَذِّنُونَ مُنتَشِرُونَ فِي بِلَادِ المُسلِمِينَ، عَرَبِيِّهَا وَغَيرِ عَرَبِيِّهَا، وَهُم يُقرِئُونَ القُرآنَ، وَيُعَلِّمُونَ الفَاتِحَةَ، وَيُؤَذِّنُونَ، وَيَذكُرُونَ اسمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخُطَبِ وَالدُّرُوسِ وَمَجَالِسِ السِّيرَةِ وَالشَّمَائِلِ وَالمُنَاسَبَاتِ الدِّينِيَّةِ.
❁ فَمَن أَرَادَ تَعَلُّمَ مَخرَجِ الحَاءِ وَنُطقِ اسمِ «مُحَمَّدٍ» صَحِيحًا، فَبَابُ التَّعَلُّمِ وَاسِعٌ مَفتُوحٌ لَهُ فِي أَكثَرِ الأَحوَالِ، وَمَن عَجَزَ بَعدَ بَذلِ وُسعِهِ فَلِلعَاجِزِ حُكمُهُ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
*
مَا الَّذِي نُنكِرُهُ عَلَى مَن يُصَحِّحُ «مُهَمَّدًا» مُطلَقًا؟*
❁ لَا نُنكِرُ عَلَى مَن يَعذُرُ الأَعجَمِيَّ العَاجِزَ عَن إِخرَاجِ الحَاءِ، إِذَا لَم يَجِد مَن يُرشِدُهُ إِلَى النُّطقِ الصَّحِيحِ أَو يُعَلِّمُهُ لَفظًا بَدِيلًا يَصِحُّ بِهِ إِقرَارُهُ، وَلَا عَلَى مَن يَعذُرُ الأَخرَسَ، أَوِ المَرِيضَ، أَو مَن عَاجَلَتهُ المَنِيَّةُ، وَلَا عَلَى مَن يَعذُرُ الجَاهِلَ الَّذِي لَم يَعرِفِ الصَّوَابَ، أَو لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ إِيَّاهُ.
❁ وَإِنَّمَا الإِنكَارُ عَلَى مَن يَدَّعِي أَنَّ مَن عَرَفَ أَنَّ اسمَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ «مُحَمَّدٌ» بِالحَاءِ، وَأَحسَنَ نُطقَ الحَاءِ، وَقَدَرَ عَلَى النُّطقِ بِالاسمِ نُطقًا صَحِيحًا، وَبُيِّنَ لَهُ وَجهُ الصَّوَابِ، ثُمَّ تَعَمَّدَ عِندَ إِرَادَتِهِ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ أَن يَقُولَ: «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» بِالهَاءِ، فَإِنَّ ذٰلِكَ يَكفِي فِي تَحَقُّقِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَقُومُ مَقَامَ قَولِهِ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»؛ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَقصِدُ فِي قَلبِهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ. فَهٰذِهِ هِيَ الدَّعوَى الَّتِي نَطلُبُ عَلَيهَا الدَّلِيلَ.
❁ فَمَن يَدَّعِي صِحَّةَ هٰذِهِ الصُّورَةِ بِعَينِهَا فَهُوَ المُطَالَبُ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيهَا؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ قَد دَلَّت عَلَى أَنَّ القَادِرَ يُطَالَبُ بِإِظهَارِ إِقرَارِهِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ بِلَفظٍ صَحِيحٍ دَالٍّ عَلَى المَعنَى، وَأَنَّ مَا يَقُومُ مَقَامَ لَفظِ «مُحَمَّدٍ» إِنَّمَا يُجزِئُ إِذَا كَانَ لَفظًا صَحِيحًا يُعَيِّنُ النَّبِيَّ ﷺ وَيُؤَدِّي مَعنَى الإِقرَارِ بِرِسَالَتِهِ.
❁ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١١١].
❁ وَالقَاعِدَةُ المَعرُوفَةُ أَنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي؛ فَمَن ادَّعَى أَنَّ لَفظًا مُحَرَّفًا عَنِ الاسمِ الثَّابِتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَقُومُ مَقَامَهُ، مَعَ عِلمِ القَائِلِ بِاللَّفظِ الصَّحِيحِ وَقُدرَتِهِ عَلَى النُّطقِ بِهِ، فَعَلَيهِ أَن يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ بِعَينِهَا مِن كَلَامِ أَهلِ العِلمِ؛ إِذ لَا يَصِحُّ إِلحَاقُهَا بِصُوَرٍ أُخرَى تُخَالِفُهَا فِي حَقِيقَتِهَا وَحُكمِهَا.
❁ فَلَا يَكفِي فِي إِثبَاتِ ذٰلِكَ الِاحتِجَاجُ بِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ يَصِحُّ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّ التَّرجَمَةَ الصَّحِيحَةَ نَقلٌ لِلمَعنَى إِلَى لُغَةٍ أُخرَى، أَمَّا تَحرِيفُ الاسمِ فَلَيسَ تَرجَمَةً لَهُ. وَلَا يُحتَجُّ بِصِحَّةِ قَولِ: «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ» أَو «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»؛ لِأَنَّ «أَحمَدَ» اسمٌ ثَابِتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَ«أَبَا القَاسِمِ» كُنيَةٌ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَقَد نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى كِفَايَتِهِمَا فِي هٰذَا البَابِ. وَلَا يُحتَجُّ بِحَالِ العَاجِزِ عَنِ النُّطقِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ لِلعَاجِزِ حُكمًا يَختَصُّ بِعَجزِهِ، فَلَا يُنقَلُ حُكمُهُ إِلَى مَن عَرَفَ الصَّوَابَ وَقَدَرَ عَلَيهِ ثُمَّ تَعَمَّدَ تَركَهُ.
❁ وَمَثَلُ ذٰلِكَ مَثَلُ مَن سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: «أَكلُ المَيتَةِ حَرَامٌ»، فَاعتَرَضَ عَلَيهِ بِقَولِهِ: «بَل هُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ المُضطَرَّ يَجُوزُ لَهُ أَكلُهَا»! فَلَا حُكمُ المُضطَرِّ يُبطِلُ الحُكمَ الأَصلِيَّ، وَلَا حُكمُ العَاجِزِ يُلغِي مَا يُطَالَبُ بِهِ القَادِرُ. وَمِن هُنَا كَانَ الِاحتِجَاجُ بِالأَعجَمِيِّ الَّذِي لَا يَقدِرُ عَلَى الحَاءِ عَلَى تَصحِيحِ نُطقِ مَن يَقدِرُ عَلَيهَا وَيَعرِفُهَا احتِجَاجًا فِي غَيرِ مَحَلِّهِ.
❁ فَهٰذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ مُختَلِفَةٌ: تَرجَمَةٌ صَحِيحَةٌ تُؤَدِّي المَعنَى، وَلَفظٌ بَدِيلٌ ثَابِتٌ يَدُلُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَعَاجِزٌ لَهُ حُكمُهُ الخَاصُّ؛ وَلَيسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القَادِرَ العَالِمَ يَجُوزُ لَهُ أَن يَعدِلَ عَنِ الاسمِ الصَّحِيحِ إِلَى لَفظٍ مُحَرَّفٍ، ثُمَّ يُجعَلَ ذٰلِكَ اللَّفظُ قَائِمًا مَقَامَ الاسمِ الثَّابِتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَيَنبَغِي التَّنبِيهُ هُنَا إِلَى أَنَّ هٰذَا الحُكمَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَن كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطقِ الصَّحِيحِ بِاسمِ «مُحَمَّدٍ» بِالحَاءِ، وَعَالِمًا بِوَجهِ الصَّوَابِ، مُتَمَكِّنًا مِنَ الإِتيَانِ بِهِ، ثُمَّ تَعَمَّدَ أَن يَقُولَ: «مُهَمَّدًا» بِالهَاءِ بَدَلَ «مُحَمَّدٍ».
❁ أَمَّا مَن عَجَزَ عَن إِخرَاجِ الحَاءِ عَجزًا حَقِيقِيًّا، ولَم يَكُن يَعلَمُ وَجهَ النُّطقِ الصَّحِيحِ، ولَم يَبلُغهُ مَن يُعَلِّمُهُ الصَّوَابَ، وكَانَ يَظُنُّ لِجَهلِهِ أَنَّ قَولَهُ: «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» كَافٍ فِي الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، وَأَنَّهُ بِذٰلِكَ يُقِرُّ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يُجعَلُ فِي حُكمِ مَن عَرَفَ الصَّوَابَ وَقَدَرَ عَلَيهِ ثُمَّ تَرَكَهُ؛ بَل هٰذَا فِي مِثلِ حُكمِ العَاجِزِ فِي هٰذَا البَابِ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الإِتيَانِ بِالصَّوَابِ عَلَى وَجهِهِ، إِمَّا لِعَجزِ لِسَانِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ عِلمِهِ بِوَجهِ الصَّوَابِ وَعَدَمِ مَن يُعَلِّمُهُ.
*
الخُلَاصَةُ وَالنَّتِيجَةُ*
❁ خُلَاصَةُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطقِ، فَالأَصلُ أَن يُقِرَّ بِوَحدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَبِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، مَعَ الِاعتِقَادِ الصَّحِيحِ الجَازِمِ.
❁ وَيَصِحُّ الإِقرَارُ بِغَيرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إِذَا أَدَّى المَعنَى الصَّحِيحَ، وَيَصِحُّ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ أَن يَقُولَ: «أَحمَدُ رَسُولُ اللهِ»، أَو: «أَبُو القَاسِمِ رَسُولُ اللهِ»، لِثُبُوتِ هٰذَينِ اللَّفظَينِ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَنَصِّ الفُقَهَاءِ عَلَى كِفَايَتِهِمَا.
❁ وَأَمَّا مَن عَجَزَ عَنِ النُّطقِ الصَّحِيحِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ، أَو لِمَرَضٍ، أَو لِمُعَاجَلَةِ المَنِيَّةِ، أَو لِغَيرِ ذٰلِكَ مِن وُجُوهِ العَجزِ، فَلَهُ حُكمُ العَاجِزِ، وَلَا يُجعَلُ فِي حُكمِ القَادِرِ.
❁ وَكَذٰلِكَ مَن لَم يَعرِفِ الصَّوَابَ، أَو لَم يَسمَعهُ، أَو لَم يَبلُغهُ، أَو لَم يَجِد مَن يُعَلِّمُهُ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ قَولَهُ «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» هُوَ النُّطقُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَن إِيمَانِهِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَا يُسَوَّى بِمَن عَلِمَ وَقَدَرَ وَتَعَمَّدَ تَركَ الصَّوَابِ، بَل هٰذَا فِي مِثلِ حُكمِ العَاجِزِ مِن جِهَةِ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الصَّوَابِ.
❁ وَأَمَّا مَن عَرَفَ أَنَّ اسمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ «مُحَمَّدٌ» بِالحَاءِ، وَعُلِّمَ النُّطقَ الصَّحِيحَ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيهِ، ثُمَّ تَعَمَّدَ أَن يَقُولَ فِي مَقَامِ الدخولِ في إِسلَامِهِ: «مُهَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» بِالهَاءِ، وَلَم يَأتِ بِلَفظٍ صَحِيحٍ آخَرَ كَـ«أَحمَدَ» أَو «أَبِي القَاسِمِ»، فَلَا يَكفِي فِي تَصحِيحِ إِقرَارِهِ أَن يُقَالَ: «إِنَّهُ يَقصِدُ فِي قَلبِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ»؛ لِأَنَّ القَادِرَ مَطلُوبٌ مِنهُ إِقرَارٌ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَا اعتَقَدَهُ فِي قَلبِهِ.
❁ وَأَمَّا الِاحتِجَاجُ بِالعَاجِزِ، أَو بِالجَاهِلِ، أَو بِصِحَّةِ التَّرجَمَةِ إِلَى اللُّغَاتِ الأُخرَى، أَو بِجَوَازِ قَولِ «أَحمَدَ» وَ«أَبِي القَاسِمِ»، فَلَا يُثبِتُ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا صُوَرٌ مُغَايِرَةٌ لِلصُّورَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
❁ وَبِهٰذَا يَزُولُ اللَّبسُ، وَيَتَّضِحُ الفَرقُ بَينَ القَادِرِ وَالعَاجِزِ، وَبَينَ العَالِمِ وَالجَاهِلِ، وَبَينَ التَّرجَمَةِ الصَّحِيحَةِ وَالتَّحرِيفِ، وَبَينَ الاسمِ وَالكُنيَةِ الثَّابِتَينِ وَبَينَ اللَّفظِ الَّذِي لَم يَثبُت اسمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
❁ وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ، وَهُوَ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغ



![الرَّدُّ على عبدالقادر حُسين - مُحمَّد سعيد رمضان البُوطي كان وضع كتابًا سمَّاه [كُبرَى اليقينيَّات] سمَّى اللهَ تعالَى-](https://lataef.blog/wp-content/uploads/2026/08/image-43.png)
اترك رد