[1] الاستهلال
الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعد فإن [لطائف التنبيهات] كتاب من تصنيف الشيخ الشريف الدكتور جميل حليم الأشعري الشافعي؛ وقد صنَّف حفظه الله هذا الكتاب للتنبيه [على بعض ما في صحيحَيْ البخاري ومسلم من الروايات] وبَيَّنَ حفظه الله أن كتابَي البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز وأنَّ البخاري ومسلم هما القمران النَّيِّران رضي الله عنهما؛ وبَيَّنَ أن الحُفَّاظ والعلماء وضعوا تنبيهات على بعض الروايات وضعَّفوا بعض الروايات الأخرى -على قلتها- إتمامًا لحسن صنيع هذين الإمامين الجليلين فكان ما عمله المصنِّف أن جمع أقوال الحُفَّاظ والمحدِّثين والعلماء العارفين في بيان ذلك فمنهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح 643هـ والحافظ النووي الشافعي 676هـ والكمال بن الهمام الحنفي 681هـ وتاج الدين السبكي 771هـ ومحمد بن يوسف الكرماني 786هـ وبدر الدين الزركشي 794هـ والحافظ ابن رجب الحنبلي 795هـ والحافظ زين الدين العراقي 806هـ والحافظ بن حجر العسقلاني 852هـ والحافظ بدر الدين العيني الحنفي 855هـ والحافظ السخاوي 902هـ والحافظ السيوطي 911هـ وشهاب الدين القسطلاني الشافعي 923هـ وعلي القاري 1014هـ والعجلوني 1162هـ واللكنوي الهندي 1304هـ وأحمد بن محمد بن الصديق الغماري 1380 وغيرهم. ونحن بدورنا ننشر [مختارات] من هذا الكتاب الجليل النفع وأول ما نستهل به هذه السلسلة المباركة من المقالات الشرعية فهرس لأهم أبوابه مع زيادة حروف قليلة تُعرِّف ما في الباب لكي لا يشتبه الصواب على القارئ؛ عسى أن يكون هذا التبويب مرجعا لمن أراد الرجوع إلى كتابه؛ وهذه الحروف القليلة لا تغني عما احتواه الكتاب من الدرر العلمية النفيسة، والله من وراء القصد هو يهدي السبيل.
– يتبع في المداخلات الثلاثة الأولى فلا يفوتكم: Nov 7, 2017, 10:38 AM
[23] الحديث التاسع : [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التربةَ يومَ السبتِ)
روى مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ابتداء الخلقِ وخلقِ ءادمَ عليه السَّلام [1]: حدَّثَني سُرَيجُ بنُ يونُسَ وهارونَ بنُ عبدِ اللهِ قالا حدَّثنا حجَّاجُ بنُ محمدٍ قالَ قالَ ابنُ جُريجٍ أخبرني إسماعيلُ بنُ أميةَ عنْ أيوبَ بنِ خالدٍ عن عبدِ اللهِ بن رافع مَولى أمّ سلَمَةَ عن أبي هُريرة قالَ: أخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقالَ: (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التُّربةَ يومَ السبتِ وخلقَ فيها الجبالَ يومَ الأحدِ وخلقَ الشجرَ يومَ الاثنين وخلقَ المكروهَ يومَ الثلاثاء وخلقَ النورَ يومَ الأربعاء وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميس وخلقَ ءادمَ عليه السلام بعدَ العصرِ من يومِ الجمعةِ في ءاخر الخلقِ في آخر ساعةٍ من ساعاتِ الجُمُعةِ فيما بينَ العصرِ إلى الليلِ) قالَ إبراهيمُ حدثنا البسطانيُّ وهُوَ الحُسينُ بنُ عيسى وسهلُ بنُ عمَّار وإبراهيمُ بنُ بنتِ حفصٍ وغيرُهُم عن حجاج بهذا الحديث.
قال الحافظ أبو عبد الله البخاري [256ه] في كتابه [التاريخ الكبير] [2]: (عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خلق الله التربة يوم السبت” وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح) اهـ.
وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي [578ه] في كتابه [المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم] [3]: (قلتُ: وهذه الرواية ليست بشيء، لأن الأرض خُلقت بعد الماء كما قال تعالى {وهُوَ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ وكانَ عرشُهُ على الماءِ} [سورة هود/7]، أي: قبل خلق السموات والأرض) ثم قال: (وتحقيق هذا أنه لم يُذكر في هذا الحديث نصًّا على خلقِ السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق اللهُ تعالى فيها، فلو خلقَ السماوات في يومٍ زائدٍ على أيام الأسبوع كلها لكان خلقُ السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرءان، ولا صائر إليه. وقد رُويَ هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها: أنه خلق الأرضَ يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسماوات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وءادم يوم الجمعة. فهذه أخبارُ آحادٍ مضطربةٌ فيما لا يقتضي عملًا، فلا يُعتمد على ما تضمَّنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام) اهـ. Dec 20, 2017, 10:23 AM
[22] الحديث الثامن [من صحيح مسلم]: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ عز وجل إلى كلِّ مسلمٍ يهُوديًّا أو نصرانِيًّا فيقولُ هذا فِكاكُكَ منَ النار)
روى مسلم في صحيحه في كتاب التوبة، باب قَبول توبة القاتل وإن كثُرَ قتله [1]: حدَّثَنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ حدثنا أبو أسامةَ عنْ طلحةَ بنِ يحيى عن أبي بُردةَ عن أبي موسى قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى كلِّ مسلمٍ يَهوديًّا أو نصرانيًّا فيقولُ هذا فِكاكُكَ منَ النارِ”.
قال البيهقي في [البعث والنشور] ما نصه [2]: (رواه مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة. إلا أن اللفظ الذي تفرد به شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث وهو قوله ويضيعها على اليهود والنصارى مع شك الراوي فيه لا أراه محفوظًا. والكافر لا يعاقب بذنب غيره. قال الله عز وجل: {ولا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد بن أبي بردة وغيره عن أبي بردة ووجهه ما ذكرناه، وقد علل البخاري حديث أبي بردة باختلاف الرواة عليه في إسناده والله أعلم).
وذكر أيضًا [3] في [شعب الإيمان] بأن أبا طلحة متكلم فيه مع كونه من رجال مسلم وقد خالف في حديثه هذا عدد ممن هم أحفظ منه ثم قال فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيح الممهدة في {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخرَى}.
وقال الحافظ النووي الشافعي [676ه] في كتابه [صحيح مسلم بشرح النووي] [4]: (ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى “فكاكك من النار” أنك كنت معرَّضًا لدخول النار وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدَّر لها عددًا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين، وأما رواية “يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب” فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ولا بد من هذا التأويل لقوله تعلى {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزرَ أخرى}) اهـ. ونقله عنه الحافظ جلال الدين السيوطي [911ه] في كتابه [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج] دار الأرقم بن أبي الأرقم [5].
_____هامش_____
[1]: كتاب التوبة: باب: قبولِ توبة القاتل وإن كثُرَ قتله [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه، ص/1061، رقم الحديث 2767].
[2]: البعث والنشور [الطبعة الأولى ص/96-97].
[3]: شعب الإيمان [1/343].
[4]: صحيح مسلم بشرح النووي [دار الكتاب العربي 1407ه، الجزء السابع عشر ص/85].
[5]: الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج [دار الأرقم بن أبي الأرقم، المجلد السادس ص/182-183].
Dec 18, 2017, 4:51 AM
[21] الحديث السابع [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث أن بعض الصحابة كأبي بكر رضي الله عنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفداء يوم بدر ثم إنه رأى العذاب قد نزل ودنا واقترب منهم فبكى
روى مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم [1]: حدَّثَنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ حدَّثَنا ابنُ المُباركِ عَنْ عِكرِمَةَ بنِ عمَّارٍ حدثَني سِماكٌ الحنفيُّ قالَ: سمِعتُ ابنُ عباسٍ يقولُ: حدثني عمرُ بنُ الخطابِ قالَ: لمَّا كانَ يوم بدرٍ. [ح] وحدثنا زُهيرُ بنُ حرْبٍ –واللفظُ لهُ- حدثنا عُمرُ بنُ يونسَ الحنفيُّ حدثنا عِكرمةُ بنُ عمَّارٍ حدثني أبو زُمَيلٍ هُوَ سماكٌ الحنفيُّ حدثني عبدُ اللهِ بنُ عباس قالَ: حدثني عمرُ بنُ الخطاب قال: (لمَّا كانَ يومُ بدرٍ نظرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المُشركينَ وهُم ألفٌ وأصحابُهُ ثلاثُ مائةٍ وتسعةَ عشرَ رجُلاً فاستقبلَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم القِبلةَ ثمَّ مدَّ يدَيهِ، فجعلَ يهتِفُ برَبِّهِ: اللهمَّ أنجِزْ لي ما وعَدْتَني، اللهمَّ آتِ ما وعَدتني، اللهم إنْ تُهلكْ هذهِ العصابةَ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبَدْ في الأرضِ، فما زالَ يهتِفُ بربِّهِ مادًّا يدَيهِ مُستَقبلَ القبلةِ حتى سقطَ رِداؤُهُ عنْ مَنْكِبَيهِ، فأتاهُ أبو بكرٍ فأخذَ رِداءَهُ فألقاهُ على مَنْكِبَيهِ، ثمَّ التَزَمَهُ مِنْ ورائِهِ وقالَ: يا نبيَّ اللهِ كفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ فإنهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وعدكَ، فأنزلَ اللهُ عز وجل {إذْ تسْتَغيثُونَ ربَّكُمْ فاستَجابَ لكُمْ أنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ منَ الملائكةِ مُرْدِفينَ} فأمدَّهُ اللهُ بالملائكةِ، قالَ أبو زُمَيل: فحدَّثني ابنُ عباسٍ قالَ: بينَما رجلٌ منَ المسلمينَ يومئذٍ يشتَدُّ في أثرِ رجلٍ منَ المُشرِكينَ أمامَهُ إذْ سمِعَ ضربةً بالسَّوطِ فوقَهُ وصوتَ الفارِسِ يقولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فنظرَ إلى المُشركِ أمامَهُ فخرَّ مُستَلقِيًا فنظرَ إليهِ فإذا هُوَ قدْ خَطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضربةِ السوطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجمَعُ، فجاءَ الأنصاريُّ فحدَّثَ بذلكَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: صدَقْتَ ذلكَ مِنْ مَدَدِ السماءِ الثالثةِ، فقَتلُوا يومئذٍ سبعينَ وأسَرُوا سبعينَ، قالَ أبو زُمَيلٍ: قال ابنُ عباسٍ فلمَّا أسَرُوا الأسارَى قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعُمرَ: ما ترَونَ في هؤلاءِ الأُسارَى؟ فقالَ أبو بكر: يا نبيَّ اللهِ هُمْ بَنُو العمِّ والعشيرةِ أرى أن تأخذَ منهُم فديةً فتكونُ لنا قوةً على الكفارِ فعسى اللهُ أنْ يَهْدِيَهُم للإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ما ترى يا ابنَ الخطابِ؟ قلتُ: لا واللهِ يا رسولَ الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ ولكني أرى أن تُمَكِّنَّا فنضربَ أعناقَهُم فتُمَكِّنَ عليًّا مِنْ عقيلٍ فيضربَ عُنُقهُ، وتُمَكِّنِّي من فلانٍ نَسيبًا لعُمَرَ فأضربَ عُنُقَهُ، فإنَّ هؤلاءِ أئمةُ الكفرِ وصناديدُها، فهَوِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قالَ أبو بكرٍ ولمْ يهْوَ ما قلتُ، فلمَّا كانَ منَ الغدِ جئتُ، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعِدينَ يبكِيانِ، قلتُ: يا رسولَ الله أخبرني من أيِّ شئ تبكي أنتَ وصاحبُكَ فإنْ وجدْتُ بكاءً بكيتُ وإن لم أجِدْ بُكاءً تباكَيتُ لبُكائِكُما؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرضَ عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذِهِمْ الفِداءَ لقدْ عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدنى مِنْ هذهِ الشجرةِ شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنزلَ اللهُ عزَّ وجل {ما كانَ لنبيٍّ أن يكونَ لهُ أسرَى حتى يُثْخِنَ في الأرضِ} إلى قوله {فكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالًا طيِّبًا} فأحلَّ اللهُ الغنيمةَ لهُم).
التتمة في المداخلة التالية – Dec 17, 2017, 7:03 AM
[20] الحديث السادس [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (كانَ الطلاقُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسَنَتينِ من خلافةِ عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً)
روى مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق [1]: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ رافع واللفظُ لابنِ رافع قالَ إسحاقُ أخبرَنا وقالَ ابنُ رافعٍ حدثنا عبدُ الرزاقِ أخبرَنا مَعْمرٌ عن ابنِ طاوس عن أبيهِ عن ابنِ عباس قالَ: (كانَ الطلاقُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسَنَتَينِ من خلافةِ عُمَرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ إنَّ الناسَ قد استَعْجَلوا في أمرٍ قدْ كانت لهم فيهِ أناةٌ فلو أمضيناهُ عليهم فأمضاهُ عليهم).
قال الإمام أحمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي [321ه] في كتابه [شرح معاني الآثار] [2]: (حدثنا بذلكَ ابنُ أبي عمران، قالَ: ثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قالَ: أخبرنا عبدُ الرزاقِ .ح. وحدثنا عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ العزيزِ، قالَ: ثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرماديُّ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ عن مَعمَرٍ عن طاوس عن أبيهِ عن ابن عباس، مثلَ الحديثِ الذي ذكرناهُ في أولِ هذا البابِ، غيرَ أنهُما لم يذكُرا أبا الصهباءِ ولا سُؤالهُ ابنَ عباس رضيَ اللهُ تعالى عنهُما، وإنما ذكرا مثلَ جوابِ ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهُما الذي في ذلكَ الحديثِ، وذكرا بعدَ ذلكَ من كلامِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ، ما قد ذكرناهُ قبلَ هذا الحديثِ. فخَاطبَ عمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ بذلكَ الناسَ جميعًا، وفيهم أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ورضيَ عنهُم، الذينَ قدْ علِمُوا ما تقدَّمَ من ذلكَ، في ذلكَ، في زمنِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمْ يُنكِرْهُ عليهِ منهُم منكِرٌ، ولمْ يدفَعْهُ دافِعٌ، فكانَ ذلكَ أكبرَ الحجَّةِ في نسْخِ ما تقدَّمَ من ذلكَ. لأنهُ لمَّا كانَ فِعْلُ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جميعًا، فِعلاً يجبُ بهِ الحجَّةُ، كانَ كذلكَ أيضًا إجماعُهُم على القولِ إجماعًا يجبُ بهِ الحُجَّةُ. وكما كانَ إجماعُهُم على النقلِ بريئًا منَ الوهمِ والزللِ، كانَ كذلكَ إجماعُهُم على الرأيِ بريئًا منَ الوهمِ والزللِ) اهـ.
وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي [494ه] في كتابه [المُنتقى شرح موطأ مالك] [3]: (فمن أوقعَ الطلاقَ الثلاثَ بلفظةٍ واحدةٍ لزِمَهُ ما أوقَعَهُ منَ الثلاثِ وبهِ قالَ جماعةُ الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمدٍ في إشرافهِ عنْ بعضِ المُبتدعةِ يلزَمُهُ طلقةٌ واحدةٌ، وعنْ بعضِ أهلِ الظاهرِ هل لا يلزَمُهُ شيء، إنما يُروَى هذا عن الحجاجِ بنِ أرطأةَ ومحمدِ بن إسحاق، والدليلُ على ما نقولهُ إجماعُ الصحابةِ، لأنَّ هذا مَروِيٌّ عن ابنِ عمرَ وعِمرانَ بنِ حُصَينٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعائشةَ رضيَ اللهُ عنهُم ولا مُخالِفَ لهم وما روِيَ عن ابن عباسٍ في ذلك من روايةِ طاوُسٍ قالَ فيهِ بعضُ المُحدثينَ: هُوَ وهمٌ، وقد روى ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ عن ابن وهبٍ خلافَ ذلكَ، إنما وقعَ الوهمُ في التأويلِ) اهـ.
وقال الحافظ النووي الشافعي [676ه] في شرحه على صحيح مسلم [4]: (وهو معدود من الأحاديث المشكلة) اهـ.
وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب الحنبلي [795ه] في كتابه [شرح علل الترمذي] [5]: (كذلك حديث طاوس عن ابن عباس في الطلاق الثلاث، وقد تقدم في كتاب الطلاق كلام أحمد وغيره من الأئمة فيه وأنه شاذ مطّرَح. قال إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلماء حمل شرًا كثيرًا) اهـ.
وقال محمد بن خليفة الوشتاني الأُبيّ [728 أو 828ه] في شرحه على صحيح مسلم المسمى [إكمالُ إكمالِ المُعَلّم] [6]: (قال المازري: مذهب الكافة أن المطلق ثلاثًا في كلمة واحدة تلزمه الثلاث) اهـ.
Dec 16, 2017, 6:41 AM
[19] الحديث الخامس [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (حتى لا تَعْلَمَ يَمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ)
روى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة [1]: حدَّثَني زُهيرُ بنُ حَربٍ ومُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى جميعًا عن يحيَى القطَّانِ قالَ زُهيرٌ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عنْ عُبيدِ اللهِ أخبَرَني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ عنْ حفصِ بنِ عاصم عن أبي هُريرةَ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: سبعةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ الإمامُ العادِلُ وشابٌّ نَشَأَ بِعِبادةِ اللهِ ورجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ في المساجدِ ورَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعا عليهِ وتفرَّقا عليهِ ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمالٍ فقالَ إني أخافُ اللهَ ورجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ فأخْفاها حتى لا تعلمَ يَمينُهُ ما تُنفِقُ شِمالُهُ ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عيناهُ”.
قال القاضي عياض اليحصبي المالكي [544ه] في كتابه [إكمال المعلم بفوائد مسلم] في شرحه على صحيح مسلم [2]: (وقوله “ورجلٌ تصدَّقَ بصَدَقةٍ فأخْفاها حتى لا تعلمَ يمينُهُ ما تُنفِقُ شِمالُهُ” كذا روي عن مسلم هنا في جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” وكذا وقع في الموطأ والبخاري وهو وجه الكلام، لأن النفقة المعهود فيها باليمين ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك. وقال بمثل حديث عبيد الله وتحرّى الخلاف فيه في قوله) وقال [3]: (وقد ترجم البخاري على الحديث الصدقة باليمين) اهـ.
ومثله قال الحافظ النووي الشافعي [676ه] ونقلَ قول القاضي عياض، في [صحيح مسلم بشرح النووي] [4].
وقال الحافظ السخاوي [902ه] في كتابه [فتح المغيث شرح ألفية الحديث] بتعليق صلاح محمد عويضة [5]: (وأمثلته في المتن قليله كحديث “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” فإنه جاء مقلوبًا بلفظ “حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”) وفي الحاشية: (ونص الحديث كما في صحيح البخاري: “ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”) اهـ.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي [911ه] في كتابه [تدريب الراوي] تحقيق الدكتور بديع اللحام [6]: (وفي المتن بحديث مسلم في السبعة الذين يظلهم الله “رجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” قال: فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو: “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” كما في الصحيحين).
وقال السيوطي أيضًا في كتابه [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج] [7]: (“لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” كذا وقع في جميع روايات مسلم والمعروف في غيره “لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” وهو وجه الكلام، لأن المعروف في النفقة أن محلها اليمين).
وقال الشيخ زكريا الأنصاري [926ه] في كتابه [فتح الباقي بشرح ألفية العراقي] [8]: (وأما المقلوبُ مَتنًا وهو قليل، فهو أن يُعطي أحدُ الشيئين ما اشتهر للآخر، كحديث “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”، فإنه جاء مقلوبًا بلفظ “حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”) اهـ.
_____هامش_____
[1]: كتاب المساجد ومواضع الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه، ص/370 رقم الحديث/1031].
[2]: إكمال المعلم بفوائد مسلم [الطبعة الأولى 1427ه، الجزء الثالث ص/491].
[3]: إكمال المعلم بفوائد مسلم [ص/492].
[4]: صحيح مسلم بشرح النووي [دار الكتاب العربي طبعة 1407ه، الجزء السابع ص/122].
[5]: فتح المغيث شرح ألفية الحديث [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1414ه، الجزء الأول ص/305].
[6]: تدريب الراوي [دار الكلم الطيب، الطبعة الأولى 1426ه الجزء الأول ص/339].
[7]: الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج [دار الأرقم بن أبي الأرقم، المجلد الثاني ص/598-599].
[8]: فتح الباقي بشرح ألفية العراقي [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1422ه، الجزء الأول ص/301].
Dec 12, 2017, 9:24 AM
[18] الحديث الرابع [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث الجارية
– روى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونَسخ ما كان من إباحة [1]: حدثنا أبو جَعفرُ محمدُ بنُ الصبَّاحِ وأبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ وتقارَبَا في لفظِ الحديثِ قالا حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عنْ حجَّاجٍ الصوَّافِ عنْ يحْيَى بنِ أبي كثيرٍ عنْ هِلالِ بنِ أبي مَيمونةَ عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ عنْ مُعاويةَ بنُ الحكمِ السُّلميّ قالَ بَيْنا أنا أصلي معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ عطسَ رجلٌ منَ القومِ فقُلتُ: يرْحَمُكَ اللهُ، فرَماني القَومُ بأبصارِهِم، فقلتُ: وا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ ما شأنُكُم تنظُرونَ إليَّ، فجعلُوا يضرِبونَ بأيديهم على أفخاذِهِم، فلمَّا رأيتُهُم يُصَمِّتُونَني لكني سكتُّ، فلمَّا صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هُوَ وأمي، ما رأيتُ مُعلِّمًا قبلَهُ ولا بعدَهُ أحسنَ تعليمًا منهُ، فواللهِ ما كَهرَني ولا ضربَني ولا شَتَمَني، قال: إنَّ هذهِ الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ مِنْ كلامِ الناسِ إنَّما هُوَ التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرءانِ، أو كما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قلتُ: يا رسولَ اللهِ إني حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، وقد جاءَ اللهُ بالإسلامِ، وإنَّ مِنَّا رِجالاً يأتونَ الكُهَّان. قالَ: فلا تأتِهِمْ. قلت: ومِنَّا رجالٌ يتَطَيَّرونَ، قالَ: ذاكَ شيءٌ يجِدُونَهُ في صُدورِهِمْ فلا يَصُدَّنَّهُمْ. قالَ ابنُ الصبَّاحِ: فلا يَصُدَّنَّكُم، قالَ: قلتُ ومِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ قالَ كانَ نبيٌّ منَ الأنبياءِ يخُطُّ، فمَنْ وافقَ خطَّهُ فذاكَ. قالَ: وكانَتْ لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قبلَ أُحُدٍ والجَوَّانيةِ، فاطَّلَعْتُ ذاتَ يومٍ فإذا الذِّيبُ قدْ ذهبَ بشاةٍ مِنْ غَنَمِها وأنا رجلٌ من بني ءادمَ ءاسَفُ كما يأسَفُونَ، لكنّي صَكَكْتُها صكَّةً، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فعظَّمَ ذلكَ عليَّ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا أُعتِقُها، قالَ: ائتِني بها فأتيتُهُ بها، فقالَ لها: أينَ الله، قالت: في السماءِ، قالَ: مَنْ أنا، قالتْ: أنتَ رسولُ الله، قال: أعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ”.
هذا الحديثُ المعروفُ بحديث الجارية، ليسَ معناه أن الله يسكن السماء كما توهم بعض الجهلة، بل معناه أن الله عالي القدر جدًا.
وهذا يوافق اللغة، قال النابغة الجعدي [2]: [الطويل]
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ثم إن رواية مسلم طعن فيها بعض العلماء سندًا ومتنًا لأمرين، الأول: الاضطراب، لأنه ورد بلفظ رواه ابن حبان في صحيحه عن الشريد بن سويد الثقفي قال [3]: قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء، قال: “ادع بها” فجاءت فقال: “من ربك” قالت: الله، قال: “من أنا” قالت: رسول الله، قال: “أعتقها فإنها مؤمنة”، ورواه البيهقي بلفظ [4]: “أين الله”، فأشارت إلى السماء بإصبعها، وروي بلفظ: “من ربك” قالت: الله ربي، قال: “فما دينك” قالت: الإسلام، قال: “فمن أنا” قالت: أنت رسول الله، قال: “أعتقها”. وروي بلفظ عند مالك [5]: أتشهدين أن لا إله إلا الله، قالت: نعم، قال: “أتشهدين أني رسول الله”، قالت: نعم، قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعتقها”.
فرواية مالك هي الصحيحة التي توافق الأصول لكونها جاءت على الجادَّة، إلا أنه ليس فيها: “فإنها مؤمنة”، فترجح على رواية مسلم لأنها في معنى الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: “أمِرْتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله” الحديثَ، وفي معنى الحديث الذي رواه النسائي [6] عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على غلام من اليهود وهو مريض فقال له: “أسلِم” فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم. فقال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله الذي أنقذه بي من النار”.
والأمر الثاني: أن رواية “أين الله” مخالفة للأصول، لأن من أصول الشريعة أن الشخص لا يُحكَمُ له بالإسلام بقوله: “الله في السماء” لأنها ليست كلمة التوحيد، ولأن هذا القولَ مشتركٌ بين اليهود والنصارى وغيرهم، وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المشهور المتقدم ذكره.
فإن قيل: كيف تكون رواية مسلم “أين الله، فقالت: في السماء” إلى ءاخره، مردودة مع رواية مسلم له وكلّ ما رواه مسلم موسومٌ بالصحة!؟ فالجوابُ: أن عددًا من أحاديث مسلم ردَّها علماء الحديث كما تراه واضحًا في هذه الرسالة التي اعتمدنا فيها النقل عن أهل العلم.
التتمة في المداخلة التالية –
Dec 5, 2017, 7:32 AM
[17] الحديث الثالث [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث تزويج أبي سفيان أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم
هذه رواية من أشهر ما تُكُلِّمَ به على صحيح مسلم: فقد أخرج مسلم، الجزء الرابع، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه: حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا: حدثنا النضر [وهو ابن محمد اليمامي] حدثنا عكرمة حدثنا أبو زميل حدثني ابن عباس قال:
كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال: “نعم” قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال “نعم” قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال “نعم” قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: “نعم” قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسئل شيئًا إلا قال “نعم” اهـ.
قال النووي في شرح صحيح مسلم [1]، تتمة كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه: (((واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وهذا مشهور لا خلاف فيه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل. قال أبو عبيدة وخليفة بن خياط وابن البرقي والجمهور: تزوجها سنة ست. وقيل: سنة سبع. قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوجها؟ فقيل: بالمدينة بعد قدومها من الحبشة. وقال الجمهور: بأرض الحبشة. قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك؟ فقيل: عثمان. وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي بإذنها. وقيل: النجاشي لأنه كان أمير الموضع وسلطانه. قال القاضي: والذي في [مسلم] هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدًا وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور ولم يزد القاضي على هذا. وقال ابن حزم: “هذا الحديث وَهْمٌ من بعض الرواة لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر”. وفي رواية عن ابن حزم أيضًا أنه قال: “موضوع”، قال: “والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل”، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه. قال: <وهذا القول من جسارته فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم> قال: <ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة> قال: <وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطيبًا لقلبه لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته>، هذا كلام أبي عمرو رحمه الله. وليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: نعم، أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد، والله أعلم))) انتهى كلام النووي.
التتمة في المداخلة التالية –
Dec 4, 2017, 7:26 AM
[16] الحديث الثاني [من صحيح مسلم] تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث أنس (صَلَّيتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ فلمْ أسمعْ أحدًا مِنهُم يقرأُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)
روى مسلم في صحيحه [1] في كتاب الصلاة، باب حُجَّةِ من قال: لا يُجهَرُ بالبسملة: حدَّثَنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ بشارٍ كِلاهُما عنْ غُنْدَرٍ قال ابنُ المُثَنَّى حدَّثَنا محمدُ بنُ جعفرٍ حدثَنا شُعبةُ قالَ سمعتُ قَتادةَ يُحدِّثُ عن أنسٍ قالَ صليتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ فلمْ أسمعُ أحدًا منهُم يقرأُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ”.
الرد على هذه الرواية من رواية البخاري في صحيحه [2] في كتاب فضائل القرءان، باب مَدِّ القراءة: حدَّثَنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حدَّثَنا هَمَّامُ عن قَتادَةَ قالَ سُئِلَ أنس كيفَ كانتْ قِراءةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ كانت مدًّا ثمَّ قرأَ {بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ} يمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ ويمُدُّ بالرحمنِ ويَمُدُّ بالرحيمِ”.
وقال الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهرزوري [643ه] في كتابه [معرفة أنواع علم الحديث]، وفي كتابه [مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث] [3]: (ومثال العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المصرح بنفي قراءة “بسم الله الرحمن الرحيم”، فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا “يستفتحون بالحمد لله” أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم وأخطأ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر التسمية. وانضم إلى ذلك أمور منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم) اه.
ومثله قال الحافظ النووي [676ه] في كتابه [إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق] [4].
ومثله قال أحمد محمد شاكر [5] [1377ه] في حاشيته على كتاب [الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث] لابن كثير.
وقال الحافظ زين الدين العراقي [6] [806ه] في كتابه [التقييد والإيضاح لما أُطلق وأُغلق من مقدمة ابن الصلاح]: (وربما يعترض معترض على المصنف بأنك قدمت أن ما أخرجه أحد الشيخين البخاري أو مسلم مقطوع بصحته فكيف يضعف هذا وهو فيما أودعه مسلم كتابه، وأيضًا فلم تعين من أعله حتى ينظر محله من العلم وما حكيته عن قوم لم تسمهم أنهم أعلوه معارض بقول أبي الفرج بن الجوزي في التحقيق عقب حديث أنس هذا أن الأئمة اتفقوا على صحته، والجواب عن ذلك أن المصنف لما قدم إنما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته قال سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره انتهى كلام المصنف، فقد استثنى أحرفًا يسيرة وهذا منها، وقد أعله جماعة من الحفاظ الشافعي والدراقطني وابن عبد البر، ولنذكر كلامهم في ذلك ليتضح ما أعلوه به، فأما كلام الشافعي رحمه الله فقد ذكره عنه البيهقي في كتاب معرفة السنن والآثار وأنه قاله في سنن حرملة جوابًا لسؤال أورده وصورة السؤال فإن قال قائل قد روى مالك عن حميد عن أنس قال صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال الشافعي: قل له خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية مؤمنين مخالفين له، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد ثم رجح روايتهم بما رواه عن سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين” قال الشافعي يعني يبدأون بقراءة أم القرءان قبل ما يقرأ بعدها ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم. وحكى الترمذي في جامعه عن الشافعي قال: إنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين معناه أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحو الكتاب قبل السورة وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم. انتهى.
– التتمة في المداخلة التالية والتي تليها –
Dec 2, 2017, 8:23 PM



اترك تعليقاً