, ,

شبهة الحدادية أن معنى قول بعض السلف عن أحاديث الصفات : ” لا نفسرها”، أي لا نفسرها تفسير الجهمية

شبهة الحدادية أن معنى قول بعض السلف عن أحاديث الصفات : ” لا نفسرها”، أي لا نفسرها تفسير الجهمية

1- ورد أن الإمام وكيع أجاب الحافظ زكريا بن عدي، عندما سأله عن أحاديث الكرسي موضع القدمين، فقال له: أدركنا إسماعيل بن خالد وسفيان ومسعرا ” يمضون هذه الأحاديث و لا يفسرون منها شيئا” .

فزعم الحدادية أن معنى ذلك يجرونها على ظاهرها الحسي ولا يفسرونها تفسير الجهمية ، وزعموا أن فهم الأشعرية لكلام وكيع وغيره من السلف بأنه قول بالتفويض، هو فهم باطل.

العجيب أن هذا الفهم الذي يزعم الحشوية أنه الصواب، هو فهم باطل بحسب كتبهم التي يزعمون انها تمثل عقيدة السلف.

فقد جاء في كتاب النقض المنسوب للدارمي قوله: ” ومن الأحاديث أحاديث جاءت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قالها العلماء ورووها ولم يفسرها، ومن فسرها برأيه اتهموه.

فقد كتب إلي علي بن خشرم، أن وكيعا سئل عن حديث عبد الله ابن عمرو: «الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس» ؟ فقال وكيع: هذا حديث مشهور، قد روي فهو يروى، فإن سألوا عن تفسيره لم نفسر لهم، ونتهم من ينكره وينازع فيه، والجهمية تنكره.

فلو اقتديت أيها المعارض في مثل هذه الأحاديث الضعيفة المشكلة المعاني بوكيع؛ كان أسلم لك من أن تنكره مرة، ثم تثبته أخرى، ثم تفسره تفسيرا لا ينقاس في أثر، ولا قياس عن ضرب المريسي والثلجي ونظرائهم، ثم لا حاجة لمن بين ظهريك من الناس إلى مثل هذه الأحاديث “. انته‍ى

فكلام صاحب النقض صريح في كون مراد أهل الحديث بإمرار الحديث بلا تفسير هو تفويض للمعنى المراد في هذا الحديث ، وهو نفسه فهم الأشعرية ، وليس إجرائه على الظاهر الحسي وعدم تفسيره كتفسير الجهمية كما فهمه الخليفي الألثغ، وروّج لذلك التيس الألماني. فقول صاحب النقض : ” هذه الأحاديث الضعيفة المشكلة المعاني ” ينقض على هؤلاء المجسمة قواعدهم المتهافتة.

2- قال أَبو نَصْرِ السِّجْزي في رسالته لأهل زبيد: ” اليَدَانِ وَالضَّحِكُ وَالغَضَبُ وَالرِّضَا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ صِفَاتُ ذَاتيَّةٌ ، لَا يُفَسِّرُ مِنْهَا إِلَّا مَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَو الصَّحَابِيُّ ، بَلْ نُمِرُّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ عَلَى مَا جَاءَتْ بَعْدَ قَبُولِهَا وَالْإِيمَانِ بِهَا وَالاعْتِقَادِ بِمَا فِيهَا بِلَا كَيْفِيَّةٍ”. انتهى

من خلال هذا النص قرر أبو نصر السجزي أن الصفات الواردة مثل: الضحك، والغضب، والرضا، هي صفات ذاتية لله عز وجل ثابتة له نُؤمن بها كما جاءت، خلافًا للمجسمة الذين يعتقدون أنها أفعال حادثةٌ يُحْدِثُها اللهُ في ذاته متى شاء.

وهذه الصفات عنده يُمتنع تفسيرها إلا فيما ورد تفسيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، مع الإمرار لها بلا تكييف أصلا.

وما قاله السجزي يكشف عن أصلين منهجيين مهمين عند أهل الأثر:

– أولاً: إثبات الصفات الواردة في النصوص الصحيحة، دون إنكار، خلافا للجهمية، مع نفي الكيفية خلافا للمجسمة.

– ثانياً: التوقف في تفسير ما لم يرد تفسيره عن السلف، وهو ما عبّر عنه السجزي بقوله: “لا يُفسَّر منها إلا ما فسّره النبي أو الصحابي”.

وهنا يثير المجسمة شبهة حول فهم المقصود بـنفي التفسير: فيزعمون أنه نفي تفسير الكيفية، لا نفي تفسير المعنى.

• فعلى فرضية أن المقصود نفي لتفسير الكيفية: فهذا القول باطل ويلزم منه لوازم شنيعة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كيفوا بعض الصفات ولم يكيفوا البعض الآخر.

• و على فرضية أن المقصود نفي لتفسير المعنى، فإن عبارة السجزي تفيد أن بعض معاني الصفات لم يبين النبي تفسيرها نصاً، وأن الواجب فيها هو الإمرار والإيمان دون خوض في تحديد المعنى التفصيلي.

وهذا الفهم ينقض عقيدتهم المبنية على أن جميع معاني الصفات معلومة المعنى فسرها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكيف يقول السجزي إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفسروا إلا بعض الصفات.

وكذلك قول السجزي: ” لَا يُفَسِّرُ مِنْهَا إِلَّا مَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَو الصَّحَابِيُّ” لا ينسجم مع قول بعض المدعين أن كلام بعض السلف ” نمرها كما جاءت ولا نفسرها” ان معناها لا نفسرها تفسير الجهمية ، لأن النص يضع معيارًا عامًا للتفسير وهو النقل عن السلف، والا فلا ينبغي التوقف عند هذا الاستثناء،فيقال أيضا : ولا نفسرها تفسير المجسمة والكرامية والملاحدة وغيرهم.

ملاحظة: مبتدعان ألثغا في الحق، و حرفاه عن مواضعه: واصل بن عطاء من المعتزلة، والخليفي من الحدادية.

* الألثغ هو الذي يغير بعض الحروف كأن يجعل حرف السين ثاء، وقد كان واصل بن عطاء ألثغا ومثله المدعو أبو جعفر الخليفي..

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading