حَلُّ أَلْفَاظِ الْقَوَاعِدِ الَّتِـى يُعْرَفُ بِـهَا الْكُفْرُ لفضيلة الشيخ الدكتور نبيل الشريف

📅

|

👁️

6 views

|

❤️

مُقَدِّمَةٌُ

(بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْـمٰنِ الرَّحِيمِ)

أَىْ أَبْتَدِئُ تَصْنِيفِـىَ لِـهَذَا الْكِـتَابِ بِقَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْـمـٰنِ الرَّحِيمِ وَأُثْنِـى عَلَى اللَّـهِ عَلَى نِعَمِهِ بِقَوْلِ (الْـحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِيـنَ) أَىِ الْمَالِكِ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِـى الْوُجُودِ (لَهُ الـنِّـعْمَةُ) أَىِ الْمَالِكُ لِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِـهَا عَلَى عِبَادِهِ (وَلَهُ الْفَضْلُ) أَىِ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِـمَا أَنْعَمَ عَلَـيْهِمْ مِنْ غَـيْـرِ وُجُوبِ شَىْءٍ عَلَـيْهِ وَهُوَ تَعَالَـى الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِيـنَ بِأَنْ وَفَّـقَهُمْ لِلطَّاعَاتِ وَهُوَ الَّذِى يُـجَازِيهِمْ عَلَـيْهَا بِالـنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِـى الآخِرَةِ (وَلَهُ الثَّـنَاءُ) أَىِ الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّــنَاءِ (الْـحَسَنِ وَصَلَوَاتُ اللَّـهِ الْـبَـرِّ) أَىِ الْمُحْسِنِ إِلَـى عِبَادِهِ (الرَّحِيمِ) بِـهِمْ (وَ)صَلَوَاتُ (الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِيـنَ) عِنْدَ اللَّـهِ (عَلَى سَيِّدِنَـا مُـحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْمُرْسَلِيـنَ) أَىْ أَعْظَمِ الأَنْبِيَاءِ قَدْرًا، وَالصَّلاةُ مِنَ اللَّـهِ عَلَى الـنَّبِـىِّ تَعْظِيمٌ وَرِفْعَةُ قَدْرٍ أَمَّا مِنَ الْمَلائِكَةِ فَهِىَ دُعَاءٌ لِلـنَّبِـىِّ ﷺ فَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَـيْهِ (وَعَلَى ءَالِهِ) أَىْ أَزْوَاجِهِ وَأَقْرِبَـائِهِ الْمُؤْمِنِيـنَ (وَصَحَابَـتِهِ الطَّــيِّبِيـنَ الطَّاهِرِينَ) مِنَ الشِّرْكِ. والصَّحَابِـىُّ هُوَ مَنْ لَقِىَ الـنَّبِـىَّ ﷺ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى الإِيـمَانِ.

(أَمَّا بَعْدُ) أَىْ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ (فَإِنَّ الأَمَانَـةَ فِـى الْعِلْمِ) أَىْ عِلْمِ الدِّينِ (أَهَمُّ مِنَ الأَمَانَـةِ فِـى الْمَالِ) لِأَنَّ الْعِلْمَ أَهَمُّ مِنَ الْمَالِ وَضَرَرَ الْـخِيَانَـةِ فِـى الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْـخِيَانَـةِ فِـى الْمَالِ (فَيَنْبَغِـى لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مُـحْتَاطًا فِـى كَلامِهِ) أَىْ يَنْبَغِـى أَنْ يَلْزَمَ جَانِبَ السَّلامَةِ أَىْ أَنْ لا يَتَسَرَّعَ فِـى الإِجَابَـةِ وَأَنْ لا يُفْتِـىَ بِغَـيْـرِ عِلْمٍ (وَيَنْبَغِـى أَنْ يَعْمَلَ بِـمَا قَالَ سَيِّدُنَا عَـبْدُ اللَّـهِ بنُ عُمَرَ بنِ الْـخَطَّابِ رَضِىَ اللَّـهُ عَنْهُمَا الْعِلْمُ ثَلاثَـةٌ) أَىْ لا بُدَّ لِـتَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ (كِتَابٌ نَـاطِقٌ وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَلا أَدْرِى. يُرِيدُ بِالْكِـتَابِ الـنَّاطِقِ كِـتَابَ اللَّـهِ تَعَالَـى) الْمُبَيِّـنَ لِلأَحْكَامِ (وَبِالسُّنَّـةِ الْمَاضِيَةِ الْـحَدِيثَ) الصَّحِيحَ (الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ) الَّذِى عَمِلَتْ بِهِ الأُمَّةُ (وَبِقَوْلِهِ لا أَدْرِى أَنْ يُـجِيبَ بِذَلِكَ حَيْثُ لا يَعْلَمُ) أَىْ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ لا يَعْلَمُهُ أَنْ يَقُولَ لا أَعْلَمُ (وَيَتَجَنَّبَ الْفَتْوَى بِغَـيْـرِ عِلْمٍ).

(وَعَلَـيْكُمْ بِفَهْمِ السُّؤَالِ) أَىْ بِفَهْمِ مُرَادِ السَّائِلِ (عَلَى وَجْهِهِ) الصَّحِيحِ (وَعَدَمِ الِاسْتِعْجَالِ فِـى الْـجَوَابِ قَبْلَ فَهْمِ السُّؤَالِ) لِأَنَّ الْمَسْؤُولَ إِنْ لَـمْ يَفْهَمْ مَاذَا يُرِيدُ السَّائِلُ يُـجِيبُهُ عَلَى خِلافِ مُرَادِهِ فَيَظُنُّ السَّائِلُ أَنَّ هَذَا هُوَ جَوَابُ سُؤَالِهِ فَيَعْتَقِدُ الْخَطَـأَ وَهُوَ لا يَدْرِى، فَالـتَّـأَنِّـى فِـى هَذَا الأَمْرِ مَطْلُوبٌ (كَمَا قَالَ سَيِّدُنَـا عَبْدُ اللَّـهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّـهُ عَنْهُمَا أَفْهِمُونِـى مَا تَقُولُونَ وَافْهَمُوا عَنِّـى مَا أَقُولُ) لَكُمْ أَىْ حَتَّـى لا تَنْقُلوا عَنِّـى غَـيْـرَ مَا قُلْتُ بِسَبَبِ سُوءِ الْفَهْمِ أَوِ الإِفْهَامِ (رَوَاهُ الْـبُخَارِىُّ).

(وَعَلَـيْكُمْ بِكَلِمَةٍ مَنْ عَمِلَ بِـهَا أَحْسَنَ الإِفَادَةَ) أَىْ نَفَعَ نَفْعًا كَبِيـرًا (أَلا وَهِىَ زَيْنُ الْعِلْمِ الْـحِلْمُ) أَىِ الْـحِلْمُ زِينَـةُ الْعِلْمِ وَالْـحِلْمُ مَعْنَاهُ الـتَّـأَنِّـى وَعَدَمُ الـتَّسَرُّعِ أَىْ مِـمَّا يَـزِيدُ الْعِلْمَ زِينَـةً أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَالِـمِ حِلْمٌ وَصَبْـرٌ.

(هَذَا وَكَـثِيـرٌ مِنَ الْمَصَائِبِ فِـى الْكَلامِ فِـى أُمُورِ الدِّينِ) عَلَى خِلافِ شَرِيعَـةِ اللَّـهِ (يَـأْتِـى مِنْ تَـجَاوُزِ الشَّخْصِ حَدَّهُ) أَىْ بِسَبَبِ تَـجَاوُزِهِ الْقَدْرَ الَّذِى يَعْرِفُهُ مِنَ الْعِلْمِ (فَيُفْتِـى بِلا عِلْمٍ فِـى مَسَائِلَ جَانِبِيَّـةٍ فِـى أَثْنَاءِ تَدْرِيسِهِ لَـيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الْكِـتَابِ الَّذِى يُدَرِّسُهُ) لِإِظْهَارِ سَعَةِ عِلْمِهِ أَوْ جَرَّهُ إِلَـيْهَا غَـيْـرُهُ (وَهَذَا خَطَـرٌ كَبِيـرٌ) كَمَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّـهِ ﷺ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّـهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْـتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَــقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَـبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّـى إِذَا لَـمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّـخَذَ الـنَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَـيْـرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا (فَلَوْ سَأَلَهُ الطَّالِبُ فَلا يُـجِبْ فِـى الْمَسَائِلِ الْـجَانِبِيَّـةِ الَّتِـى) لَـيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الْكِـتَـابِ الَّذِى يُدَرِّسُهُ إِنْ (لَـمْ يَـجِدْ فِيهَا نَقْلًا) عَمَّنْ سَبَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى (بَـلْ لِـيَقُلْ لا أَدْرِى فَيَكُونُ سَلِمَ لِـنَفْسِهِ) بِتَجَنُّبِهِ الإِفْتَاءَ بِغَـيْـرِ عِلْمٍ (وَسَلِمَ الطَّالِبُ) مِنَ اعْتِقَادِ الْـحُكْمِ عَلَى خِلافِ الصَّوَابِ (وَلا يَنْظُرِ الْمُدَرِّسُ إِلَـى أَنَّـهُ إِذَا لَـمْ يُـجِبْ فِـى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْـجَانِبِيَّـةِ يَسْتَضْعِفُهُ الطَّالِبُ الَّذِى يُدَرِّسُهُ) بَـلْ يَنْبَغِـى أَنْ يَكُونَ هَـمُّهُ أَنْ يُنْجِىَ نَفْسَهُ وَأَنْ يُرْضِىَ خَالِقَهُ.

(ثُـمَّ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْمُدَرِّسُ) فِـى قَلْبِهِ (أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِالـتَّدْرِيسِ أَنَّ مُرَادَهُ) أَىْ قَصْدَهُ مِنْ تَدْرِيسِهِ (إِفَادَةُ الـنَّـاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ لِـوَجْهِ اللَّـهِ تَعَالَـى) أَىِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّـهِ (لا أَنْ يُـقَالَ عَنْهُ) إِنَّهُ (قَوِىٌّ فِـى الْعِلْمِ) أَىْ أَنْ لا يَكُونَ قَصْدُهُ مَدْحَ الـنَّاسِ لَهُ (فَإِذَا اسْتَحْضَرَ هَذِهِ النِّـيَّةَ أَوَّلَ الدَّرْسِ يَهُونُ عَلَـيْهِ أَنْ يَقُولَ لا أَدْرِى فِـى مَا لَـيْسَ لَهُ فِيهِ نَقْلٌ) لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَكْسِبَ الثَّوَابَ أَمَّا إِذَا كَانَ هَـمُّهُ تَعْظِيمَ الـنَّاسِ لَهُ فَيَصْعُبُ عَلَـيْهِ أَنْ يَقُولَ لا أَدْرِى.

(وَمِنَ الْمُهِمِّ أَيْضًا الـتَّفْكِيـرُ فِـى حَالِ الَّذِى يَدْرُسُ عَلَى الْمُدَرِّسِ) أَىْ يَنْبَغِـى لِلْمُدَرِّسِ أَنْ يَنْظُرَ فِـى حَالِ الطَّالِبِ وَلا يُكَلِّمُهُ بِـمَا لا يَفْهَمُ.

(وَ)يَنْبَغِـى لِلْمُدَرِّسِ أَنْ يُرَاعِىَ حَالَ (مَنْ يَـحْضُرُ مَـجْلِسَهُ مِنْ غَـيْـرِ طَـلَبَتِهِ) إِذَا كَانَ لَهُ مَـجَالِسُ عَامَّةٌ يَـحْضُرُهَا مَنْ يَشَاءُ (هَلِ الْعِبَارَةُ الَّتِـى يَذْكُرُهَا فِـى أَثْنَاءِ دَرْسِهِ يَفْهَمُ الْـحَاضِرُونَ مَعْـنَاهَا كَمَا يَنْبَغِـى أَوْ لا يَفْهَمُونَ مَا يَفْهَمُهُ هُوَ وَيُرِيدُهُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. قَالَ الإِمَامُ عَلِـىٌّ رَضِىَ اللَّـهُ عَنْهُ حَدِّثُوا الـنَّاسَ بِـمَا يَفْهَمُونَ أَتُـحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ رَوَاهُ الْـبُخَارِىُّ) مَعْـنَاهُ الطَّالِبُ إِنْ لَـمْ يَفْهَمِ الْكَلامَ الَّذِى سَـمِعَهُ مِنَ الْمُدَرِّسِ قَدْ يَظُـنُّهُ كَلامًا مُـخَالِفًا لِلشَّرْعِ فَيُنْـكِرُهُ فَيَـرُدُّ حُكْمًا ثَابِتًا فِـى شَرْعِ اللَّـهِ.

(وَلِلَّـهِ دَرُّ الْقَائِلِ) وَتُقَالُ لِلْمَدْحِ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ هَذَا

(اعْمَلْ لِـنَفْسِكَ صَالِـحًا لا  تَـحْتَفِلْ            بِظُهُورِ قِيلٍ فِـى الأَنَـامِ وَقَـالِ

فَالْـخَلْقُ لا يُرْجَى اجْتِمَاعُ قُلُوبِـهِمْ               لا بُـدَّ مِنْ مُثْنٍ عَلَـيْكَ وَقَالِـى)

مَعْـنَاهُ تَزَوَّدْ لِآخِرَتِكَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَاسْتَعْمِلْ أَنْفَاسَكَ فِـى الْـخَـيْـرِ وَاغْتَنِمْ مَا بَـقِىَ مِنَ الْعُمُرِ فِـى أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَـى اللَّـهِ وَلا تَـهْتَمَّ بِـمَا يُقَالُ وَاعْلَمْ أَنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَـكْسِبَ رِضَا الـنَّاسِ جَـمِيعًا فَلا بُدَّ أَنْ تَـجِدَ قِسْمًا مِنَ الـنَّاسِ يَـمْدَحُكَ وَقِسْمًا يَـذُمُّكَ فَإِرْضَاءُ كُلِّ الـنَّاسِ شِبْهُ مُسْتَحِيلٍ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَلامَّةُ الْـهَرَرِىُّ رَحِـمَهُ اللَّـهُ.

(وَقَدْ قَالَ اللَّـهُ تَعَالَـى فِـى سُورَةِ ق ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ بَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ يَتَلَـفَّظُ بِهِ الْمَرْءُ يَكْتُبُهُ الْمَلَـكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا اللَّـفْظُ خَيْـرًا أَمْ شَرًّا أَمْ مُبَاحًا) أَىْ يَكْـتُبَانِ الْـحَسَنَةَ وَالسَّـيِّـئَةَ وَالْمَكْـرُوهَ وَالْمُبَاحَ لِأَنَّ اللَّـهَ تَعَالَـى ذَكَرَ لَـفْظَ قَوْلٍ فِـى سِيَـاقِ الـنَّفْىِ وَالـنَّـكِـرَةُ إِذَا جَاءَتْ فِـى سِيَـاقِ الـنَّفْىِ فَهِىَ لِلشُّمُولِ ثُـمَّ يُـمْحَى الْمَكْـرُوهُ وَالْمُبَاحُ وَتَــبْقَى الْـحَسَنَاتُ وَالسَّـيِّـئَاتُ.

(وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ يُـحَاسَبُ عَلَى نُطْـقِهِ فَإِنْ نَطَقَ بِالشَّرِّ جُوزِىَ عَلَـيْهِ) أَىِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَـةَ عَلَـيْهِ (وَإِنْ نَطَقَ بِالْـخَيْـرِ كَانَ لَهُ) أَىْ أُثِيبَ عَلَـيْهِ كَمَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّكَ لا تَزَالُ سَالِمًا مَا سَكَتَّ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ كُـتِبَ لَكَ أَوْ عَلَـيْكَ (وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَلَـفَّظَ بِكَلِمَةِ الْـكُـفْرِ فِـى حَالِ الِاخْتِيَارِ) أَىْ (مِنْ غَـيْـرِ إِكْرَاهٍ وَعَمْدًا) أَىْ (مِنْ غَـيْـرِ سَبْـقِ لِسَانٍ مَعَ كَـوْنِهِ عَاقِلًا) أَىْ (غَـيْـرَ مَـجْنُونٍ فَإِنَّهُ يَـخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الإِسْلامِ) لِقَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَـى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَـيَقُولُنَّ إِنَّـمَا كُـنَّا نَـخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّـهِ وَءَايَـاتِهِ وَرَسُولِهِ كُـنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْـتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتـُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿يـَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَـقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْـكُـفْرِ وَكَـفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (وَقَدْ قَسَّمَ الْعُـلَمَاءُ) مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ (الْـكُـفْرَ إِلَـى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ كُـفْرٌ اعْتِقَادِىٌّ) مَـحَلُّهُ الْقَلْبُ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّـهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ (وَكُـفْرٌ فِعْلِـىٌّ) يَـحْصُلُ بِالْـجَوَارِحِ كَالسُّجُودِ لِلشَّيْطَانِ (وَكُـفْرٌ لَـفْظِـىٌّ) يَـحْصُلُ بِاللِّسَانِ كَسَبِّ اللَّـهِ أَوْ نَبِـىٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ (وَوَضَعُوا قَوَاعِدَ يُعْرَفُ بِـهَا مَا يُـخْرِجُ مِنَ الأَقْوَالِ أَوِ الأَفْعَالِ أَوِ الِاعْتِقَادَاتِ عَنِ الإِسْلامِ) لِـيَجْتَنِبَهُ الـنَّاسُ.

(الْقَاعِدَةُ الأُولَـى)

(مَنْ أَنْـكَـرَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا عُلِمَ عِلْمًا ظَاهِرًا يَشْتَـرِكُ فِـى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ كَفَرَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُنْـكِـرُ جَاهِلًا بِأَنَّ كَلامَهُ يُـخْرِجُ مِنَ الإِسْلامِ) أَىْ مَنْ أَنْـكَـرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ يَشْتَـرِكُ فِـى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ كَـفَرَ (كَأَنْ قَالَ إِنَّ شُرْبَ الْـخَمْرِ حَلالٌ بَعْدَمَا عَرَفَ حُرْمَتَهُ فِـى الشَّرْعِ) فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ (وَإِنْ كَانَ يَـجْهَلُ أَنَّـهُ يَكْـفُرُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ) أَىْ وَإِنْ كَانَ لا يَعْرِفُ أَنَّـهُ يَكْـفُرُ بِإِنْـكَارِهِ لِـهَذَا الْـحُكْمِ لِأَنَّهُ لا يُشْتَـرَطُ فِـى الْوُقُوعِ فِـى الْـكُـفْرِ مَعْرِفَةُ الْـحُكْمِ أَىْ مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا قَالَهُ كُـفْرٌ لِأَنَّ الـنَّبِـىَّ ﷺ حَكَمَ عَلَى قَائِلِ الْـكَلِمَةِ الْـكُـفْرِيَّـةِ بِالْعَذَابِ فِـى قَعْرِ الـنَّارِ مَعَ كَـوْنِهِ غَـيْـرَ عَالِـمٍ بِالْـحُكْمِ لِأَنَّـهُ لا يَظُنُّ فِيهَا ضَرَرًا كَمَا جَاءَ فِـى حَدِيثِ الـتِّـرْمِذِىِّ إِنَّ الْعَبْدَ لَـيَتَكَلَّمُ بِالْـكَلِمَةِ لا يَرَى بِـهَا بَـأْسًا يَهْوِى بِـهَا فِـى الـنَّارِ سَبْعِيـنَ خَرِيفًا أَىْ مَسَافَةَ سَبْعِيـنَ عَامًا فِـى الـنُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى جَهَنَّمَ أَىْ قَعْرُهَا وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكُـفَّارِ (لَكِنْ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ) وَقْتٍ (قَرِيبٍ أَوْ كَانَ يُشْبِهُ قَرِيبَ الْـعَهْدِ بِالإِسْلامِ) أَىْ كَانَ مِثْلَهُ (كَأَنْ نَشَأَ فِـى بَـادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ) أَىْ نَشَأَ فِـى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (أَوْ نَشَأَ بَــيْـنَ الْمُسْلِمِيـنَ وَلَكِنْ) لَـمْ يُعَلِّمْهُ أَهْلُهُ وَلا غَـيْـرُهُمْ أُمُورَ الدِّينِ إِلَّا الشَّهَادَتَيْـنِ فَأَنْـكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ لِأَنَّـهُ (لَـمْ يَتَـرَدَّدْ عَلَى سَـمْعِهِ) هَذَا (الْـحُكْمُ الَّذِى أَنْـكَرَهُ) كَأَنْ لَـمْ يَسْمَعْ بِوُجُوبِ خَـمْسِ صَلَوَاتٍ فِـى الْـيَوْمِ وَاللَّـيْلَةِ فَأَنْـكَرَ وُجُوبَـهَا (فَإِنَّـهُ لا يَكْفُرُ) أَىْ (بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَـيْـرَ عَالِـمٍ بِوُرُودِ الْـحُكْمِ الَّذِى أَنْـكَـرَهُ فِـى دِينِ الإِسْلامِ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالـنَّقْلِ وَالسَّمَاعِ وَلا تُدْرَكُ بِالْعَـقْلِ. وَ(هَذَا) الْـحُكْمُ فِـى عَدَمِ تَكْـفِيـرِهِ فِـى حَالِ (إِنْ لَـمْ يَكُنِ الأَمْرُ الَّذِى أَنْـكَرَهُ نَـحْـوَ تَـنْزِيهِ اللَّـهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَتَنْزِيهِهِ) عَنِ الْـحَجْمِ وَالْكَمِيَّـةِ وَالْمِقْدَارِ وَالْـحَدِّ وَاللَّوْنِ وَالشَّـكْـلِ وَالْقِيَامِ والْقُعُودِ وَالْـحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَ(عَنِ الـتَّحَيُّزِ فِـى الْـجِهَةِ وَالْمَكَانِ) وَعَنْ كُلِّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِيـنَ (وَ)نَـحْوَ (تَــبْـرِئَةِ الأَنْبِيَاءِ مِنَ الْـخِيَانَةِ) وَهِىَ ضِدُّ الـنَّصِيحَةِ وَالرَّذَالَةِ وَهِىَ صِفَاتُ الأَسَافِلِ الدُّونِ مِنَ الـنَّاسِ كَاخْتِلاسِ الـنَّظَرِ إِلَـى الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ (وَالسَّفَاهَةِ) وَهِىَ الـتَّصَرُّفُ بِـخِلافِ الْـحِكْمَةِ أَوِ الـتَّلَـفُّظُ بِأَلْـفَاظٍ شَنِيعَةٍ تَسْتَقْبِحُهَا الـنَّفْسُ فَإِنَّهُ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِـى مِثْلِ هَذَا مَهْمَا بَلَغَ الْـجَهْلُ بِصَاحِبِهِ.

(وَأَمَّا مَنْ نَسَبَ إِلَـى اللَّـهِ تَعَالَـى) الْـحَجْمَ أَوِ (الْمَكَانَ أَوِ الْـجِهَةَ) أَوِ الْقِيَامَ أَوِ الْقُعُودَ (أَوْ) غَـيْـرَ ذَلِكَ مِنْ (صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ) أَنْـكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّـهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْـمَاعًا كَالْعِلْمِ وَالْـقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ وَلَوْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ وَلَوْ لَـمْ يَعْلَمْ بِوُرُودِهَا فِـى الشَّرْعِ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تُعْرَفُ بِالْعَـقْلِ. وَكَذَا إِنْ (نَسَبَ إِلَـى الأَنْبِيَاءِ) الْكُـفْرَ أَوِ (الْـفُسُوقَ أَوِ الرَّذَالَةَ أَوِ الْـخِيَانَـةَ أَوِ السَّفَاهَةَ) أَوِ الْـكَذِبَ (فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ وَلَوْ كَانَ حَدِيثَ عَـهْدٍ بِإِسْلامٍ أَوْ مُتَـأَوِّلًا) أَىْ أَخْطَـأَ فِـى تَفْسِيـرِ ءَايَـةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَنَسَبَ إِلَى اللَّـهِ مَا لا يَلِيقُ بِهِ أَوْ نَسَبَ إِلَـى الأَنْبِيَاءِ مَا لا يَـلِيقُ بِـمَقَامِهِمْ (لِأَنَّ تَـجْوِيزَ الـنَّقَائِصِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى اللَّـهِ تَعَالَـى يَنْقُضُ الإِيـمَانَ بِاللَّـهِ) أَىْ يُبْطِلُهُ (وَتَـجْوِيزَ الـنَّقَائِصِ الآنِفَةِ الذِّكْرِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ عَلَـيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَنْقُضُ الإِيـمَانَ بِرَسُولِ اللَّـهِ ﷺ).

(وَأُصُولُ الدِّينِ) أَىِ الْعَقَائِدُ (عَلَى قِسْمَيْـنِ قِسْمٌ) يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ مَعْـنَـى الشَّهَادَتَيْـنِ (مَنْ خَالَـفَهُ) أَوْ شَكَّ فِيهِ (وَلَوْ مَعَ الْـجَهْلِ بِوُرُودِهِ فِـى الشَّرْعِ لا يَصِحُّ إِيـمَانُهُ بِاللَّـهِ أَوْ بِرَسُولِ اللَّـهِ ﷺ وَذَلِكَ كَـتَنَزُّهِ اللَّـهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالْمَثِيلِ) وَاعْتِقَادِ وُجُودِ اللَّـهِ وَوَحْدَانِـيَّتِهِ وَقِدَمِهِ أَىْ أَنَّـهُ لا بِدَايَـةَ لِوُجُودِهِ وَبَقَائِهِ وَقِـيَامِهِ بِنَفْسِهِ أَىْ أَنَّهُ لا يَـحْتَاجُ إِلَـى غَـيْـرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَـمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ وَكَلامِهِ وَاعْتِقَادِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَـا مُـحَمَّدٍ ﷺ (وَتَنَزُّهِ الأَنْبِيَـاءِ عَنِ) الْكُـفْرِ وَالْـكَـبَائِرِ وَعَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ كَالْـكَذِبِ وَالْـخِسَّةِ وَ(الدَّنَـاءَةِ) وَالسَّفَاهَةِ (وَالرَّذَالَةِ فَمَنْ أَنْـكَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِسْلامِ أَمْ لا نَشَأَ بَيْـنَ الْمُسْلِمِيـنَ أَمْ لا مُتَـأَوِّلًا) لِآيَـةِ أَوْ حَدِيثٍ خَطَـأً (أَمْ لا).

(وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِـى) مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ (فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْـنِ أَيْضًا الْقِسْمُ الأَوَّلُ مَا كَانَ مِنَ الأُصُولِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةٍ) أَىْ يَشْتَـرِكُ فِـى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ (كَالإِيـمَانِ بِعَذَابِ الْـقَـبْـرِ فَيُكَـفَّرُ مُنْـكِـرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ وَالثَّانِـى مَا لَـمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ لا يَشْتَـرِكُ فِـى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ بَلْ يَـخْفَى عَلَى كَثِيـرٍ مِنَ الْعَوَامِّ (وَإِنْ كَانَ مُـجْمَعًا عَلَـيْهِ وَذَلِكَ كَالإِيـمَانِ بِالْـحَوْضِ) الَّذِى يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِـهِمُ الْـجَنَّـةَ (فَلا يُكَـفَّرُ مُنْـكِرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ مَا لَـمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الْعِنَادُ وَالْـجُحُودُ) أَىْ مَا لَـمْ يَكُنْ إِنْـكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ.

(وَالأَحْكَامُ) الشَّرْعِيَّـةُ (مِنْ وُجُوبٍ وَمَشْرُوعِيَّةٍ وَكَـرَاهَةٍ وَتَـحْرِيـمٍ وَإِبَـاحَةٍ) أَىْ أَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّـةَ الْوَاجِبَ كَالصَّلَوَاتِ الْـخَمْسِ وَالْمَنْدُوبَ أَىِ الْمَسْنُونَ كَـتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْمَكْـرُوهَ كَالأَكْلِ بِالْـيَدِ الْـيُسْرَى وَالْـحَرَامَ كَشُرْبِ الْـخَمْرِ وَالْمُبَاحَ كَشُرْبِ الْـحَلِيبِ بَدَلَ الشَّاىِ هَذِهِ الأَحْكَامُ (كُلُّهَا تُعْلَمُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّـةِ بِالشَّرْعِ لا بِالْعَقْلِ وَهِىَ تَــنْقَسِمُ كَذَلِكَ إِلَـى قِسْمَيْـنِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْعَالِـمِ وَالْـجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ (وَغَـيْـرِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ يـَخْفَى عَلَى كَـثِيـرٍ مِنَ عَوَامِّ الْمُسْلِمِيـنَ (فَالْقِسْمُ الأَوَّلُ كَـوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْـخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْـحَجِّ مَنْ أَنْـكَـرَ شَيْئًا مِنْهُ كَفَرَ) لِأَنَّـهُ يَكُونُ مُكَذِّبًـا لِلدِّينِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ أَوْ (نَـحْوَ حَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَوْ مُتَـأَوِّلًا) لِآيَـةٍ أَوْ حَدِيثٍ عَلَى خِلافِ الْمَعْـنَـى الصَّحِيحِ (تَـأَوُّلًا يَدْفَعُ عَنْهُ الْكُـفْرَ كَـتَـأَوُّلِ مَانِعِـى الزَّكَاةِ فِـى زَمَنِ أَبِـى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّـهُ عَنْهُ بَعْضَ ءَايَـاتِ الْقُرْءَانِ عَلَى غَـيْـرِ مَعْـنَاهَا) أَىْ تَـأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَـى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِـهَا وَصَلِّ عَلَـيْهِمْ إِنَّ صَلاتَـكَ سَكَنٌ لَّـهُمْ﴾ فَظَـنُّوا أَنَّـهُ لا يَـجِبُ عَلَـيْهِمْ دَفْعُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لِأَنَّـهُ هُوَ الَّذِى أُمِرَ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ وَبِالصَّلاةِ عَلَـيْهِمْ أَىْ بِالدُّعَاءِ لَـهُمْ بِالْـخَيْـرِ (فَأَنْـكَرُوا لِذَلِكَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَـيْهِمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ فَإِنَّـهُمْ مَعَ خَطَئِهِمْ فِـى الـتَّأْوِيلِ) لِلآيَـةِ (دَفَعَ عَنْهُمْ تَـأْوِيلُهُمُ الْـحُكْمَ بِالـتَّكْـفِيـرِ فَلَمْ يُكَفِّرْهُمُ الصَّحَابَةُ مَعَ أَنَّـهُمْ قَاتَلُوهُمْ عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ) أَىْ لِامْتِنَاعِهِمْ عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ (كَمَا قَاتَلُوا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ).

(وَلا يَدْخُلُ فِـى هَذَا الْقِسْمِ مَنْ تَـأَوَّلَ بَعْضَ الآيَـاتِ أَوِ الأَحَادِيثِ عَلَى غَـيْـرِ مَعَانِيهَا فَحَمَلَهَا عَلَى مَا فِيهِ مُنَاقَضَةٌ وَتَكْذِيبٌ لِلشَّهَادَتَيْـنِ أَوْ لِإِحْدَاهُـمَا كَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّـهَ جِسْمٌ بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمِهِ لِآيَـةٍ أَوْ حَدِيثٍ) فَإِنَّهُ يَكْـفُرُ وَلا عُذْرَ لَهُ لِأَنَّ الَّذِى يَعْـتَـقِدُ أَنَّ اللَّـهَ جِسْمٌ مَا عَرَفَ اللَّـهَ وَلا أَقَرَّ بِأُلُوهِيَّـةِ اللَّـهِ إِنَّـمَا نَسَبَ الأُلُوهِيَّـةَ إِلَـى هَذَا الْـجِسْمِ الَّذِى تَصَوَّرَهُ وَهُوَ غَـيْـرُ اللَّـهِ قَطْعًا فَلا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاللَّـهِ قَالَ سَيِّدُنَـا عَلِـىٌّ رَضِىَ اللَّـهُ عَنْهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَــٰهَنَا مَـحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْـخَالِقَ الْمَعْـبُودَ رَوَاهُ الْـحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِـى الْـحِلْيَـةِ. وَالْمَحْدُودُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الـتَّوْحِيدِ مَا لَهُ حَجْمٌ إِنْ كَانَ صَغِيـرًا أَوْ كَبِيـرًا وَقَالَ الإِمَامُ الـنَّسَفِـىُّ فِـى تَفْسِيـرِهِ وَمِنَ الإِلْـحَادِ (أَىِ الْكُـفْرِ) تَسْمِيَّـةُ اللَّـهِ بِالْـجِسْمِ وَالْـجَوْهَرِ وَالْعَقْلِ وَالْعِلَّةِ وَقَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْـجَمَاعَةِ أَبُو الْـحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ فِـى كِـتَابِهِ الـنَّوَادِرِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّـهَ جِسْمٌ فَهُوَ غَـيْـرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّـهُ كَافِرٌ بِهِ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِـىُّ الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ رَوَاهُ الْـحَافِظُ السُّيُوطِـىُّ فِـى الأَشْبَـاهِ وَالـنَّظَائِرِ وَقَالَ الإِمَامُ أَحْـمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَنْ قَالَ اللَّـهُ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَفَرَ رَوَاهُ الْـحَافِظُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِـى كِـتَابِهِ تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ (وَكَذَلِكَ) يَكْـفُرُ (مَنْ تَـأَوَّلَ ءَايَـةً أَوْ حَدِيثًا عَلَى غَـيْـرِ مَعْنَاهُـمَا فَاعْـتَقَدَ أَنَّ شَيْئًا فِـى هَذَا الْعَالَـمِ يَـحْصُلُ بِغَـيْـرِ مَشِيئَةِ اللَّـهِ) كَالْقَدَرِيَّـةِ أَىِ الْمُعْـتَزِلَةِ الَّذِينَ يَعْـتَقِدُونَ أَنَّـهُ يَـحْصُلُ فِـى مِلْكِ اللَّـهِ خِلافُ مُرَادِهِ وَأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّـهِ لَـيْسَتْ نَـافِذَةً فِـى كُلِّ مُرَادَاتِهِ فَجَعَلُوا اللَّـهَ مَغْلُوبًـا وَغَـيْـرَهُ غَالِـبًا فَكَذَّبُوا قَوْلَ اللَّـهِ تَعَالَـى ﴿إِنَّـا كُلَّ شَىْءٍ خَلَـقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِـى حَاتِـمٍ فِـى تَفْسِيـرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ تَلا قَوْلَ اللَّـهِ تَعَالَـى ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّـا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَقَالَ نَزَلَتْ فِـى أُنَـاسٍ مِنْ أُمَّتِـى يَكُونُونَ فِـى ءَاخِرِ الزَّمَانِ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّـهِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ شَـيْئًا يَـحْصُلُ بِغَـيْـرِ مَشِيئَةِ اللَّـهِ (أَوْ أَنَّ أَحَدًا غَـيْـرَ اللَّـهِ تَعَالَـى يَـخْلُقُ ذَاتًـا مِنَ الذَّوَاتِ أَوْ فِعْلًا مِنَ الأَفْعَالِ) كَفَرَ (لِأَنَّ مَنِ اعْـتَقَدَ مِثْلَ هَذَا الِاعْتِقَادِ لَـمْ يَعْرِفِ اللَّـهَ تَعَالَـى فَـكَـيْفَ يَكُونُ مُؤْمِنًا) بِهِ. وَخُلاصَةُ مَا مَضَى أَنَّ مَنِ اعْـتَقَدَ فِـى اللَّـهِ الْـجِسْمِيَّـةَ أَوْ جَعَلَ لِلَّـهِ شَرِيكًا فِـى الـتَّخْلِيقِ أَوْ زَعَمَ أَنَّـهُ يَـحْصُلُ فِـى مِلْكِهِ مَا لا يَشَاءُ أَوْ أَنْـكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّـهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْـمَاعًا كَفَرَ (وَسَوَاءٌ فِـى هَذَا الْـحُكْمِ مَنْ كَانَ لَـمْ يَتَعَلَّمِ الصَّوَابَ فِـى هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَأَخْطَـأَ لِـجَهْلِهِ وَمَنْ كَانَ تَعَلَّمَ الصَّوَابَ ثُـمَّ نَسِيَهُ) أَوْ تَغَـيَّـرَ اعْتِقَادُهُ (وَلِذَلِكَ رَدَّ ابْنُ الْـجَوْزِىِّ فِـى كِـتَابِهِ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ وَغَـيْـرُهُ قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ بِعَدَمِ تَكْفِيـرِ مَنْ أَنْـكَرَ قُدْرَةَ اللَّـهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وَقَالَ أَىِ ابْنُ الْـجَوْزِىِّ إِنَّ إِنْـكَارَ قُدْرَةِ اللَّـهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كُفْرٌ بِالإِجْـمَاعِ وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْـحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ) فِـى فَتْحِ الْـبَارِى (وَغَـيْـرُهُ وَأَقَرُّوهُ) عَلَى ذَلِكَ أَىْ وَافَقُوهُ وَلَـمْ يَعْتَـرِضُوا عَلَيْهِ.

(وَالْقِسْمُ الثَّانِـى) مِنَ الأَحْكَامِ (مَا لَـيْسَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ يَـخْفَى عَلَى كَـثِيـرٍ مِنَ عَوَامِّ الْمُسْلِمِيـنَ (سَوَاءٌ كَانَ مُـجْمَعًا عَلَـيْهِ) بَــيْـنَ الأَئِمَّةِ كَحُرْمَةِ مُصَافَحَةِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ بِلا حَائِلٍ (أَمْ غَـيْـرَ مُـجْمَعٍ عَلَـيْهِ) كَكَوْنِ فَخِذِ الرَّجُلِ عَوْرَةً (فَمَنْ أَنْـكَرَ حُكْمًا مُـجْمَعًا عَلَـيْهِ مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ لَـمْ يُكَـفَّرْ وَسَوَاءٌ فِـى ذَلِكَ الـتَّحْرِيـمُ وَالـتَّحْلِيلُ وَالْوُجُوبُ وَالْمَشْرُوعِيَّـةُ) أَىْ سَوَاءٌ كَانَ الأَمْرُ مُـجْمَعًا عَلَى تَـحْرِيـمِهِ أَوْ تَـحْلِيلِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَوْ مَشْرُوعِيَّتِهِ (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِـحُكْمِ الشَّرْعِ وَيَرُدَّهُ) أَىْ إِلَّا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ حُكْمَهُ فِـى الشَّرْعِ وَيَقُولُ بِـخِلافِهِ فَعِنْدَئِذٍ يَكْفُرُ لِـتَكْذِيبِهِ شَرْعَ اللَّـهِ تَعَالَـى (وَلَكِـنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَـأْثَـمُ إِثْـمًا كَبِيـرًا) أَىْ وَإِنْ كَانَ لا يَكْـفُرُ لَكِـنَّهُ وَقَعَ فِـى ذَنْبٍ كَبِيـرٍ (لِـخَرْقِهِ إِجْـمَاعَ الأُمَّةِ وَذَلِكَ كَالَّذِى يَسْتَحِلُّ مُصَافَحَةَ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّـةِ مِنْ غَـيْـرِ شَهْوَةٍ بِلا حَائِلٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) يَسْتَحِلُّ (الْـخَلْوَةَ بِـهَا لِغَـيْـرِ مَعْصِيَةٍ لِـجَهْلِهِ بِأَنَّ الشَّرْعَ يُـحَرِّمُ ذَلِكَ).

(وَأَمَّا مَا كَانَ مُـخْتَلَـفًا فِيهِ بَــيْـنَ الأَئِمَّةِ) الْمُجْتَهِدِينَ (مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ فَمَنْ أَخَذَ مِنَ الْعَامَّةِ) أَىِ الَّذِينَ لَـمْ يَصِلُوا إِلَـى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ (بِقَوْلِ أَىِّ إِمَامٍ مِنْهُمْ دُونَ قَوْلِ إِمَامٍ ءَاخَرَ فَلا يَكْفُرُ وَ)لا إِثْـمَ عَلَـيْهِ بَـلْ (ذَلِكَ) جَائِزٌ (كَالْعُمْرَةِ) فَقَدْ (قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِنَّـهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِـىُّ وَأَحْـمَدُ (وَقَالَ بَعْضٌ بِعَدَمِ فَرْضِيَّتِهَا) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ (فَمَنْ أَخَذَ بِأَىٍّ مِنَ الْقَوْلَـيْـنِ فَلا حَرَجَ عَلَـيْهِ) أَىْ لا إِثْـمَ عَلَـيْهِ (إِلَّا أَنْ يَعْـتَـقِدَ أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِإِيـجَابِـهَا وَيُنْكِـرَهُ مَعَ ذَلِكَ أَوْ يَعْـتَـقِدَ أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِعَدَمِ إِيـجَابِـهَا وَيُوجِبَهَا مَعَ ذَلِكَ) أَىْ إِلَّا أَنْ يَعْـتَـقِدَ بِوُجُوبِـهَا فِـى الشَّرْعِ وَيُنْكِـرَ وُجُوبَـهَا أَوْ يَعْـتَـقِدَ عَدَمَ وُجُوبِـهَا فِـى شَرْعِ اللَّـهِ وَيَقُولَ بِوُجُوبِـهَا (فَإِنَّهُ يَكْـفُرُ عِنْدَئِذٍ لِـتَكْذِيبِهِ الشَّرِيعَـةَ، ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ إِلَـى مَعْرِفَةِ فُرُوعِ الأَحْكَامِ) أَىِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّـةِ (إِنَّـمَا هُوَ السَّمَاعُ وَالـنَّقْلُ) أَىْ نَقْلُ الـثِّـقَاتِ عَنِ الـنَّبِـىِّ ﷺ (لَـيْسَ غَـيْـرُ لِأَنَّ الْـحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْـقَبِيحَ مَا قَــبَّحَهُ الشَّرْعُ فَإِنَّ اللَّـهَ تَعَالَـى لَوْ لَـمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَمَا وَجَبَ عَلَـيْنَا مِنْهَا شَىْءٌ) وَلِذَلِكَ لَـمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِيـنَ أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْـخَمْسَ قَبْلَ أَنْ تُوجَبَ عَلَـيْهِمْ لَـيْلَةَ الْمِعْرَاجِ (وَلَوْ لَـمْ يُـحَرِّمِ) اللَّـهُ (شَيْئًا مِنَ الْـمُحَرَّمَاتِ لَـمْ يَـحْرُمْ عَلَـيْنَا مِنْهَا شَىْءٌ وَلا كَانَ أَىٌّ مِنْهَا سَبَبًا لِلْعَذَابِ فِـى الآخِرَةِ) وَلِذَلِكَ لَـمْ يَكُنْ فِـى شُرْبِ الْـخَمْرِ إِثْـمٌ قَبْلَ نُزُولِ تَـحْرِيـمِهَا (فَإِنَّـهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَـى يَـحْكُمُ) فِـى خَلْقِهِ (بِـمَا يُرِيدُ) أَىْ يَفْرِضُ مَا يَشَاءُ وَيُـحَرِّمُ مَا يَشَاءُ (وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لا حَامِلَ لَهُ وَلا مُلْجِئَ) أَىْ لا شَىْءَ يَـحْمِلُهُ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ وَلا مُكْرِهَ لَهُ (فَمَنِ اعْتَقَدَ وُرُودَ حُكْمٍ فِـى الشَّرْعِ وَأَنْـكَرَهُ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ سَوَاءٌ كَانَ مُتـَأَوِّلًا أَمْ لا وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْـحُكْمُ مُـجْمَعًا عَلَـيْهِ أَمْ لا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَمْ لا).

(وَأَمَّا مَنْ) نَشَأَ فِـى بَيْتٍ لا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِأُمُورِ الدِّينِ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَهْلِهِ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ وَلَـمْ يُـخَالِطْ مَنْ يَعْلَمُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَلا كَانَ فِـى مَدْرَسَةٍ تُعَلِّمُ عِلْمَ الدِّينِ لِذَلِكَ (خَفِىَ عَلَـيْهِ حُكْمُ الشَّرْعِ فِـى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ أَىْ لَـمْ يَعْلَمْ بِـحُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ فَاعْـتَقَدَ أَنَّ حُكْمَهُ فِـى الشَّرْعِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ حَقِيقَةً أَوْ قَالَ خِلافَ الصَّوَابِ لِـجَهْلِهِ بِالْـحُكْمِ وَظَنَّ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ لا لِأَنَّـهُ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُعَانِدَهُ) كَأَنْ لَـمْ يَسْمَعْ بِصَلاةِ الصُّبْحِ فَلَمْ يَعْـتَـقِدْ لِذَلِكَ وُجُوبَـهَا أَوْ خَفِـىَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنَ الْـجَنَابَـةِ فَلَمْ يَعْـتَـقِدْ فَرْضِيَّتَهُ أَوْ خَفِىَ عَلَـيْهِ وُجُوبُ سَتْـرِ الْمَرْأَةِ الْـحُرَّةِ لِشَعَرِهَا أَمَامَ الأَجَانِبِ فَاعْتَقَدَ جَوَازَ كَشْفِهَا لَهُ أَمَامَهُمْ (فَإِنَّـهُ لا يُكَـفَّرُ) لِأَنَّـهُ لَـيْسَ رَافِضًا لِلدِّينِ وَلا مُعَانِدًا لِلشَّرْعِ. (وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ تَعَلَّمَ الْـحُكْمَ فِـى الشَّرْعِ ثُـمَّ نَسِىَ فَظَـنَّهُ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ فِـى الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْـحُكْمُ فِـى الأَصْلِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَمْ لا) كَأَنْ تَعَلَّمَ حُرْمَةَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مَعَ الزِّيَادَةِ فِـى أَحَدِ الْـجَانِبَيْـنِ عَلَى الآخَرِ بِالْوَزْنِ ثُـمَّ نَسِىَ الْـحُكْمَ فَظَنَّ جَوَازَهُ أَوْ سَـمِعَ بِنُبُوَّةِ إِلْـيَاسَ ثُـمَّ نَسِىَ فَلَمْ يَعْـتَـقِدْ ذَلِكَ فَلا يُكَفَّرُ إِنَّـمَا يُعَلَّمُ.

(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَـةُ)

اعْلَمْ أَنَّ (كُلَّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِاللَّـهِ أَوْ رُسُلِهِ) أَىْ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ كُـتُبِهِ) الَّتِـى أَنْزَلَـهَا عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ) أَىْ أَحْكَامِ شَرْعِهِ الَّذِى أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ (أَوْ وَعْدِهِ) لِلْمُؤْمِنِيـنَ بِالْـجَنَّـةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ الـنَّعِيمِ الْعَظِيمِ (أَوْ وَعِيدِهِ) لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِالـنَّارِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ الأَلِيمِ (أَوْ شَعَائِرِهِ أَىْ مَعَالِـمِ دِينِهِ) أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالأَذَانِ وَالْكَـعْبَـةِ وَالطَّوَافِ وَرَمْىِ الْـجِمَارِ (أَوْ ءَايَـاتِهِ فَهُوَ كُفْرٌ) فَلْيَعْمَلِ الإِنْسَانُ غَايَـةَ مُسْتَطَاعِهِ عَلَى تَـجَنُّبِ مَا يُـخْرِجُ مِنَ الإِسْلامِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُـفْرِ خَسِرَ الدُّنْيَـا وَالآخِرَةَ.

(وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ اللَّـفْظَ الْمُكَـفِّرَ إِلَـى ظَاهِرٍ وَصَرِيحٍ فَالظَّاهِرُ) فِـى الْكُـفْرِ هُوَ (مَا كَانَ لَهُ بِـحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ وَجْهَانِ فَأَكْثَرُ وَلَكِـنَّهُ إِلَـى الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىِّ أَقْرَبُ) أَىْ يَـحْتَمِلُ مَعْـنَيَيْـنِ فَأَكْـثَرَ بَعْضُهَا كُـفْرٌ وَبَعْضُهَا لَـيْسَ كُـفْرًا وَلَكِنِ الْمَعْـنَـى الْمُتَبَادِرُ لِلَّـفْظِ أَىْ أَوَّلُ مَعْـنًـى يَـخْطُرُ فِـى الذِّهْنِ عِنْدَ سَـمَاعِ اللَّـفْظِ فِيهِ كُفْرٌ (وَأَمَّا الصَّرِيحُ) فِـى الْكُـفْرِ (فَلَـيْسَ لَهُ بِـحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ كُـفْرِىٌّ) أَىْ لَـيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْـنًـى وَاحِدٌ هُوَ كُـفْرٌ (قَالُوا) أَىْ أَهْلُ الْعِلْمِ (مَنْ تَكَلَّمَ بِلَـفْظٍ ظَاهِرٍ) فِـى الْكُـفْرِ أَىْ (لَهُ مَعْـنَيَانِ فَأَكْـثَرُ أَحَدُهُـمَا مُتَبَادِرٌ وَهُوَ الْكُـفْرُ وَالآخَرُ غَـيْـرُ مُتَبَادِرٍ لا يُـحْكَمُ بِكُـفْرِهِ حَتَّـى يَتَبَيَّـنَ مُرَادُهُ) أَىْ لا يَـجُوزُ تَكْـفِيـرُهُ حَتَّـى يُعْرَفَ مِنْهُ الْمَعْـنَـى الَّذِى أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْمَعْـنَـى الْـكُـفْرِىَّ حُكِمَ عَلَـيْهِ بِالْكُـفْرِ أَمَّا إِنْ لَـمْ يُرِدِ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ فَلا يُـحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُـفْرِ (وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِلَـفْظٍ صَرِيحٍ فِـى الْكُـفْرِ فَيُكَفَّرُ وَلا يُسْأَلُ عَنْ مُرَادِهِ وَلا يُقْبَلُ لَهُ تَـأْوِيلٌ) لِأَنَّ اللَّـفْظَ لا يَـحْتَمِلُ مَعْـنًـى غَـيْـرَ كُـفْرِىٍّ يُصْرَفُ إِلَـيْهِ وَيُـحْمَلُ عَلَـيْهِ (إِلَّا) أَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَثْنَوْا حَالَةً وَهِىَ (أَنْ يَكُونَ) الْمُتَلَـفِّظُ بِالْكُـفْرِ (لا يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا اللَّـفْظَ مَعْنَاهُ صَرِيحٌ فِـى الْكُـفْرِ بَـلْ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ مَعْـنًـى ءَاخَرَ غَـيْـرَ كُـفْرِىٍّ فَإِنَّ هَذَا اللَّـفْظَ عِنْدَ ذَلِكَ لَـيْسَ لَهُ بِالـنِّسْبَةِ إِلَـيْهِ حُكْمُ الصَّرِيحِ) أَىْ أَنَّـهُ لا يُكَـفَّرُ لِمُجَرَّدِ تَلَـفُّظِهِ بِهِ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ وَيُعَلَّمُ أَنَّ هَذَا اللَّـفْظَ لَهُ مَعْـنًـى وَاحِدٌ هُوَ كُـفْرٌ وَلَـيْسَ لَهُ مَعْـنًـى ءَاخَرُ (مِثَالُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الـنَّاسِ مَا فِـى الْوُجُودِ إِلَّا اللَّـهُ أَوْ لا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّـهُ أَوْ هُوَ الْكُلُّ) يَعْنُونَ بِهِ اللَّـهَ (فَإِنَّ هَذِهِ الأَلْـفَاظَ مِنْ صَرِيحِ الْكُـفْرِ بـِحَسَبِ مَعْـنَاهَا اللُّغَوِىِّ لِأَنَّ مَعْـنَاهَا أَنَّ الْعَالَـمَ هُوَ اللَّـهُ) وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُـفْرِ (لَكِنْ مِنَ الـنَّاسِ مَنْ لا يَفْهَمُونَ مِنْهَا هَذَا الْمَعْـنَـى بَلْ يَظُـنُّونَ) لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْعَرَبِيَّـةِ (أَنَّ مَعْـنَاهَا أَنَّ اللَّـهَ هُوَ مُدَبِّـرُ كُلِّ شَىْءٍ) وَأَنَّـهُ لا يَـخْرُجُ شَىْءٌ فِـى هَذَا الْعَالَـمِ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّـهِ وَقُدْرَتِهِ (فَهُؤَلاءِ لا يُكَـفَّرُونَ إِذَا قَالُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنَّـمَا يُنْهَوْنَ عَـنْهَا وَيُبَيَّـنُ لَـهُمْ فَسَادُ مَعْـنَاهَا بِـخِلافِ) أَهْلِ الْوَحْدَةِ الْمُطْـلَقَةِ (الَّذِينَ وَضَعُوا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ) أَىِ أَحْدَثُوهَا (وَكَانُوا يَفْهَمُونَ) مَعْـنَاهَا أَىْ (هَذَا الْـمَعْـنَـى) الْـبَاطِلَ (الَّذِى هُوَ تَوْحِيدُ اللَّـهِ وَالْعَالَـمِ أَىْ جَعْلُ اللَّـهِ وَالْعَالَـمِ شَيْئًا وَاحِدًا فَإِنَّـهُمْ يُكَـفَّرُونَ وَهَؤُلاءِ كَانُوا مِنْ مَلاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُنْتَسِبِيـنَ إِلَـى الإِسْلامِ وَصَلَتْ إِلَـيْهِمْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ بَعْضِ فَلاسِفَةِ الْـيُونَانِ) الَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ جُـمْلَةَ الْعَالَـمِ هُوَ اللَّـهُ بِـمَا فِيهِ مِنْ ذَوِى الأَرْوَاحِ وَالْـجَمَادِ (فَسَرَتْ مِنْهُمْ هَذِهِ الأَلْـفَاظُ إِلَـى أَسْـمَاعِ بَعْضِ الْعَوَامِّ) مِنَ الْمُسْلِمِيـنَ أَىِ انْتَقَلَتْ إِلَـى أَسْـمَاعِهِمْ فَصَارُوا يَقُولُونَـهَا (مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَعْرِفُوا مَعْـنَاهَا) بَلْ ظَـنُّوا أَنَّ مَعْـنَاهَا أَنَّ اللَّـهَ مُسَيْطِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ (ثُـمَّ مُنْذُ نَـحْوِ قَرْنٍ ظَهَرَ مِنْ أُنَـاسٍ يَنْتَسِبُونَ لِلشَّاذِلِـيَّةِ الْـيَشْرُطِـيَّةِ) وَهِىَ فِرْقَـةٌ مُنْحَرِفَـةٌ (الْقَوْلُ بِـهَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ مَعْـنَاهَا الَّذِى هُوَ كُـفْرٌ وَهُوَ الْمَعْـنَـى الأَصْلِـىُّ لَـهَا وَهَؤُلاءِ تَـارَةً يَقُولُونَ اللَّـهُ حَالٌّ فِـى كُلِّ شَخْصٍ وَتَـارَةً يَقُولُونَ بِاتِّـحَادِ اللَّـهِ فِـى الأَشْخَاصِ) وَهَذَا مِنْ أَشْنَعِ أَنْوَاعِ الْكُـفْرِ وَأَشَدِّهِ.

(كَذَلِكَ إِنْ ظَنَّ شَخْصٌ لِـجَهْلِهِ بِالْمَعْـنَـى اللُّغَوِىِّ أَنَّ الْـكَـلِمَةَ الصَّرِيـحَةَ فِـى الْكُـفْرِ) أَىِ الَّتِـى لَـهَا مَعْـنًـى وَاحِدٌ كُـفْرِىٌّ (تَـحْمِلُ فِـى اللُّغَةِ وَجْهَيْـنِ) أَىْ مَعْـنَيَيْـنِ (أَحَدُهُـمَا كُـفْرِىٌّ وَالآخَرُ لَـيْسَ فِيهِ كُـفْرٌ وَنَطَقَ بِـهَا وَمُرَادُهُ غَـيْـرُ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىِّ) أَىْ وَهُوَ يَقْصِدُ الْمَعْـنَـى الَّذِى لَـيْسَ فِيهِ كُـفْرٌ (فَإِنَّـهُ لا يَكْـفُرُ) لِأَنَّـهُ حِيـنَ نُطْقِهِ بِالْكَلِمَةِ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ لَـهَا مَعْـنَيَيـْنِ أَحَدُهُـمَا كُـفْرٌ وَالآخَرُ لَـيْسَ كُـفْرًا وَهُوَ لَـمْ يَقْصِدِ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ (بِـخِلافِ مَنْ عَرَفَ أَنَّ) هَذِهِ (الْكَلِمَةَ صَرِيـحَةٌ بِـحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ وَوَلَّدَ مَعْـنًـى ءَاخَرَ لَـهَا بِزَعْمِهِ) أَىْ أَنْشَأَ لَـهَا مَعْـنًـى مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (فَقَصَدَهُ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَعْـتَـقِدَ الْمَعْـنَـى الأَصْلِـىَّ لَـهَا) الَّذِى هُوَ كُـفْرٌ (لَكِنْ تَلَـفَّظَ بِـهَا عَمْدًا مَعَ فَهْمِهِ لِلْمَعْـنَـى الأَصْلِـىِّ) فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ لِأَنَّهُ نَطَقَ بِكَـلِمَةِ الْـكُـفْرِ مَعَ عِلْمِهِ بِـمَعْـنَاهَا (وَذَلِكَ كَـقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ) لِمَنْ يُـخَاطِـبُهُ (أُخْتَ رَبِّـكَ أَوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِـبَعْضٍ يَـا ابْنَ اللَّـهِ فَهُؤَلاءِ يَكْـفُرُونَ مَعَ أَنَّـهُمْ لا يَقْصِدُونَ الْمَعْـنَـى) وَلا يَعْتَـقِدُونَهُ (وَهَؤُلاءِ قِسْمٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ بِالْعَامِيَّـةِ يَـا إِبِنْ أَلَّا بِدُونِ هَاءٍ مِنْ لَـفْظِ الْـجَلالَةِ وَهُمْ يَفْهَمُونَ مِنْ هَذَا اللَّـفْظِ اللَّـهَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ) لَـفْظَ الْـجَلالَةِ (اللَّـه بِالْـهَاءِ وَ)لَـفْظَ (أَلَّا بِلا هَاءٍ وَاحِدٌ) فَـيُحْكَمُ عَلَـيْهِمْ بِالْكُـفْرِ لِأَنَّـهُمْ يَعْـتَـقِدُونَ أَنَّ مَعْـنَـى الْـكَـلِمَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَـةُ نِسْبَـةُ الْوَلَدِ إِلَـى اللَّـهِ تَعَالَـى وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ. (فَمَنْ تَلَـفَّظَ بِالصَّرِيحِ مِنْ أَلْـفَاظِ الرِّدَّةِ) أَىِ الْكُـفْرِ (نَظَرْنَـا فِـى حَالِهِ هَلْ يَفْهَمُ الْمَعْـنَـى) أَىْ هَلْ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّـفْظَ لَـيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْـنًـى وَاحِدٌ هُوَ كُـفْرٌ (أَوْ يَـجْهَلُهُ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْـكَـلِمَةَ مَعْـنَاهَا شَىْءٌ ءَاخَرُ) لَـيْسَ كُـفْرًا (فَإِنْ كَانَ يَـجْهَلُهُ فَإِنَّــنَا لا نُـكَـفِّرُهُ فِـى هَذِهِ الْـحَالِ بَلْ نُعَـلِّمُهُ) أَنَّ (مَعْـنَـى الْـكَلامِ) الَّذِى قَالَهُ كُفْرٌ (وَنَــنْهَاهُ عَـنْهُ، حَتَّـى لَـوْ نَطَقَ بِالصَّرِيحِ) أَىْ بِاللَّـفْظِ الصَّرِيحِ فِـى الْـكُـفْرِ (وَهُوَ نَـاسٍ لِلْمَعْـنَـى الْـكُـفْرِىِّ الَّذِى كَانَ يَعْرِفُهُ قَــبْلًا وَلَـمْ يَكُنْ يَفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الـنُّطْقِ) بِهِ (إِلَّا مَعْـنًـى لَـيْسَ فِيهِ كُـفْرٌ فَلا يَكْـفُرُ. وَيُعْلَمُ مِنْ هُنَا أَنَّـهُ لا يَنْبَـغِـى الـتَّسَرُّعُ فِـى إِطْلاقِ الـتَّـكْـفِيـرِ عَلَى شَخْصٍ نَطَقَ بِكَلامٍ غَـيْـرِ صَرِيحٍ بِالْـكُـفْرِ وَلَـكِـنَّهُ ظَاهِرٌ فِـى الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىّ قَبْلَ الْعِلْمِ بِـمُرَادِهِ) كَأَنْ كَانَ لَهُ مَعْـنَيَانِ وَلَكِنَّ الْمَعْـنَـى الْمُتَبَادِرَ لِلَّـفْظِ فِيهِ كُـفْرٌ (وَلا إِطْلاقِ الـتَّكْـفِيـرِ عَلَى مَنْ نَطَقَ بِالصَّرِيحِ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْـنَـى اللَّـفْظِ وَيَعْرِفَ كَـوْنَهُ صَرِيـحًا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْـحَنَفِيَّـةِ وَغَـيْـرِهِمْ إِذَا كَانَ لِلْكَلِمَةِ سَبْعُونَ مَعْـنًـى هِىَ كُـفْرٌ وَمَعْـنًـى وَاحِدٌ لَـيْسَ كُـفْرًا لا يُكَـفَّرُ الْـمُتَلَـفِّظُ بِـهَا إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّـهُ أَرَادَ مَعْـنًـى مِنَ الْمَعَانِـى الَّتِـى هِىَ كُـفْرٌ، وَيُــنْسَبُ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا إِلَـى أَبِـى حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكٍ وَلا يَصِحُّ ذَلِكَ عَـنْهُمَا) أَىْ لا يَصِحُّ نِسْبَـةُ ذَلِكَ إِلَـيْهِمَا (لَكِنَّ الْمَعْـنَـى صَحِيحٌ وَلَوْ لَـمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الإِمَامَيْـنِ) أَمَّا مَا يَنْسُبُهُ بَعْضُ الـنَّاسِ إِلَـيْهِمَا أَنَّـهُ إِذَا كَانَ فِـى اللَّـفْظِ الصَّرِيحِ فِـى الْكُفْرِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ قَوْلًا بِالـتَّكْـفِيـرِ وَقَوْلٌ وَاحِدٌ بِعَدَمِ الـتَّكْـفِيـرِ يُؤْخَذُ بِـهَذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ فَلا يُـحْكَمُ بِكُـفْرِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وافْتِـرَاءٌ عَلَى الإِمَامَيْـنِ الْـجَلِيلَـيْـنِ (وَالـتَّعْبِيـرُ الْمُقَرَّرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِـى إِثْبَـاتِ حُكْمِ الرِّدَّةِ هُوَ قَوْلُـهُمْ إِنْ كَانَ لِلْكَـلِمَةِ وُجُوهٌ تَقْتَضِى الْـكُـفْرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ لا يَقْتَضِى الْكُـفْرَ لا يُكَـفِّرُهُ الْمُفْتِـى إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ وَمُرَادُهُمْ بِالْوُجُوهِ الْمَعَانِـى) أَىْ إِذَا كَانَ لِلْكَلِمَةِ عِدَّةُ مَعَانٍ كُلُّهَا كُـفْرٌ إِلَّا مَعْـنًـى وَاحِدًا لَـيْسَ كُـفْرًا لا يَـحْكُمُ الْمُفْتِـى بِكُـفْرِهِ إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْقَائِلُ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ (فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ يَكُونُ لَـهَا بِضْعَةَ عَشَرَ مَعْـنًـى) فِـى اللُّغَةِ (كَكَلِمَةِ الْـيَدِ فَمَنْ نَسَبَ الْـيَدَ إِلَـى اللَّـهِ وَأَرَادَ بِـهَا الْـجَارِحَةَ أَىِ الْعُضْوَ الَّذِى هُوَ مِنَ الإِنْسَانِ أَوْ غَـيْـرِهِ يُـحْكَمُ عَلَـيْهِ بِالْكُـفْرِ لِأَنَّـهُ شَبَّـهَ اللَّـهَ بِـخَلْقِهِ) كَالْوَهَّابِيَّـةِ أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّـةِ فَإِنَّـهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لِلَّـهِ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا وَفِـى الِاعْتِقَادِ يَعْـتَـقِدُونَ الْـجِسْمَ الَّذِى تَعْرِفُهُ الـنُّفُوسُ أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ لِلَّـهِ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا عَلَى مَعْـنَـى الصِّفَةِ كَمَا فِـى قَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَىْ بِقُوَّةٍ (وَمَنْ نَسَبَ الْـيَدَ إِلَـى اللَّـهِ وَأَرَادَ بِـهَا الْقُدْرَةَ أَوِ الـنِّعْمَةَ أَوْ نَـحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِـى الَّتِـى لَـيْسَ فِيهَا تَشْبِيهُ اللَّـهِ بِـخَلْقِهِ فَلا يُكَـفَّرُ فَعَلَى هَذَا الـتَّفْصِيلِ يُـحْكَمُ عَلَى مَنْ يُفَسِّرُ الْـيَدَ الْمُضَافَةَ إِلَـى اللَّـهِ فِـى الْقُرْءَانِ) فِـى قَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (وَعَلَى مَنْ يُفَسِّرُ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ الْوَارِدِ فِيهِ) فِـى قَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿الرَّحْـمـٰنُ عَلَى الْـعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (وَالْمَجِىءَ الْوَارِدَ فِـى قَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾. فَإِنْ فَسَّرَ الْـيَدَ بِالْـجَارِحَةِ أَوِ الِاسْتِوَاءَ بِالْـجُلُوسِ أَوِ الِاسْتِقْرَارِ) أَوِ الْمُحَاذَاةِ أَىْ كَـوْنِ الشَّىْءٍ فِـى مُقَابِلِ شَىْءٍ (أَوْ عُلُوِّ الْمَكَانِ وَالْمَسَافَةِ أَىْ فَسَّرَ) الِاسْتِوَاءَ (الْوَارِدَ) فِـى الْقُرْءَانِ (بِالْمَعْـنَـى الْـحِسِّىِّ الَّذِى هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ أَوْ فَسَّرَ الْمَجِىءَ بِأَنَّـهُ كَمَجِىءِ الإِنْسَانِ وَالْمَلائِكَةِ بِالِانْتِقَالِ وَالْـحَرَكَةِ مِنْ جِهَةٍ إِلَـى جِهَةٍ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ). أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَـى ﴿الرَّحْـمـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقَهْرِ وَمَعْـنَـى قَهْرِ اللَّـهِ لِلْعَرْشِ الَّذِى هُوَ أَكْـبَـرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا أَنَّ الْعَرْشَ تَـحْتَ تَصَرُّفِ اللَّـهِ هُوَ أَوْجَدَهُ وَحَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ، حَفِظَهُ مِنَ الْـهُوِىِّ وَالسُّقُوطِ وَلَوْلا حِفْظُ اللَّـهِ لَهُ لَـهَوَى وَتَـحَطَّمَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَـى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ الإِمَامُ أَحْـمَدُ بِقَوْلِهِ جَاءَتْ قُدْرَتُهُ أَىْ ءَاثَـارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِـى تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِـجُزْءٍ كَبِيـرٍ مِنْ جَهَنَّمَ إِلَـى الْمَوْقِفِ حَتَّـى يَرَاهُ الْكُـفَّارُ فَيَفْزَعُوا وَشَهَادَةِ الأَيْدِى وَالأَرْجُلِ بِـمَا كَسَبَهُ الْكُـفَّارُ مَعَ الْـخَتْمِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.

وَ(بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقُولُ لَوْ سَـمِعْنَا شَخْصًا يَقُولُ مَثَلًا الصَّلاةُ عَلَى الـنَّبِـىِّ مَكْرُوهَةٌ فَلا يَنْبَغِـى الـتَّسَرُّعُ فِـى تَكْـفِيـرِهِ بَـلْ يُسْأَلُ عَنْ مُرَادِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ يُطْلِقُونَ كَلِمَةَ الـنَّبِـىِّ عَلَى الأَرْضِ الْمُرْتَفِعَةِ الْمُحْدَوْدِبَـةِ فَإِنْ تَبَيَّـنَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَـةِ مَكْرُوهَةٌ لِكَـوْنِ هَذِهِ الصَّلاةِ لا خُشُوعَ فِيهَا فَكَلامُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ تَبَيَّـنَ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى الـنَّبِـىِّ مُـحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَفِـى) كِـتَابِ (الْقَامُوسِ) الْمُحِيطِ لِلْفَيْـرُوزَابَـادِىِّ (وَغَـيْـرِهِ) كَلِسَانِ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (أَنَّ كَلِمَةَ الـنَّبِـىِّ) فِـى اللُّغَةِ (لَـهَا هَذَانِ الْمَعْـنَيَانِ) أَىْ تَـأْتِـى بِـمَعْـنَـى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَـةِ وَتَـأْتِـى بِـمَعْـنَـى مَنْ أُوحِىَ إِلَـيْهِ بِالـنُّبُوَّةِ.

(وَيَتَبَيَّـنُ لَـنَا أَيْضًا أَنَّـهُ لَـيْسَ لِلْمُفْتِـى أَنْ يُفْتِـىَ فِـى هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ لِسَانَ أَهْلِ الْـبَلَدِ فِـى مَا يَسْتَعْمِلُونَ مِنَ الأَلْـفَاظِ أَىْ أَنَّـهُ لَـيْسَ لِلْمُفْتِـى أَنْ يُفْتِـىَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَلْـفَاظِ) أَىْ فِـى حُكْمِ مَا يَقُولُهُ الـنَّاسُ مِنَ الأَلْـفَاظِ (إِلَّا أَنْ يَعْرِفَ اصْطِلاحَاتِ أَهْلِ الْبَلَدِ).

(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَـةُ)

(مَنِ اعْـتَقَدَ مَا هُوَ كُفْرٌ بِالإِجْـمَاعِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مُـجْمَعًا عَلَى كَـوْنِهِ كُـفْرًا أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ صَرِيـحَةٍ مُـجْمَعٍ عَلَى كَـوْنِـهَا كُـفْرًا لا يَنْفَعُهُ الـتَّشَهُّدُ مَعَ الشَّكِّ فِـى الْـحُكْمِ) أَىْ مَعَ شَكِّهِ فِـى كَـوْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ كُـفْرًا لِأَنَّـهُ لا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَـيْـنَ الْكُـفْرِ وَالإِيـمَانِ (بَـلْ لا بُدَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ لِلـتَّبَـرُّؤِ مِنَ الْكُـفْرِ مَعَ جَزْمِهِ بِأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ) هُوَ (كُـفْرٌ) أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَـجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ وَيَتَخَلَّى عَـنْهُ وَيَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَــيْـنِ (وَلا يُـفِيدُهُ الـتَّشَهُّدُ مَا لَـمْ يَرْجِعْ عَنِ الْكُـفْرِ) أَىْ مَا لَـمْ يَـجْزِمْ بِقَلْبِهِ أَنَّـهُ وَقَعَ فِـى الْكُـفْرِ وَيَتَخَلَّى عَـنْهُ (كَمَا يَـحْصُلُ مِنْ كَـثِيـرٍ مِنَ الـنَّاسِ أَنَّـهُمْ يَنْطِـقُونَ بِأَلفَاظٍ كُفْرِيَّـةٍ) صَرِيـحَةٍ فِـى الْكُـفْرِ أَوْ غَـيْـرِ صَرِيـحَةٍ لَـكِـنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِـهَا الْمَعْـنَـى الْـكُـفْرِىَّ (ثُـمَّ يَتَشَهَّدُونَ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهَا أَىْ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّـهَا كُـفْرٌ فَيَتَبَـرَّأُوا مِنْهَا فِـى قُلُوبِـهِمْ فَتَشَهُّدُهُمْ هَذَا لا يَنْفَعُهُمْ).

(وَلَوْ تَشَهَّدَ شَخْصٌ لِلـتَّبَـرُّؤِ مِنْ كُلِّ كُـفْرٍ إِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ) لِـكَـوْنِهِ خَافَ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِـى الْكُـفْرِ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ يَنْتَبِهَ (ثُـمَّ بَعْدَ فَــتْـرَةٍ) مِنْ تَشَهُّدِهِ (تَــيَقَّنَ أَنَّـهُ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ كُفْرٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَشَهُّدٌ ثَـانٍ أَوْ يَكْـفِيهِ الـتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ الْـحُكْمُ هُنَا يَـخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ حِيـنَ تَشَهُّدِهِ بِنِيَّةِ الـتَّبَـرُّؤِ مِنَ الْكُـفْرِ عَالِمًا بِـحُكْمِ الْمَسْئَلَةِ الَّتِـى) حَصَلَتْ مِنْهُ وَ(تَذَكَّـرَهَا فِيمَا بَعْدُ كَفَاهُ تَشَهُّدُهُ الأَوَّلُ) لِأَنَّـهُ كَارِهٌ لِلْكُـفْرِ بِقَلْبِهِ وَمُتَبَـرِّئٌ مِنْهُ وَيُرِيدُ الْـخَلاصَ مِنْهُ (وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ مِنْ جَدِيدٍ) أَىْ إِنْ لَـمْ يَكُنْ عَالِمًا بِـحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ (لِلْخُرُوجِ مِنَ) هَذَا (الْـكُـفْرِ) بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْهُ هُوَ كُـفْرٌ.

(وَإِذَا رَجَعَ الشَّخْصُ عَنِ الْكُـفْرِ وَتَشَهَّدَ) لِلْخَلاصِ مِنْهُ (لا يُشْتَـرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِـى قَلْبِهِ عِنْدَ ذَلِكَ عِبَارَةً بِعَـيْنِهَا مِنْ نَـحْوِ نَوَيْتُ الدُّخُولَ فِـى الإِسْلامِ بَلِ اشْتِـرَاطُ اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ لا مَعْـنًـى لَهُ بَـلْ إِذَا عَرَفَ أَنَّـهُ كَـفَرَ فَرَجَعَ) عَنِ الْكُـفْرِ أَىْ تَـخَلَّى عَـنْهُ (وَتَشَهَّدَ لِـيَخْلُصَ مِنَ الْكُـفْرِ فَهَذَا) الْقَصْدُ (هُوَ نِيَّـةُ الدُّخُولِ فِـى الإِسْلامِ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِـنَا لِلْكَافِرِ تَشَهَّدْ بِنِيَّـةِ الدُّخُولِ فِـى الإِسْلامِ أَىِ اعْلَمْ أَنَّكَ كَافِرٌ وَأَقْلِعْ عَنِ الْكُـفْرِ) أَىِ اتْرُكْهُ (وَتَشَهَّدْ لِـتَصِيـرَ مُسْلِمًا فَلا ضَرَرَ فِـى هَذَا) إِذْ لَـيْسَ مَعْـنَاهُ أَخِّرْ دُخُولَكَ فِـى الإِسْلامِ بَلْ مَعْـنَاهُ لِـيَكُنْ تَشَهُّدُكَ بِقَصْدِ الْـخَلاصِ مِنَ الْكُـفْرِ وَالدُّخُولِ فِـى الإِسْلامِ.

(تَــنْبِيهٌ مُهِمٍّ) وَهُوَ أَنَّ (مَنْ كَـفَرَ ثُـمَ قَالَ أَسْتَغْـفِرُ اللَّـهَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَـى الإِسْلامِ بِالشَّهَادَتَـيْـنِ لا يَنْفَعُهُ قَوْلُ أَسْتَغْفِرُ اللَّـهَ شَيْئًا) أَىْ لا يَرْجِعُ إِلَـى الإِسْلامِ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّـهَ كَمَا نَقَلَ الإِجْـمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِـى كِتَابَيْهِ الإِشْرَافِ وَالإِجْـمَاعِ (بَـلْ يَزْدَادُ) إِثْـمًا وَ(كُـفْرًا لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ) مِنَ اللَّـهِ (وَهُوَ عَلَى الْكُـفْرِ وَاللَّـهُ لا يَغْفِرُ كُـفْرَ الْكَافِرِ وَلا ذُنُوبَهُ وَهُوَ عَلَى كُـفْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَـى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَـفَرُوا وَظَـلَمُوا لَـمْ يَكُنِ اللَّـهُ لِـيَغْفِرَ لَـهُمْ﴾. 

(تَنْبِيهٌ) مُهِمٌّ (ءَاخَرُ) وَهُوَ أَنَّهُ (مَنْ وَقَعَ فِـى كُفْرٍ) وَ(لَـمْ يَعْرِفْ كَـوْنَهُ كُـفْرًا ثُـمَّ عِنْدَمَا تَعَلَّمَ الْـحُكْمَ أَنَّـهُ كُـفْرٌ) كَرِهَهُ لَـكِـنَّـهُ (لَـمْ يَتَذَكَّرْ وُقُوعَهُ فِيهِ) وَلَوْ تَذَكَّرَ لَـتَشَهَّدَ فَوْرًا لِأَنَّهُ لا يُرِيدُ لِـنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْـكُـفْرِ (وَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَىْ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ الْـحُكْمَ (يَتَلَـفَّظُ بِالشَّهَادَتَــيْـنِ دُونَ اسْتِحْضَارٍ لِمَا حَصَلَ مِنْهُ مِنَ الْكُـفْرِ عَلَى عَادَتِهِ) أَىْ صَارَ يَتَلَـفَّظُ بِالشَّهَادَتَــيْـنِ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ (لا بِنِيَّةِ الـتَّقَرُّبِ إِلَـى اللَّـهِ بِالـتَّلَـفُّظِ بِـهِمَا) كَأَنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ أَنْ يَتَشَهَّدَ إِذَا ضَايَقَهُ أَحَدٌ مِنْ غَـيْـرِ أَنْ تَكُونَ نِـيَّتُهُ طَلَبَ الثَّوَابِ مِنَ اللَّـهِ فَإِنَّـهُ يَرْجِعُ إِلَـى الإِسْلامِ بِنُطْـقِهِ بِالشَّهَادَتَيْـنِ. فَإِذَا تَشَهَّدَ (ثُـمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ تَذَكَّرَ أَنَّـهُ وَقَعَ فِـى ذَلِكَ الْكُـفْرِ وَأَنَّـهُ لَـمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ بِنِيَّـةِ الْـخَلاصِ مِنَ الْكُـفْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ غَـيْـرَ ذَاكِرٍ وُقُوعَهُ فِيهِ فَشَهَادَتُهُ الَّتِـى كَانَ تَشَهَّدَهَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ نَفَعَـتْهُ وَلا) يَـحْتَاجُ أَنْ (يُـعِيدَ الـتَّشَهُّدَ لِأَنَّهُ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَــيْـنِ فِـى حَالِ كَوْنِهِ مُتَـرَاجِعًا عَنِ الْكُـفْرِ غَـيْـرَ مُعَانِدٍ). أَمَّا إِذَا تَشَهَّدَ بِنِيَّـةِ الـتَّقَرُّبِ إِلَـى اللَّـهِ كَأَنْ صَلَّى ظَــنًّا مِنْهُ أَنَّـهُ عَلَى الإِسْلامِ وَأَنَّ صَلاتَهُ صَحِيحَةٌ مَقْبُولَةٌ فَتَشَهَّدَ فِـى الصَّلاةِ لا يَرْجِعُ إِلَـى الإِسْلامِ لِأَنَّـهُ أَتَى بِالشَّهَادَتَــيْـنِ عَلَى أَنَّـهُمَا جُزْءٌ مِنْ عِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ وَقَدْ نَصَّ الْمَاوَرْدِىُّ عَلَى أَنَّ الدُّخُولَ فِـى الإِسْلامِ لا يَكُونُ بِالصَّلاةِ مَعَ كَـوْنِـهَا مُتَضَمِّنَةً لِلشَّهَادَتَــيْـنِ.

(وَإِذَا تَلَـفَّظَ امْرُؤٌ بِكَلامٍ لَهُ أَكْـثَرُ مِنْ مَعْـنًـى وَبَعْضُ مَعَانِيهِ كُـفْرٌ دُونَ الْـبَعْضِ الآخَرِ وَشَكَّ هَلْ قَصَدَ عِنْدَ نُطْقِهِ الْمَعْـنَـى الْكُـفْرِىَّ أَوْ غَـيْـرَهُ) أَىْ صَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِـى الْكُـفْرِ (فَإِنَّـهُ يَـجِبُ عَلَـيْهِ) عِنْدَئِذٍ (الـتَّشَهُّدُ احْتِيَاطًا عَلَى الْفَوْرِ) أَىْ يَـجِبُ عَلَـيْهِ فَوْرًا أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَــيْـنِ لِأَجْلِ أَنْ يَـخْلُصَ مِنَ الْكُـفْرِ فِـى حَالِ كَانَ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ (وَكَذَا إِذَا عَلِمَ حُكْمَ عِبَارَةٍ أَنَّـهُ كُـفْرٌ وَشَكَّ هَلْ حَصَلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْهُ أَوْ لَـمْ تَـحْصُلْ) أَىْ صَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِـى الْكُـفْرِ وَلَـيْسَ مُـجَرَّدَ خَاطِرٍ (فَإِنَّـهُ يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَـى الـتَّشَهُّدِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَيَنْفَعُهُ هَذَا الـتَّشَهُّدُ) لِلْخَلاصِ مِنَ الْكُـفْرِ (فِـى حَالِ كَانَ قَدْ وَقَعَ فِـى الْكُـفْرِ عَلَى الْـحَقِيقَةِ).

(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ)

اعْلَمْ أَنَّ الْـحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ هُوَ الَّذِى ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَىْ صَحَّ عَنْهُ وَرَوَاهُ جَـمْعٌ عَنْ جَـمْعٍ يَسْتَحِيلُ عَادَةً اتِّـفَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَهُوَ حُجَّةٌ مِثْلُ الْقُرْءَانِ لَـكِنْ (لا يَكْفُرُ مُنْكِرُ لَـفْظِ الْـحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ) بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الْـحَدِيثَ رُوِىَ بِلَـفْظٍ ءَاخَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ إِنْـكَارُهُ يُؤَدِّى إِلَـى تَكْذِيبِ أَمْرٍ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (إِنَّـمَا يَكْـفُرُ إِنْ أَنْـكَـرَ مَعْـنَاهُ وَكَانَ) الْمَعْـنَـى (مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) كَإِنْـكَارِ حُرْمَةِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ فَإِنَّـهُ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْـيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ الـنَّارِ (بِـخِلافِ مَنْ أَنْـكَرَ) وَلَوْ (حَرْفًا) وَاحِدًا (مِنْ كِـتَابِ اللَّـهِ عِنَادًا) أَىْ كَانَ إِنْـكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ (وَلَوْ لَـمْ يُفْسِدْ إِنْـكَارُهُ الْمَعْـنَـى).

(وَالأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ خَـمْسُونَ وَقَالَ ءَاخَرُونَ غَـيْـرَ ذَلِكَ).

(الْقَاعِدَةُ الْـخَامِسَةُ)

(مَنْ عَزَمَ عَلَى الْكُـفْرِ فِـى الْمُسْتَقْبَلِ) كَأَنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْـفُرَ بَعْدَ سَنَةٍ (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَىْ تَرَدَّدَ هَلْ يَكْـفُرُ أَوْ لا (أَوْ عَلَّقَ كُـفْرَهُ بِـحُصُولِ أَمْرٍ كَأَنْ قَالَ إِنْ تَلِفَ مَالِـى أَوْ هَلَكَ وَلَدِى تَـهَوَّدْتُ) أَىْ أَدِينُ بِالْـيَهُودِيَّـةِ (أَوْ أَنْتَـقِلُ إِلَـى دِينٍ) ءَاخَرَ (غَـيْـرِ دِينِ الإِسْلامِ كَفَرَ فِـى الْـحَالِ وَكَذَا) يَكْـفُرُ (مَنْ أَمَرَ غَـيْـرَهُ بِالْكُـفْرِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الـنَّاسِ لِـتَمْرِينِ الطِّـفْلِ عَلَى الْكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهُ سُبَّ لِـهَذَا رَبَّـهُ فَإِنَّ مَنْ أَمَرَ الطِّـفْلَ الَّذِى لا يَفْهَمُ الْمَعْـنَـى بِـهَذَا الْكَلامِ يَكْفُرُ كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ كَبِيـرٍ سُبَّ لِـهَذَا رَبَّهُ فَالْـحُكْمُ وَاحِدٌ) وَكَذَا يَكْـفُرُ مَنْ يَسْأَلُ الْكَافِرَ سُؤَالًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيُجِيبُ بِالْكُـفْرِ فَهَذَا كَأَنَّـهُ يَقُولُ لَهُ اكْـفُرْ. (وَيَكْفُرُ مَنْ أَكْـرَهَ إِنْسَانًـا عَلَى الْكُـفْرِ) كَأَنْ قَالَ لَهُ اكْـفُرْ بِاللَّـهِ وَإِلَّا قَـتَلْتُكَ.

(وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَىْ وَمِثْلُ الْعَزْمِ عَلَى الْكُـفْرِ وَالـتَّـرَدُّدِ فِيهِ وَالإِكْرَاهِ عَلَـيْهِ وَالأَمْرِ بِهِ وَتَعْلِيقِهِ بِـحُصُولِ أَمْرٍ الإِعَانَـةُ عَلَى الْكُـفْرِ كَإِيصَالِ الْكَافِرِ إِلَـى مَكَانِ عِبَادَتِهِ أَوْ إِعَانَتِهِ بِـمَالٍ لِـيَسْتَعْمِلَهُ فِـى الْوُصُولِ إِلَـيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْصِدُهُ لِـيَكْفُرَ فِيهِ (فَهُوَ) كُفْرٌ بِالإِجْـمَاعِ. وَأَمَّا الإِعَانَـةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَهِىَ مَعْصِيَةٌ (كَـبَيْعِ الْعِنَبِ مِـمَّنْ يَعْلَمُ) أَىْ لِمَنْ يَعْلَمُ (أَنَّهُ يَتَّخِذُ مِنْهُ الْـخَمْرَ وَذَلِكَ مَـحْظُورٌ) شَرْعًا (وَ)فِيهِ (إِعَانَةٌ عَلَى) فِعْلِ (الشَّرِّ وَمُشَارَكَةٌ فِيهِ إِنْ عَلِمَ أَنَّـهُمْ يَعْصُونَ اللَّـهَ بِهِ فَذَلِكَ حَرَامٌ كَـبَيْعِ الْعِنَبِ مِنَ الْـخَمَّارِ) أَىْ لِلْخَمَّارِ الَّذِى يَعْصِرُهُ خَـمْرًا وَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ (وَإِنَّـمَا الْـخِلافُ فِـى الصِّحَّةِ) أَىْ صِحَّةِ الْـبَيْعِ.

وَ(اسْتِحْسَانُ الْكُفْرِ مِنْ غَـيْـرِهِ) كُـفْرٌ كَمَنْ يَسْتَحْسِنُ دِينًا غَـيْـرَ دِينِ الإِسْلامِ أَوْ يَضْحَكُ لِكُفْرِ الْغَـيْـرِ عَلَى وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ (أَمَّا مَنْ ضَحِكَ لِلتَّهَكُّمِ بِـمَنْ نَطَقَ بِالْكُـفْرِ) أَىْ لِلِاسْتِهْزَاءِ بِهِ (أَوْ مَغْلُوبًـا فَلا يَكْـفُرُ لِأَنَّهُ غَـيْـرُ رَاضٍ بِالْكُـفْرِ وَلا مُسْتَحْسِنٌ لَهُ).

(وَ)أَمَّا (إِذَا عَزَمَ الْكَافِرُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ) بَعْدَ وَقْتٍ (وَلَـمْ يُسْلِمْ بِالْفِعْلِ فَلا يَـجْعَلُهُ ذَلِكَ مُؤْمِنًـا حَتَّـى يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْـنِ عَنْ عَزْمٍ وَجَزْمٍ فَيَكُونَ مُسْلِمًا) فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِـهِمَا مَاتَ كَافِرًا وَأَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ فِـى الإِسْلامِ بِالـنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْـنِ فِـى الْـحَالِ فَفَجَأَهُ الْمَوْتُ وَمَنَعَهُ مِنَ الـنُّطْقِ بِـهِمَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّـهِ مُؤْمِنٌ نَـاجٍ.

(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ)

(كُلُّ فِعْلٍ) أَجْـمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ (لا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ فَهُوَ كُـفْرٌ وَمِثَـالُ ذَلِكَ رَمْىُ الْمُصْحَفِ فِـى الْقَاذُورَاتِ) أَوْ دَوْسُهُ أَوِ الْبَوْلُ عَلَـيْهِ وَكِتَابَـةُ الْقُرْءَانِ بِالْـبَوْلِ أَوْ بِدَمِ الْـحَيْضِ وَلَـوْ لِغَرَضِ الِاسْتِشْفَاءِ (وَالسُّجُودُ لِصَنَمٍ أَوْ شَـمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ شَيْطَانٍ) أَوْ نَـارٍ وَلَوْ لَـمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَـهَا وَكَذَا السُّجُودُ لِإِنْسَانٍ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَسُجُودِ أَتْبَاعِ فِرْعَوْنَ لَهُ أَوْ تَعْلِيقُ شِعَارِ الْكُفْرِ عَلَى نَـفْسِهِ لِاعْتِقَادِ وُجُودِ الْـبَـرَكَةِ فِيهِ أَوْ عَلَّـقَهُ تَعْظِيمًا لَهُ أَوْ جَوَّزَ تَعْلِيقَهُ مِنْ غَـيْـرِ ضَرُورَةٍ. وَشِعَارُ الْـكُـفْرِ هُوَ مَا اتَّـخَذَهُ الْـكُـفَّارُ عَلامَةً دِينِيَّـةً خَاصَّةً بِـهِمْ.

(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ)

(مَنْ تَـمَنَّـى) بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ (حِلَّ أَمْرٍ كَانَ مُـحَرَّمًا فِـى جَـمِيعِ الشَّرَائِعِ) الَّتِـى أَنْزَلَـهَا اللَّـهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ (مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ) أَىْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّـهُ كَانَ حَرَامًا فِـى كُلِّ الشَّرَائِعِ (كَـفَرَ كَأَنْ تَـمَنَّـى حِلَّ الزِّنَـى أَوْ أَكْلِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَـحْمِ الْـخِنْزِيرِ وَأَكْلِ مَا رُفِعَ عَلَـيْهِ اسْمُ غَـيْـرِ اللَّـهِ عِنْدَ ذَبْـحِهِ) أَىْ سُـمِّىَ عَلَـيْهِ اسْمُ غَـيْـرِ اللَّـهِ عِنْدَ ذَبـْحِهِ كَـقَوْلِ بِاسْمِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى أَوْ تَـمَنَّـى حِلَّ الظُّـلْمِ أَوْ قَـتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَـيْـرِ حَقٍّ (فَإِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ حُرِّمَتْ فِـى جَـمِيعِ الشَّرَائِعِ مِنْ شَرِيعَةِ ءَادَمَ إِلَـى شَرِيعَةِ مُـحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَـيْهِمَا وَسَلَّمَ بِـخِلافِ مَنْ تَـمَنَّـى حِلَّ أَمْرٍ كَانَ حَلالًا فِـى بَعْضِ الشَّرَائِعِ كَالْـجَمْعِ بَيْـنَ الأُخْتَيْـنِ فِـى النِّكَاحِ أَوْ تَـمَنَّـى حِلَّ أَمْرٍ كَانَ مُـحَرَّمًا فِـى جَـمِيعِ الشَّرَائِعِ لَكِـنَّهُ جَهِلَ ذَلِكَ) أَىْ جَهِلَ حُرْمَتَهُ فِـى كُلِّ الشَّرَائِعِ وَظَنَّ حِلَّهُ فِـى بَعْضِهَا (فَإِنَّهُ لا يَكْـفُرُ).

(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ)

(مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا بِلا تَـأْوِيلٍ) كَأَنْ قَالَ لَهُ يَـا كَافِرُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّـهُ مُسْلِمٌ وَلا يَعْلَمُ عَـنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُـفْرًا (كَفَرَ) الْـقَائِلُ (كَمَا صَحَّ فِـى حَدِيثِ مُسْلِمٍ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَـا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِـهَا أَحَدُهُـمَا (أَىْ كَانَ الْوِزْرُ عَلَى أَحَدِهِـمَا) فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ (أَىْ إِنْ كَانَ كَافِرًا حَقِيقَةً خَارِجًا مِنَ الإِسْلامِ فَالْوِزْرُ عَلَـيْهِ دُونَ مَنْ كَـفَّرَهُ) وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَـيْهِ (أَىْ وَإِلَّا كَانَ الْوِزْرُ عَلَى مَنْ كَـفَّرَهُ بِغَـيْـرِ حَقٍّ فَإِنْ كَـفَّرَهُ وَلا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْـتَـقِدُهُ كُـفْرًا كَفَرَ الْقَائِلُ (وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الإِسْلامَ الَّذِى عَلَـيْهِ هَذَا الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ كُـفْرًا وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا) أَىْ كَـفَّرَهُ لِأَنَّـهُ رَأَى مِنْهُ مَعْصِيَـةً ظَـنَّهَا كُـفْرًا (كَأَنْ كَـفَّرَهُ لِشُرْبِ الْـخَمْرِ أَوْ لِلزِّنَـى أَوْ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ لِـجَهْلِهِ أَنَّ شُرْبَـهُ لِلْخَمْرِ أَوْ زِنَـاهُ أَوْ مُـجَرَّدَ انْتِحَارِهِ كُـفْرٌ فَكَـفَّرَهُ لِذَلِكَ فَلا يُكَـفَّرُ إِنَّـمَا يُـفَسَّقُ) أَىْ عَلَـيْهِ ذَنْبٌ كَبِيـرٌ. (وَكَذَلِكَ لَـوْ) شَبَّهَهُ بِالْكَافِرِ كَأَنْ (قَالَ لَهُ يَـا كَافِرُ مُرِيدًا أَنَّ حَالَكَ وَسِيـرَتَكَ لِشِدَّةِ سُوئِهِمَا يُشْبِهَانِ حَالَ وَسِيـرَةَ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لا يَكْـفُرُ) لَكِنْ عَلَـيْهِ ذَنْبٌ كَبِيـرٌ بِـخِلافِ مَا لَـوْ قَالَ أَنَـا كَافِرٌ فَإِنَّـهُ يَكْـفُرُ وَلا تَـأْوِيلَ لِكَلامِهِ.

Share this page to Telegram

أعجبك المقال؟ شاركه مع غيرك

❤️

فيسبوك إكس واتساب تيليجرام

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة