تناقُضات أهل الفتنة
يدَّعي أهل الفتنة من بعض المتصوفة و الأشعرية الإجماع على بُطلان العمل بالقول الضَّعيف في الفقه ويأخذ بقول باطل في قضاء الصَّلوات عن الموتى
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ قال بعض أهل العلم: (إنَّ أهل البِدَع لا بُدَّ أنْ يتناقضوا). وهذا شأن أهل الفتنة يُوسف ميناوي ومَن هُم على شاكلته؛ وذلك أنَّهم لا يُجرون المسائل الشَّرعيَّة على قواعد أُصول الدِّين؛ يترُكون القُرآن خلف ظُهورهم ويُقدِّمون عليه ما يتوهَّمونه مِن سقيم الكُتُب وصحيحها.
1
ويزعُم يُوسف ميناوي أنَّه يصحُّ إخراج الفدية عمَّن مات وعليه قضاء صلوات لم يُؤدِّها في حياته بلا عُذر؛ فيقول هذا بدل الصَّلاة الَّتي لم يُؤدِّها في حياته، ويفهم بذلك أنَّ ذلك كفَّارة: وهُو باطل؛ بل وهُو خلاف الحديث الَّذي فيه: (لا كفَّارة لها إلَّا ذلك) وصدق نبيُّنا الكريم وكذب أهل الفتنة.
2
يقول الشَّيخ عبدالله الغُماريُّ: <إسقاط الصَّلاة عن الميِّت لم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وإنَّما ورد في حديث مكذوب اغترَّ به بعض مُتأخِّري الحنفيَّة كما نبَّه عليه العلَّامة المُحقِّق الشَّيخ عبدالحيِّ اللَّكنويُّ الهنديُّ الحنفيُّ وليس في الدِّين شيء اسمه إسقاط الصَّلاة وكُلُّ ما يُوجد مِن ذلك في بعض الكُتُب الَّتي قرأناها ورأيناها فإنَّما هُو خرافات لا يصحُّ التَّعويل عليها> انتهى.
3
ورغم أنَّ هذا القول قول مردود على ألسنة أكابر العُلماء في زمانه؛ يُصرُّ المدعو يُوسف ميناوي على اعتباره مع أنَّه لا يقول ببُطلان العمل بالقول المردود السَّاقط وحسب بل يقول ببُطلان العمل بالقول الضَّعيف في المذهب الفقهي ولو كان مُعتبَرًا وهذا مِن أعظم تناقُضات رأس الفتنة هذا.
4
وهل صحيح ما ادَّعاه رأس الفتنة مِن كون العمل بالقول الضَّعيف في المذهب الفقهيِّ باطل بالإجماع؟ فالجواب أنَّ كلامه غير صحيح وإنَّما قاله مِن كيسه ويُكذِّبه أقوال العُلماء مِن حنفيَّة وشافعيَّة ومالكيَّة وغيرهم فهل يتَّعظ الجاهل إذ لم يكن له مِن نفسه واعظ ومُرشد للصَّواب!؟
5
قال البناني الفاسيُّ المالكي: <إذا تقرَّرَ منعُ الفتوى والعمل بغير المشهور عُلِم أن قول بعضهم من قلَّد عالما لقي الله سالما غير مطلَق لأنه إنما يسلمُ إذا كان قول العالم راجحًا أو ضعيفًا عُمِلَ به للضرورة أو لترجيحه عند ذلك العالمِ إن كان من أهل الترجيح وهو مجتهد الفتوى وأحرى مجتهد المذهب> انتهى.
6
وذكر سيِّدي عبد الله بن إبراهيم المالكيُّ ناظم مراقي السعود أنَّ القول الضَّعيف إذَا عُمِل به يُقَدّم على المشهور ولا يُنقض إذَا كان مُوافقًا لقول وإنْ كان شاذًّا بشرط أنْ يكون لسبب وُجِد مِن حُصول مصلحة أو درء مفسدة انتهى.
7
وقال الشَّيخ مُحمَّد بن مُحمَّد السَّنَبَاويُّ المالكيُّ المعروف بالأمير في كتابه [ثمر التَّمام]: <وفي جواز العمل بالضَّعيف خلاف> انتهى.
8
وقال الشَّيخ علوي السقَّاف الشَّافعيُّ رحمه الله: الأَولى بالمُفتِي التَّأمُّل في طبقات العامَّة فإنْ كان السَّائلون مِن الأقوياء الآخذين بالعزائم وما فيه الاحتياط اختصَّهم برواية ما يشتمل على التَّشديد وإنْ كانوا مِن الضُّعفاء الَّذين هُم تحت أسرِ النُّفوس بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية التَّشديد أهملوه ووقعوا في وهدة المُخالفة لحُكم الشَّرع روى لهم ما فيه التَّخفيف شفقةً عليهم مِن الوقوع في ورطة الهلاك لا تساهُلًا في دين الله أو لباعثٍ فاسدٍ كمَطْمع أو رغبة أو رهبة انتهى.
9
وقال السَّيِّدُ مُحمَّد الأهدل الشَّافعيُّ في أثناء ذكره لأقسام النَّاس في الفروع الاجتهاديَّة: إنَّ المتفقِّه في المذهب الَّذي عرف الرَّاجح وضدَّه بمحض التَّقليد لا بالأدلَّة لا يقضي ولا يُفتي إلَّا بالرَّاجح وإلَّا لم ينفُذ قضاؤه وفتواه قال نعم له ذلك أي القضاء والإفتاء بالمرجوح لحاجة أو مصلحة عامَّة إنْ لم يُشترَط عليه الحُكم بالمذهب مع بيان قائله انتهى. ثُمَّ قال: والعاميُّ الَّذي لم يلتزم مذهبًا أصلًا ولم يرجح عنده شيء منها يعمل بما أفتاه به عالِمٌ فإنِ اختلف عليه عالمانِ مُخْتَلفَا المذهب خُيِّرَ في العمل بمَا شاء منهُمَا انتهى.
10
وذكر ابن عابدين مِن الحنفيَّة في حاشيته أنَّ القول الضَّعيف يجوز العمل به في موضع الضَّرورة وأورد في ذلك ما ذكره في حيض البحر مِن الأقوال الضَّعيفة في الدِّماء ثُمَّ قال: وفي المعراج عن بعض الأئمة لو أفتى مُفتٍ بشيء مِن هذه الأقوال في مواضع الضَّرورة طلبًا للتَّيسير كان حسنًا انتهى.
11
ونقل ابن حجر الشَّافعيُّ في التُّحفة قول السُّبكيِّ إنَّه يجوز تقليد غير الأربعةِ إذَا قصد به المُفتِي مصلحة دينيَّة أي مع تنبيهِه المُستفتِيَ إلى قائل ذلك انتهى. قال الشروانيُّ في حاشيته: أي ليُقلِّده فيكون قول المُفتي حينئذٍ إرشادًا لا إفتاءً.
12
والخلاصة أنَّ المدعو يُوسف ميناوي ادَّعى إجماعًا مكذوبًا على بُطلان العمل بالقول الضَّعيف في الفقه ولو كان قولًا مُعتبَرًا -وكان بهذا قائلًا بغير علم- ولكنَّه أخذ في الوقت عينه بقول باطل في قضاء الصَّلوات عن الموتى؛ فيا له مِن جاهل يخلط ويخبط خبط عشواء.
يتبع –
١٠/٠٥/٢٠٢٠ ٥: ٥٤ م
تمت مراجعة المقال من قبل المشرفين على الموقع
لله تعالى صدقة جارية و صدقة عن روح المرحوم بإذن الله فتحي المهذبي
- عبد الله بن إبراهيم المالكي
- القول الضعيف إذا عمل به يقدم على المشهور لسبب وُجِد مِن حُصول مصلحة أو درء مفسدة
- السَّنَبَاويُّ المالكيُّ (الأمير)
- في جواز العمل بالضعيف خلاف
- علوي السقَّاف الشافعي
- لسَّائلون مِن الأقوياء الآخذين بالعزائم وما فيه الاحتياط → اختصَّهم برواية ما يشتمل على التَّشديد
- الضعفاء → شفقةً عليهم مِن الوقوع في ورطة الهلاك لا تساهُلًا في دين الله
- محمد الأهدل الشافعي
- المتفقِّه في المذهب للَّذي عرف الرَّاجح : الإفتاء بالراجح
- يجوز الإفتاء بالمرجوح لحاجة أو مصلحة عامة
- ابن عابدين الحنفي
- يجوز العمل بالقول الضعيف في موضع الضرورة طلبًا للتَّيسير
- ابن حجر الشافعي ناقلًا عن السبكي
- يجوز تقليد غير الأربعة لمصلحة دينية إذَا قصد به المُفتِي مصلحة دينيَّة أي مع تنبيهِه المُستفتِيَ إلى قائل ذلك