قول السلف عن نصوص الصفات “لا تُفسّر ولا معنى ولا كيف”
قول بعض أئمة السلف عن نصوص الصفات “لا تُفسّر ولا معنى ولا كيف” هو مذهب التفويض بعينه، وكلامهم في إمضاء النصوص بلا تفسير ولا تكيف و لا معنى، واضح لا لبس فيه.
أما المجسمة فزعموا أن ذلك معناه لا تُفسّر تفسير الجهمية ولا ننفي الكيف مثل الجهمية، واحتجوا لذلك بقول الحافظ أبي عيسى الترمذي في جامعه:” تأولت الجهميـة هذه الآيات ففسروها على غَيــر مَـا فَسَّـر أهلُ العِلـم وقالوا: إن معنى اليد القوة“. انتهى
وليس في قول الترمذي أي حجة لهم، والجواب على ادعاءهم من وجوه:
– الوجه الأول: الضمير في قوله ” وفسروها ” يعود على أقرب عبارة مذكورة في الجملة ، أي على ” الآيات” وعليه فإن عبارة “ما فسر أهل العلم ” يعود الضمير فيها أيضا إلى الآيات.
فتفسير أهل العلم المقصود في جملة الإمام الترمذي إنما هو للآيات وليس لتلك الألفاظ تحديدا، أي أن التفسير للآية وليس للفظة بعينها فقط ، وهذا لا ينافي مذهب التفويض الثابت عن السلف والمنقول عنهم بأكثر من طريق، فإن المفوض يفسر حديث
” لم يخلق الله بيده غير ثلاث” بأن الله خلق تلك الأشياء المذكورة في الحديث بصفة اليد وهي صفة أزلية أبدية لله غير حادثة. ولكنه يحجم عن تحديد معنى تلك ” اليد”، ويتوقف عند ذلك ، وهذا مراد الإمام الترمذي من كلامه.
الوجه الثاني: غرض الجهمية من تأويل اليد بالقوة هو انكار أصل صفة اليد، أي هم لا يثبتون الصفة من أصله بخلاف أهل السنة.
قال المباركفوري: قال الحافظ في “مقدمة الفتح”: “الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: القرآن مخلوق” وقالوا هذا تشبيه” وذهبوا إلى وجوب تأويلها “. انتهى
وقال أيضا: “وقالوا – أي الجهمية -: “إن الله لم يخلق آدم بيده”، وقالوا: إنما معنى اليد القوة” فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه”. انتهى
الوجه الثالث: رجح أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي، أن نسبة تأويل اليد بالقوة للجهمية هو سهو من الإمام الترمذي لأن الثابت عن الجهمية هو أنهم تأولوا اليد في قوله تعالى: “لما خلقت بيدي “بالنعمة و ليس بالقدرة، حيث قال معقبا على كلام الترمذي: ” لما كان أبو عيسى – أي الإمام الترمذي – من أهل العلم بالحديث لم يتحصل له قول الجهمية فوهم في بعض الجهمية أصحاب جهم وهو مبتدع أنكر صفات الباري تعالى وتقدس عن قولهم فقالوا ليس لله قدرة و لا قوة ولا علم ولا سمع ولا بصر وقالوا إن اليد بمعنى النعمة والنعمة خلق من خلق الله، خلق به آدم وما شاء من المخلوقات، وأما الذي يقولون إن اليد هي القدرة فهم طائفة من أهل السنة. انتهى
الوجه الرابع: الحافظ أبو عيسى الترمذيّ كان يراوح بين التفويض والتأويل التفصيلي، حيث روى في سننه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عندَ ظنّ عبدِي بي، وأنا معهُ حينَ يذكرُني، فإنْ ذكرَني في نفسِه ذكرتُهُ في نفْسِي، وإن ذكرَني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهُم، وإنِ اقتربَ إليَّ شبرًا اقتربتُ منهُ ذراعًا، وإنِ اقتربَ إليَّ ذراعًا اقتربتُ إليه باعًا، وإنْ أتاني يمشِي أتيتُهُ هَرْوَلةً».
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: «مَن تقرَّبَ منّي شِبرًا تقرّبْتُ منهُ ذِراعًا»، يعني بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرّب إليَّ العبد بطاعتي وبما أَمَرْتُ تسارعُ إليه مَغْفرتي ورحمتي”. انتهـى
فيكون التفسير عنده بمعنى التأويل. وعليه فقوله بلا كيف، لا يعني؛ ” نفوض الكيف الذي نفته الجهمية” ، بل معناه نفي مطلق الكيف، وهذا ما فهمه المحققون من علماء الأمة الاسلامية، فقد جاء في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته لشمس الدين أبي عبد الله الأنصاري القرطبي المتوفى سنة 671 هـجري ما نصه: “هذا الترمذي أبو عيسى قد ذكر في كتابه عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث يريد أحاديث الصفات أقروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة”. انتهى
ملاحظة:
ينبغي التفريق بين:
– أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع الصحيح، هو محمد بن عيسى بن سَوْرة السلمي الترمذي المتوفى سنة 279 هـجري، المحدث المشهور.
– أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الترمذي، هو الحكيم الترمذي. طعن فيه الخلال في كتاب السنة المنسوب له، وابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة. توفي نحو 285 هـجري
– أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، هو فقيه شافعي من أصحاب الوجوه، كان شيخ الشافعية في العراق قبل ابن سريج وتفقه على أصحاب الشافعي. توفي سنة 295 هـجري.
