اعلم أن الدلالة مثلثة الدال، والأفصح فتحها، ثم كسرها، وأردؤها الضم، وهي في الاصطلاح: فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمر بالفعل أو لم يفهم.
وفهم الأمر من الأمر واضح كفهم المسميات من فهم المراد بأسمائها. وكونه بحيث يفهم منه أمر أو لم يفهم كعدم شق أخوة يوسف قميصه لما جعلوا عليه دم السخلة ليكون الدم قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب. فنظر يعقوب إلى القميص فإذا هو ملطخ بالدم ولا شق فيه، فعلم أن عدم شق القميص فيه الدلالة الواضحة على كذبهم. وإن لم يفهموا بالفعل ذلك الأمر الدال عليه. فقال يعقوب سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه.
قال الشيخ الحنفي(١): «اعلم أن أقسام الدلالة ستة؛ لأن الدال لفظ وغيره، ودلالة كل منهما وضعية وعقلية وطبيعية، فدلالة اللفظ وضعًا كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وعقلًا كدلالة اللفظ على لافظه، وطبعًا كدلالة أحّ على وجع الصدر، ودلالة غير اللفظ وضعًا كدلالة الإشارة بالرأس أو العين على معنى نعم أو لا، وعقلًا كدلالة الأثر على المؤثر، وطبعًا كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل» اهـ.
[1 حاشية الحنفي على شرح الشيخ زكرياء الانصاري على ايساغوجي ض 14 طبعة مصطفى الباجي الحلبي بمصر]
فهذه الأقسام من الدلالة يمكن للإنسان أن يستخدمها ليعرف معاني معينة، فهذه الدلالات تبين للإنسان معاني معينة بحسب ما تدل عليه، ودلالة التعريف هي دلالة وضعية، والمقصود بذلك إن قلنا الإنسان يدل وضعًا على الحيوان الناطق، أو أن نقول إن قولنا الحيوان الناطق يدل وضعًا على الإنسان، فهما متساويان، والدلالة الوضعية ليست دلالة عقلية محضة، فقولنا «الحيوان الناطق» لا يدل دلالة عقلية على معنى الإنسان، معنى ذلك أن واضع اللغة كان يمكن أن يضع ألفاظًا أخرى تدل على معنى الإنسان، لأن الوضع تابع للإرادة، وما يكون تابعًا للإرادة، فإنه بالنظر لذاته يمكن زواله.
كيف نعرف معنى اللفظ: بالوضع أم بالعقل؟
قد يقال: إذا كانت الدلالة الوضعية تعتمد على الوضع، والوضع تابع لإرادة واضع اللغة واختياره، فكيف عرفنا معنى لفظ «الإنسان»؟ وهل معرفة معنى الإنسان جاءت أيضًا عن طريق الوضع اللغوي؟
والجواب أن هناك فرقًا بين معرفة المعنى نفسه وبين معرفة أن لفظًا معينًا يدل على ذلك المعنى.
فمثلًا، عندما نقول:
«الإنسان» يدل على «الحيوان الناطق».
فهنا أمران:
- معرفة معنى الإنسان، أي معرفة حقيقة الإنسان أو تصوره في الذهن.
- معرفة أن لفظ «الإنسان» موضوع للدلالة على هذا المعنى.
فالأول لا يلزم أن يكون عن طريق الوضع اللغوي؛ إذ يمكن للعقل أن يتصور المعنى ويعرفه. أما الثاني فهو الذي يسمى دلالة وضعية؛ لأن أهل اللغة اصطلحوا على استعمال لفظ «الإنسان» للدلالة على هذا المعنى.
ولهذا نقول إن الوضع تابع للإرادة؛ أي إن اختيار لفظ معين للدلالة على معنى معين ليس أمرًا عقليًا ضروريًا. فليس هناك ما يوجب عقلًا أن يسمى الحيوان الناطق «إنسانًا»، بل كان يمكن أن يوضع له لفظ آخر. لكن بعد أن استقر الوضع اللغوي، صار لفظ «الإنسان» يدل على هذا المعنى بحسب ذلك الوضع.
فالخلاصة:
معرفة المعنى شيء، ومعرفة اللفظ الموضوع لذلك المعنى شيء آخر. والوضع إنما يتعلق بالثاني، لا بأن أصل المعنى نفسه لا يمكن معرفته إلا بالوضع.
فإذا كانت معرفة معنى الإنسان متوقفة على الوضع اللغوي، للزم أن يستحيل علينا تصور معنى الإنسان في العقل قبل معرفة اللفظ الموضوع له. لكن هذا باطل؛ لأننا نستطيع أن نتصور معنى الإنسان في أذهاننا، ونعرفه بالعقل، دون أن نعرف اللفظ الذي وضعته اللغة للدلالة عليه. فدل ذلك على أن تصور المعنى ومعرفته لا يتوقفان على الوضع اللغوي، وإنما الذي يتوقف على الوضع هو معرفة دلالة اللفظ على ذلك المعنى.
فمثلًا: يمكننا أن نتصور معنى «الإنسان» في الذهن، ثم نعلم أن لفظ «الإنسان» أو عبارة «الحيوان الناطق» قد وُضعت في اللغة للدلالة على هذا المعنى. فالوضع يتعلق باللفظ ودلالته على المعنى، وليس بأصل تصور المعنى في العقل.

![الرَّدُّ على عبدالقادر حُسين - مُحمَّد سعيد رمضان البُوطي كان وضع كتابًا سمَّاه [كُبرَى اليقينيَّات] سمَّى اللهَ تعالَى-](https://lataef.blog/wp-content/uploads/2026/08/image-43.png)


اترك رد