, , , ,

برهان التطبيق: رد المتكلمين على اعتراضات الفلاسفة في قولهم بحوادث لا أول لها مع بيان دليل الحدوث و الإمكان بإيجاز

يُعدّ دليل حدوث العالم من أشهر الأدلة التي اعتمدها المتكلمون لإثبات أن العالم ليس قديمًا بل له بداية. ويرتكز هذا الدليل على مقدمة عقلية أساسية تتعلق بعلاقة الأعيان بالأعراض، ثم يردّ على اعتراض الفلاسفة الذين حاولوا نقض هذه القاعدة من أساسها.

تم الاستعانة بهذا المقال الأصلي

أولًا: المقدمة الكبرى في الدليل

يقول المتكلمون في تقرير أصل الدليل:

“أما المقدمة الكبرى في هذا الدليل وهي قولنا وكل ملازم للأعراض الحادثة فهو حادث فثبوت صحتها ظاهر لأن ملازم الأعراض الحادثة لا يصح أن يسبقها إذ لو سبقها لانتفت الملازمة وإذا لم يصح أن يسبقها يكون حادثًا مثلها وبالجملة فحدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة.”

ومعنى هذا الكلام أن كل ما لا ينفك عن الأعراض الحادثة (كالحركة والسكون) لا يمكن أن يكون سابقًا لها، لأن السبق يقتضي الانفكاك. فإذا استحال أن يسبقها، لزم أن يكون حادثًا مثلها. وبعبارة موجزة: ما كان ملازمًا للحادث فهو حادث بالضرورة.

ثانيًا: اعتراض الفلاسفة

اعترض الفلاسفة على هذه المقدمة، كما ورد في النص:

“قالت الفلاسفة لا نسلّم أن كل ملازم للأعراض الحادثة فهو حادث، قولكم لأن ملازم الأعراض الحادثة لا يصح أن يسبقها مسلّم وقولكم فيكون حادثًا مثلها ممنوع لأن ذلك إنما يلزم لو كانت الحوادث التي لازمت الأعيان لها مبدأ يُفتتح به عددها ونحن نقول لا مبدأ لتلك الحوادث بل ما من حادث إلا وقبله حادث لا إلى أول فلم يلزم من قدم الأعيان على هذا التقدير سبقها الأعراض الحادثة اللازمة لها لأن نوعها الذي لا تنفك عنه الأعيان قديم.”

يتضح من هذا الاعتراض أن الفلاسفة يوافقون على أن الأعيان لا تسبق الأعراض، لكنهم يرفضون النتيجة التي بنى عليها المتكلمون حكم الحدوث. ويعلّلون ذلك بأن هذا الحكم لا يلزم إلا إذا كانت الحوادث لها بداية، بينما هم يقولون إن الحوادث لا بداية لها، بل هي سلسلة لا نهائية، كل حادث فيها مسبوق بحادث قبله.

وبناءً على ذلك، يرون أن ملازمة الأعيان للأعراض لا تستلزم حدوثها، لأن نوع الأعراض (أي كون الأعيان لا تنفك عن التغير) قديم، وإن كانت أفرادها متجددة.

ثالثًا: جواب المتكلمين (برهان التطبيق)

يردّ المتكلمون على هذا الاعتراض بعدة طرق، ومن أشهرها ما ورد في النص:

“(والجواب) من أوجه كثيرة ذكرها المتكلمون منها برهان التطبيق وهو أن نفرض من الحوادث سلسلة من الآن إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي ثم نفرض سلسلة أخرى من زمن الطوفان إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي أيضًا ثم نطبق السلسلتين بأن نجعل الأول من السلسلة الأولى بإزاء الأول من السلسلة الثانية والثاني بإزاء الثاني وهكذا فإن كان بإزاء كل واحد من الأولى واحد من الثانية لزم مساواة الناقص للزائد وهو محال وإن لم يكن بأن وُجد في الأول ما لا يوجد بإزائه شىء من الثانية لزم أن تنقطع الثانية وتتناهى ويلزم منه تناهي الأولى لأنها لا تزيد على الثانية إلا بقدر متناه وهو الذي من الآن إلى زمن الطوفان والزائد على المتناهي بقدر متناه يكون متناهيًا بالضرورة ويصح أن تجعل السلسلة واحدة ثم يؤخذ فرد من ءاخر السلسلة ثم يؤخذ الفرد الذي قبله ويترك الفرد الذي قبلهما ثم يؤخذ فرد ويترك فرد وهكذا ويجعل المأخوذ سلسلة والمتروك أخرى وتطبق السلسلتان كما مر.”

ومقصود هذا البرهان إظهار استحالة التسلسل اللانهائي في الماضي، وذلك من خلال مقارنة سلسلتين من الحوادث تؤدي إلى لوازم عقلية متناقضة، كالتسوية بين الناقص والزائد، أو القول بتناهي ما فُرض غير متناهٍ.

يقوم هذا البرهان على تصور سلسلتين من الحوادث:

  • سلسلة تمتد من الزمن الحاضر إلى ما لا نهاية في الماضي.
  • وسلسلة أخرى تبدأ من زمن سابق (كزمن الطوفان مثلًا) وتمتد أيضًا إلى ما لا نهاية في الماضي.

ثم تُطبَّق السلسلتان، أي يُقابل كل عنصر من الأولى بعنصر من الثانية. وهنا تظهر إشكالية عقلية:

  • إن تساوى عدد عناصر السلسلتين، لزم تساوي الناقص (السلسلة الثانية) مع الزائد (السلسلة الأولى)، وهو محال.
  • وإن لم يتساويا، لزم أن تكون إحدى السلسلتين متناهية، وبالتالي الأخرى كذلك، لأن الفرق بينهما محدود.

وهذا يؤدي إلى نتيجة حاسمة: لا يمكن أن تكون الحوادث ممتدة إلى ما لا نهاية في الماضي، بل لا بد لها من بداية.

النتيجة النهائية

بناءً على ما سبق، يخلص المتكلمون إلى أن:

  • الأعراض حادثة.
  • والتسلسل اللانهائي للحوادث مستحيل.
  • وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.
  • إذن الأعيان (ومنها العالم) حادثة.

وهكذا يثبت لديهم أن العالم ليس أزليًا، بل له بداية وهذا هو الحق و الصواب والحمدلله رب العالمين ، وهو ما يفتح الباب للقول بوجود محدثٍ له. هو واجب الوجود.

خاتمة

يتبين من هذا العرض أن جوهر الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة لا يكمن فقط في مسألة الأعراض والأعيان، بل في قضية أعمق، وهي: هل للحوادث بداية أم أنها تمتد إلى ما لا نهاية؟ وقد بنى كل فريق موقفه على الإجابة عن هذا السؤال. ومع ذلك، يبقى هذا الجدل من أبرز النماذج التي تُظهر عمق التفكير العقلي في التراث الإسلامي.

زيادة توضيح لبرهان التطبيق حسب الطريقة الأولى المذكورة في المقال

كما قلنا يُعدّ برهان التطبيق من أقوى ردود المتكلمين على قول الفلاسفة باستحالة بداية الحوادث. وغايته إثبات أن التسلسل اللانهائي في الماضي مستحيل عقلاً. وسنشرح هذا البرهان بطريقة أوضح باستخدام الأعداد والأمثلة المبسطة.


الفكرة الأساسية

يريد المتكلمون أن يقولوا: إذا افترضنا أن الماضي لا بداية له (أي عدد لا نهائي من الحوادث)، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج متناقضة عقليًا.


الطريقة: بناء سلسلتين

السلسلة الأولى (A):

تمثل جميع الحوادث من الآن إلى الماضي اللانهائي المزعوم .يمكن تمثيلها بالأعداد:

A = {0, -1, -2, -3, -4, -5, ...}


السلسلة الثانية (B):

تمثل الحوادث من زمن الطوفان إلى الماضي اللانهائي المزعوم

لنفترض أن زمن الطوفان هو -100

B = {-100, -101, -102, -103, ...}

الآن: نقوم بعملية “التطبيق” (المقارنة)

نضع كل عنصر من A مقابل عنصر من B:

السلسلة Aالسلسلة B
0-100
-1-101
-2-102
-3-103

أين المشكلة؟

1. من جهة:

السلسلة A أطول من السلسلة B

لأنها تحتوي على جزء إضافي:

{0, -1, -2, ..., -99}

وهذا عدده = 100 عنصر


2. لكن من جهة أخرى:

عند المقارنة (التطبيق):

  • كل عنصر من A يقابله عنصر من B بحسب فرض عدم التناهي في السلسلتسن لأنه بحسب الفلاسفة كل سلسلة لا نهائية
  • ولا يوجد عنصر زائد ظاهر في A

النتيجة الغريبة:

السلسلة الأكبر = السلسلة الأصغر

أي:

A = B
مع أن:
A > B

وهذا تناقض عقلي واضح


الاحتمال الثاني

لو قلنا:

لا يمكن تطبيق كل عنصر من A على B

إذن:

  • يوجد عناصر في A لا يقابلها شيء في B

هذا يعني أن:

  • السلسلة B تنتهي
  • ليست لا نهائية

النتيجة النهائية

في الحالتين:

إما:

نحصل على: مساواة الناقص للزائد (مستحيل)

أو نقول:

إحدى السلسلتين منتهية (تنقض فرض اللانهاية)


مثال حياتي بسيط

لو فرض:

  • عندك صف سيارات يبدأ من الآن إلى الماضي بلا نهاية 🚗🚗🚗…
  • وصف آخر يبدأ من وقت قديم (مثل الطوفان) إلى الماضي بلا نهاية

إذا قلت:

  • كل سيارة في الصف الأول لها مقابل في الثاني

كأنك تقول:

الصفان متساويان

لكن:

  • الصف الأول فيه سيارات إضافية (من الآن إلى الطوفان)

تناقض!


الخلاصة

برهان التطبيق يثبت أن:

  • فرض وجود عدد لا نهائي من الحوادث في الماضي
    يؤدي إلى تناقضات عقلية
  • إذن:
    • التسلسل اللانهائي مستحيل
    • الحوادث لها بداية
    • ما لا ينفك عنها (الأعيان) حادث

خلاصة في سطر واحد

إذا كان الماضي لا بداية له، لزم تساوي الزائد والناقص، وهو محال، فثبت أن للحوادث بداية.

زيادة توضيح لبرهان التطبيق حسب الطريقة الثانية المذكورة في المقال

تقسيم سلسلة واحدة وإظهار التناقض

من أعمق صيغ برهان التطبيق عند المتكلمين تلك التي لا تعتمد على سلسلتين مستقلتين، بل تنطلق من سلسلة واحدة من الحوادث ثم تُقسَّم داخليًا إلى سلسلتين، ويُبيَّن أن ذلك يؤدي إلى تناقض إذا فُرضت اللانهاية في الماضي.

نصّ الفكرة الأصلية

“ويصح أن تجعل السلسلة واحدة ثم يؤخذ فرد من ءاخر السلسلة ثم يؤخذ الفرد الذي قبله ويترك الفرد الذي قبلهما ثم يؤخذ فرد ويترك فرد وهكذا ويجعل المأخوذ سلسلة والمتروك أخرى وتطبق السلسلتان كما مر.”


أولًا: تمثيل السلسلة رياضيًا

لنفرض أن لدينا سلسلة حوادث تمتد إلى الماضي بلا بداية، ونمثّلها بالأعداد الصحيحة السالبة مع الحاضر:

S = {0, -1, -2, -3, -4, -5, -6, ...}

حيث:

  • (0) يمثل الآن
  • (-1, -2, -3, …) تمثل الماضي الممتد بلا نهاية

ثانيًا: طريقة التقسيم

نقوم بتقسيم السلسلة وفق النمط المذكور في النص:

  • نأخذ عنصرًا
  • نأخذ الذي يليه
  • نترك الذي بعدهما
  • ثم نأخذ واحدًا ونترك واحدًا
  • وهكذا…

تطبيق ذلك:

العنصرالقرار
0✔️ يؤخذ
-1✔️ يؤخذ
-2❌ يُترك
-3✔️ يؤخذ
-4❌ يُترك
-5✔️ يؤخذ
-6❌ يُترك

ثالثًا: جعل سلسلتين

السلسلة الأولى (المأخوذة):

A = {0, -1, -3, -5, -7, ...}

السلسلة الثانية (المتروكة):

B = {-2, -4, -6, -8, ...}

رابعًا: إجراء “التطبيق” (المقابلة)

ننشئ تقابلًا واحدًا لواحد بين عناصر السلسلتين:

0   ↔ -2  
-1 ↔ -4
-3 ↔ -6
-5 ↔ -8
... ↔ ...

خامسًا: موضع التناقض

من جهة:

السلسلة (A) تحتوي على عنصرين إضافيين في البداية:

{0, -1}

إذن:

|A| > |B|

من جهة أخرى:

تمكّنا من إنشاء تقابل واحد لواحد بين (A) و(B)

أي:

|A| = |B|

التناقض

نصل إلى نتيجتين متعارضتين:

|A| > |B|   و   |A| = |B|

وهذا محال عقلاً.


سادسًا: التحليل

هذا التناقض لم ينشأ من التقسيم نفسه، بل من افتراض أن السلسلة لا نهائية في الماضي. فلو كانت متناهية، لما أمكن إنشاء هذا التقابل دون بقاء عناصر بلا مقابل.

إذن:

  • فرض اللانهاية يؤدي إلى نتائج غير معقولة
  • وهذا يدل على بطلانه في الواقع

الخلاصة

من خلال تقسيم سلسلة واحدة من الحوادث إلى سلسلتين، ثم إجراء تقابل بينهما، يظهر أن افتراض التسلسل اللانهائي في الماضي يفضي إلى التناقض، إذ يجعل الأكبر مساويًا للأصغر.

وعليه، يثبت المتكلمون أن:

  • الحوادث لا تمتد إلى ما لا نهاية
  • بل لها بداية
  • وما لا ينفك عنها (كالأعيان) يكون حادثًا مثلها

خلاصة مركّزة

إذا أدّى افتراض اللانهاية إلى تناقض، بطل هذا الافتراض، وثبت أن للحوادث بداية.

ابن تيمية يوافق الفلاسفة : https://lataef.blog/2026/04/13/نقد-قول-دوام-نوع-الحوادث-عند-ابن-تيمية-و/

إشكالية المقابلة في برهان التطبيق: هل يمكن أن يتساوى الأكبر مع الأصغر؟

من أدقّ الإشكالات التي تبرز في برهان التطبيق ذلك السؤال الذكي:

أليس من المفروض أن تبقى عناصر في السلسلة الأكبر لا يقابلها شيء؟

يبدو هذا الاعتراض في ظاهره بسيطًا، لكنه في الحقيقة يكشف جوهر المشكلة التي أراد المتكلمون إبرازها، وهي أن افتراض اللانهاية في الماضي يؤدي إلى نتائج غير مقبولة عقلاً.


أولًا: معنى “المقابلة” أو التطبيق

عندما يقول المتكلمون: نضع كل عنصر مقابل عنصر، فإنهم يقصدون إنشاء علاقة واحد لواحد بين سلسلتين، بحيث يقابل كل عنصر من السلسلة الأولى عنصرٌ من السلسلة الثانية.

ويمكن تمثيل ذلك رياضيًا كما يلي:

0  ↔ -2  
-1 ↔ -4
-3 ↔ -6
-5 ↔ -8
...

أي أننا نربط كل عنصر من السلسلة الأولى بعنصر من الثانية دون تكرار أو نقص.


ثانيًا: ما الذي يقتضيه العقل في الحالة العادية؟

إذا كانت السلسلتان متناهيتين، فإن العقل يحكم بوضوح:

إذا كانت إحدى السلسلتين أكبر، فلا بد أن تبقى عناصر فيها بلا مقابل.

مثال:

A = {1,2,3,4,5}  
B = {3,4,5}

عند إجراء المقابلة:

1 ↔ 3  
2 ↔ 4
3 ↔ 5

نجد أن:

4 و 5 من A لا يقابلهما شيء

وهذا أمر طبيعي ولا إشكال فيه.


ثالثًا: أين تظهر المشكلة؟

تظهر المشكلة عندما نفترض أن السلسلتين غير متناهيتين، أي تمتدان إلى ما لا نهاية.

في هذه الحالة، يمكن دائمًا إنشاء مقابلة واحد لواحد، حتى لو كانت إحدى السلسلتين “أكبر” من الأخرى من حيث الظاهر.


مثال رياضي توضيحي

لننظر إلى مجموعتين مشهورتين:

الأعداد الطبيعية:

N = {1,2,3,4,5,...}

الأعداد الزوجية:

E = {2,4,6,8,...}

من الواضح أن:

  • مجموعة (N) تحتوي على أعداد أكثر (لأن فيها الأعداد الفردية أيضًا)

لكن يمكن إنشاء مقابلة:

1 ↔ 2  
2 ↔ 4
3 ↔ 6
4 ↔ 8
...

فتكون النتيجة:

كأن المجموعتين متساويتان في العدد، رغم أن إحداهما جزء من الأخرى.


رابعًا: تحليل الإشكال

هنا نصل إلى لبّ برهان التطبيق:

إذا قلنا:

لا تبقى عناصر بدون مقابل

فهذا يعني أن:

السلسلة الأكبر = السلسلة الأصغر

وهذا يناقض حكم العقل في المتناهيات.


وإذا قلنا:

تبقى عناصر بدون مقابل

فهذا يعني أن:

السلسلة الثانية لا تستوعب الأولى

أي أنها متناهية أو ناقصة

وهذا يناقض فرض كونها لا نهائية.


خامسًا: النتيجة

نصل إلى خيارين، كلاهما غير مقبول:

الفرضيةالنتيجة
كل عنصر له مقابلتساوي الأكبر والأصغر (محال)
ليس لكل عنصر مقابلالسلسلة ليست لا نهائية

وبذلك يظهر أن افتراض وجود سلسلة لا نهائية من الحوادث في الماضي يؤدي حتمًا إلى تناقض.


الخلاصة

يتبيّن من هذا التحليل أن الإشكال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره—وهو بقاء عناصر بلا مقابل—يتحوّل في حالة اللانهاية إلى معضلة عقلية عميقة. فإمّا أن نقبل بنتائج غير معقولة، كالمساواة بين الزائد والناقص، أو نتخلّى عن فرض اللانهاية.

ولهذا خلص المتكلمون إلى أن:

القول بامتداد الحوادث إلى ما لا نهاية يفضي إلى المحال، فوجب القول بأن لها بداية.

وهذا هو المقصود من برهان التطبيق في أعمق صوره.

زيادة في الفائدة من أدلة الكتاب والسنة :

ليعلم اخواني أن الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني وقالوا بقدم العالم إنما دخلت عليهم الشبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة والموت باردا يابسا، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصيرَ خلقا سويا، والضدان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.

ولعمري إن الضدين لا يجتمعان في محل واحد ولا في جهة واحدة ولا في الموجود في المحل، ولكنه يصح وجودهما في محلين على سبيل المجاورة، فاحتج الله عليهم بأن قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ *} [(549)] فردهم الله عز وجلّ إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على بردها ورطوبتها، فجعل جواز النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الأخرى[(550)].

وأما ما يتكلم به المتكلمون من أن للحوادث أولا وردهم على الدهرية[(551)] القائلين ما من حركة إلا وقبلها حركة، ولا يوم إلا وقبله يوم، والكلام على من قال: ما من جزء إلا وله نصف لا إلى غاية.

فقد وجدنا ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: « لا عدوى ولا طيرة »، فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنها الظباء تدخل في الإبل الجربى فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فمن أعدى الأول»[(552)] فسكت الأعرابي لما أفحمه بالحجة المعقولة.

وكذلك نقول لمن زعم أنه لا حركة إلا وقبلها حركة، لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة لأن ما لا نهاية له لا حدث له.

وكذلك لما قال الرجل: يا نبي الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وعرّض بنفيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «هل لك من إبل»؟ فقال: نعم، قال: «فما ألوانها»؟ قال حمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هل فيها من أورق»؟ قال: نعم إن فيها أورق، قال: «فأنى ذلك»؟ قال: لعلّ عرقًا نزعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ولعلّ ولدك نزعه عرق»[(553)] فهذا ما علّم الله نبيه من رد الشىء إلى شكله ونظيره، وهو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير .

وأما الأصل في أن للجسم نهاية وأن الجزء ينقسم فقوله عز وجلّ اسمه: {…وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ *} [(557)] «ومحال إحصاء ما لانهاية له» اهـ. بتصرف يسير.

وذكر القاضي العلامة البياضي الحنفي الماتريدي في كتابه إشارات المرام أربعة وجوه في الاستدلال على وجود الخالق بالعقول مع بيان أصل الدليل من النقول وهي:

أولا: إمكان الجواهر : والجواهر جمع جوهر، وهو الجزء الفرد الذي لا يتجزأ، وهو قابل للتحيز[(558)]، وما تركب من جوهرين فأكثر يقال له الجسم[(559)]، وقيل: الجسم ما كان له طول وعرض وسمك وتركيب وتأليف[(560)].

والمقصود أن الأجسام ممكنة الوجود أي أن العقل يجوّز وجودها وعدمها، وما كان كذلك دل على حدوثه أي وجوده بعد عدم، ودليله أنها قابلة للزوال، وكل ما كان كذلك فهو حادث، وإذا كانت حادثة مخلوقة افتقرت إلى محدث خالق أوجدها[(561)].

والأدلة على هذا المعنى كثيرة منها في قوله تعالى: {…أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *} [(562)]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ *وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ *} [(563)]، وقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ *وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ *} [(564)]، وقوله: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ *أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ *} [(565)]، والآيات بهذا المعنى كثيرة.

ثانيا: حدوث الجواهر: والدليل على حدوثها اتصافها بالأعراض[(566)] المتغيرة من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم، وكل متغير حادث، ولو حدثت بنفسها لزم ترجيح المرجوح، وهو الوجود بلا مرجح وهو باطل، والممكن أي الجائز الوجود لا يكون إلا حادثا مخلوقا لاحتياجه إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه[(567)].

والأدلة على هذا المعنى كثيرة منها في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ *يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُِولِي الأَبْصَارِ *} [(568)]، وقوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ… *} [(569)]، وقوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُسَمّىً أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ *} [(570)]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ثالثا: إمكان الأعراض: وهو جمع عرض وهو صفة الجسم من حركة وسكون واجتماع وافتراق ونحو ذلك، وهو ما يقوم بغيره، هذه حقيقة العرض أنه لا يقوم بنفسه وأنه لا ينتقل، قال أبو البقاء: «العرض بفتحتين عبارة عن معنى زائد على الذات أي ذات الجوهر، يجمع على أعراض، وهذا الأمر عرض أي عارض أي زائل يزول وعرض لفلان أمر أي معنى لا قرار له ولا دوام، ومنه العارضة على الأجسام – لعدم بقائه -»[(571)] اهـ.

لأن الجسم إما متحرك وإما ساكن، ولا يجوز أن يكون في حال حركته سكونه كامنا فيه، ولو كان الجرم ساكنا في حال حركته لاجتمع الضدان واجتماعهما محال. ولا يمكن ثبوت جسم ليس بمتحرك ولا ساكن ولا مفترق ولا مجتمع، ولا يمكن خلو الأجسام عن بعض الأعراض -كالحركة والسكون وهذا أمر ظاهر مدرَك بالبديهة- لأنه لو جاز خلوها عن بعضها لجاز عن جميعها وهو باطل[(572)]. قال أبو البقاء: والعرض العام هو إما لازم كالتنفس والتحرك للإنسان، أو مفارق وهو إما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل أو بطيء كالشيب والشباب[(573)] اهـ.

والأدلة على هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً *ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا *} [(574)]، وقوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [(575)].

رابعا: حدوث الأعراض: والحركة والسكون حادثان لأنه بحدوث أحدهما ينعدم الآخر، فما من ساكن إلا والعقل قاضٍ بحواز حركته، وما من متحرك إلا والعقل قاضٍ بجواز سكونه، فالطارئ منهما حادث بطَرَيانه، والسابق حادث لعدمه، لأنه لو ثبت قِدَمُهُ لاستحال عدمه فالأعراض حادثة.

ومن أدلتها قوله تعالى إخبارا عن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ *وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ *} [(576)].

قال أبو البقاء: «الاستدلال بحدوث الجواهر طريقة الخليل حيث قال: {…لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [(577)]، والاستدلال بإمكان الأعراض مقيسة إلى محالها طريقة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام حيث قال: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى *} [(578)][(579)] اهـ.

وإنما قدمت هذه المقدمة مع تدعيمها وتوضيحها ليقع معنى كلام البياضي موقعه من النفس لأهميته في استكمال ما شرعت بالتأكيد عليه، وهو أن أهل السنة والجماعة يستندون إلى الدلائل الساطعة والقاطعة من الشرع والعقل، فلا يهملون حكم العقل ولا يستقلون به عن الشرع.

قال العلامة البياضي: «وأصل الدليل – على حدوث السموات والأرض وأجزاء العالم – مأخوذ من قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ… *} [(580)]، وقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ… *} [(581)]، وقوله: {…أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ… *} [(582)]، حيث دلت على توبيخ الكفار بترك النظر والاستدلال على وجود الصانع المتعال واتصافه بصفات الكمال بعد تعميرهم مدة يتمكنون فيها بعقولهم من الاستدلال، وقد أشير إلى الاستدلال في ثمانين آية ، وظاهر الكل الاستدلال بحدوث الموجودات لكفايته في مقام التصديق وظهوره ، وهو مراد المتكلمين»[(583)].

وقال[(584)]: «(وكما يحيل العقل)[(585)] ويجزم بالاستحالة (في سفينة مشحونة بالأحمال احتوشتها) أي أحاطت بها من كل جهة، يقال احتوش القوم بالصيد واحتوشوه (في لجة البحر) ومعظمه (أمواج متلاطمة) يضرب بعضها بعضا (ورياح مختلفة) تهب من كل جهة (أن تجري) بنفسها (مستوية) لا تميل إلى طرف ولا تقف وقفة مع تصادم الرياح المختلفة (و) الحال أنه (ليس أحد يجريها ويقودها) مستوية، (فكذلك يستحيل) في العقل (قيام هذا العالم) من السموات والأرض وما فيهما بنفسه (على اختلاف أحواله) من حركات السموات والسيارات وسكون الأرض واختلافها في الكيفيات، وما خص به الإنسان من الهيئات واستجماع أنواع الكمالات، وما يختص به سائر الموجودات (وتغير أموره) من تعاقب الضوء والظلمات، وتغير أحوال الحيوانات والمعادن والنبات (من غير صانع) واجب بالذات واحد موصوف بصفات الكمال منـزه عن سمات التغير والزوال (ومحدِث) يحدث العالم وما اختلف فيه من الأحوال وتغير من الأعمال (وحافظ) يحفظه عن الاختلال.

يعني أن الممكنات من الأرض والسموات وما فيهما حادثة لأنها متغيرة، وكل حادث فله محدث. وتقريره على طريقة الإمكان: أن الممكنات موجودة فلا بد لها من موجد لاستحالة وجود الممكنات من نفسها وقيامها بلا موجد…

إلى أن قال: فثبت الانتهاء إلى مؤثر واجب قديم يحدثه ويحفظه، وهذا برهان لطيف جليل مأخوذ من مسلك الخليل عليه التحية والتسليم بالتبجيل حيث استدل قبل أن يجرى عليه القلم بالظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الطلوع، وآثار العجز عن التدبير كما قال الإمام أبو منصور، مستفهما على سبيل الإنكار في قوله: هذا ربي، فإن حذف أداته مشهور قائلا: لا أحب الآفلين أي لا أثني على الذي تتعاقب عليه الأحوال ويعتريه التغير والزوال باستحقاق الربوبية ولا أعطيه المحبة التي تجب لله الواجب الوجود الذي يستحيل عليه الزيادة والنقصان والذهاب والإتيان…

وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ *} [(586)]، وقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[(587)]، وقوله تعالى: {…وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *} [(588)]، وفيه إشارات إلى مسائل:

الأولى: أن الموجودات مفتقرة إلى الصانع ابتداء وبقاء من حيث يستتبع حدوثها كافتقارها من حيث إمكانها الذي لا ينفك عنها، فإن الموجودات إما جواهر يستحيل خلوها عن الأكوان[(589)] المتجددة المتغيرة، أو أعراض متجددة بتعاقب الأمثال متغيرة، فهي محتاجة إليه تعالى دائما عند المتكلمين.

الثانية: أن جزم العقل باستحالة جريان سفينة محمولة بنفسها على الاستواء مع تصادم الأمواج والرياح مما لم يختلف فيه الآراء وأجمع عليه العقلاء، وهو قدر يسير بالنسبة إلى ما في العالم من اختلاف أحوال وتغير الأمور والأعمال، فكيف يوجد ويقوم بنفسه من غير صانع واجب وإليه أشار بجعله المقيس عليه. الثالثة: أن العالم حادث، والاستدلال على حدوثه بجميع أقسامه، وكونه مسبوقا بالعدم بوجوه:

الأول: أن الجسم يقوم به الحادث، وهو ضروري لما نشاهده من الحركات وتجدد الأعراض، ولا شىء من القديم كذلك، وإليه أشار بقوله: (في سفينة مشحونة بالأحمال احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة).

الثاني: أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث من الأكوان والتأليف وما يتبعهما من الأعراض، ولا توجد بدون التمايز، وهو بالأعراض لتماثل الجواهر الفردة التي يتألف منها الأجسام، والأعراض لا تبقى زمانين، وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو حادث بذاته وصفاته وأحواله، وأشار بقوله: (قيام هذا العالم على اختلاف أحواله وتغير أموره وأعماله).

ملاحظة هنا : القول السديد هو التفصيل في المسألة بأن يقال: العرض نوعان:

– منه ما يبقى زمانا واحدا، كالحركة، وبعضهم يسميها الأعراض السيالة.

– ومنه ما يبقى زمانين أو أكثر، كالألوان والطول والقصر، فإنها مشاهد محسوس بقاؤها زمانين فأكثر، وكالعلم بالشيء الذي حصل في الشخص في الآن الأول هو موجود في الآن الثاني بعينه لم ينعدم فيخلفه مثله.

الثالث: أن كل جسم ممكن لأنه مركب وكل ممكن وجد مسبوق بالعدم، إذ لا يتصور الإيجاد إلا عن عدم، وإليه أشار بقوله: صانع ومحدث مع قوله في الدليل السابق «لما يرى من خلق السموات والأرض».

وقال[(590)]: «(وكذا خروج الجنين) الولد المستبين الخلقة (من بطن أمه) ملابسا (بصورة حسنة) من استواء القامة وتناسب الأعضاء، واعتدال التخطيطات المقدارية والأوضاع المتلائمة والإتقان والإحكام البالغ أقصى الغاية، والحكم والمصالح البالغة فيما عرف خمسة آلاف (ليس) بالضرورة (من) تأثير (نجم) من السيارات عديم الشعور كما زعمه المنجمون والصابئون من أن الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك هي العلل لحدوث الحوادث الواقعة في العالم من الجواهر والأعراض، متمسكين بدوران الحوادث السفلية والتغيرات الواقعة في جوف فلك القمر وجودا وعدما مع ما لتلك الكواكب من الأوضاع في البروج، كما يشاهد في الفصول الأربعة وتأثيرات الطوالع، (ولا) من (طبع) من القوى البسطية والمركبة العديمة الشعور بالضرورة، وإليه أشار بعدم التعرض للاستدلال للإحالة إلى الضرورة، فليس التأثير من الطبع كما زعمه الطبيعيون من أن الطبائع هي العلل للحوادث متمسكين بأنه يكون من اجتماع الماء والأرض النبات ولا بد فيه من هواء يتخلل بين أجزائه ومن حرارة طابخة، إذ لو فقد أحدهما أو لم يكن على ما ينبغي فسد الزرع، كما إذا التقى البذر في موضع لا يصل إليه الهواء وحر الشمس، ومن النبات يحصل بعض الحيوان لأنه غذاؤه، ومنهما يحصل الإنسان لأنه متولد من المني المتكون من الغذاء الذي هو نبات أو حيوان، وكذا يحصل منهما بعض الحيوان الذي غذاؤه منهما، والطبيعة المصورة التي في الرحم تقيد الأجزاء المتخالفة الحقيقة بالصور والقوى والأشكال والمقادير التي بها يصير مثلا بالفعل لمن فصلت منه البذر (بل من تقدير صانع) متقن للأفعال، فإن الصنع إجادة الفعل كما في االمفردات، والتقدير بمعنى التخصيص الذي هو نتيجة الإرادة أو نتيجة الحكمة كما في التعديل وغيره (حكيم عالم) بالأشياء على ما هي عليه الآتي بالأفعال على ما ينبغي. يعني أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته وصورته جائز ممكن فلا بد له من مخصص حكيم. وتقريره أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته المعينة وصورته المشخصة، والإحكام إلى الغاية لا بد وأن يكون من الجائزات ولا بد للجائز من مرجح…

وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ… *} [(591)] حيث دل إيراده في معرض الاستدلال على أنه يعلم علما ضروريا، ويستدل به على غيره كما في شرح المواقف، وفيه إشارات إلى مسائل:

الأولى: أن من تأمل في عجائب الأفعال الحادثة في عالم الطبيعة البالغة من الإتقان والاحكام أقصى الغايات، وكان راجعا إلى فطنة ولم يعم بصيرته التقليد علم بالضرورة أنها لا يمكن أن تستند إلى قوى بسيطة أو مركبة عديمة الشعور، سيما ما يحدث في الحيوانات من الصور النوعية والقوى التابعة لها على تلك المادة المتشابهة الأجزاء، وما يراعى فيها من حكم ومصالح قد تحيرت فيها الأوهام وعجزت عن إدراكها العقول والأفهام، مما قد بلغ المعروف منها في كتب منافع الأعضاء وأشكالها ومقاديرها، وأوضاعها خمسة آلاف وما لم يعلم منها أكثر مما علم، كما في المواقف وأوائل التفسير الكبير للرازي…

ثم قال بعد كلام: (والعالم) أي ما يُعلَم به الصانع وصفاته من الجواهر والأعراض (يتغير من حال إلى حال) في الأكوان والأمثال المتجددات (والتغير لا بد له من مغير) لا يتغير كما هو المتبادر، والاحتياج إلى المغير المرجح ضروري في الممكن المتغير (فدل تغيره على وجود مغير له غالب) على أمره (هو الصانع) الواجب المتقن لفعاله، يعني أن كل موجود من العالم يشاهد تغير حاله انقلابه من العناصر والحيوان والمعادن والنبات، ولا بد له من مغير صانع.

وتقريره: أن كل موجود من العالم كانت حقيقته قابلة للتغير والعدم فإنه يكون نسبة حقيقته إلى الوجود وإلى العدم على السوية، وكل ما كان كذلك لم يكن وجوده راجحا على عدمه إلا لمرجح وهو لا بد وأن يكون موجودا، فإن كان ممكنا عاد الكلام فيه ولزم الدور أو التسلسل، وكلاهما باطل لما مر، فثبت الانتهاء إلى مرجح واجب الوجود غالب لذاته.

وتقريره على طريقة الحدوث: أنه لا شك في تغير العالم وحدوث أحواله، وكل حادث ممكن، وإلا لم يعدم ولم يوجد فله مؤثر، وذلك المؤثر يكون لا محالة واجبا غالبا، أو منتهيا إليه لاستحالة الدور أو التسلسل.

وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ *} [(592)]، وبين المقام تنبيها على ضرورية دلالة الموجود المحدث بقوله فيه (كوجود بناء مشيد) أي محكم (في عَرصةٍ بعد أن لم يكن) فيها مادته وصورته كما دل الإطلاق (يدل على وجود بان بناه) بالضرورة» اهـ. بتصرف يسير.

قال الفخر الرازي : «وهذا الكلام موافق للوحي والنبوة ، فإنه ذكر مراتب تكوّن الجسد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *} [(593)] فلما آل الأمر إلى تعلق الروح بالبدن قال: {…ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ… *} [(594)] وذلك كالتنبيه على أن كيفية تعلّق الروح بالبدن ليس مثل انقلاب النطفة من حال إلى حال، بل هذا نوع آخر مخالف لتلك الأنواع المتقدّمة فلهذا السبب قال: {…ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ، فكذلك الإنسان إذا تأمّل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمّل في صفاتها فذلك له قانون، فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي به اهتدى إلى معرفة الجسمانيات»[(595)] اهـ.

ـ[549]   ومن الأدلة على هذا المعنى قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ *} [سورة فاطر]، وقوله: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ *} [سورة الزخرف].

ـ[550]   بهذا تعرف حقيقة ابن تيمية أنه من الدهرية الهلكى لقوله بأنه ما من حركة إلا وقبلها حركة كما قال في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (1/291، طبع دار الكتب العلمية بيروت: 1985) وهو كفر إجماعًا كما قال ابن دقيق العيد والزركشي والنووي والقاضي عياض وغيرهم كابن حزم في مراتب الإجماع وأنكر ابن تيمية على ابن حزم ذكره الإجماع على تكفير من قال بخالق سوى الله وذلك في كتاب أسماه نقد مراتب الإجماع، وذكر ابن تيمية عقيدته هذه أي قوله بأزلية العالم في ستة من كتبه وهي الموافقة وقد ذكر آنفًا وشرح حديث عمران بن حصين وشرح حديث النـزول ومنهاج السنة النبوية والفتاوى الكبرى ونقد مراتب الإجماع فابن تيمية في الحقيقة دهري قائل بأزلية العالم ومن أراد المزيد فلينظر في كتاب المقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية لشيخنا الحافظ عبد الله الهرري رحمه الله. قال الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ}، فإن علماء البيان قالوا: مما يفيد الحصر كون المبتدأ والخبر معرفة= = وفي هذه الآية المبتدأ مضمر أي (هو) والخبر (الأول) وكلاهما معرفة فدل على أنه لا أول بمعنى لا بداية لوجوده أحد سوى الله جل وعلا. ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد كذب هذه الآية وفارق الإسلام، ولحق بالفلاسفة والدهرية بإجماع علماء المسلمين.

قال السبكي في حق ابن تيمية:

يحاولُ الحشوَ أنّى سارَ فهوَ لهُ

حثيثُ سيرٍ بشرقٍ أو بمغربه

يرى حوادثَ لا مبـدا لأولها

في الله سبحانه عما يظن به

ـ[551]   رواه البخاري في صحيحه: (5/2161)، (5387)، كتاب الطب، باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا صفر ولا هامة» فقال أعرابيّ: يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرّمل كأنّها الظّباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها، فقال: «فمن أعدى الأوّل» اهـ.

ـ[552]   رواه البخاري في صحيحه: (6/2511)، (6455)، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب ما جاء في التعريض.

ـ[553]   وقد قال بعض الجامدين المتبعين لابن تيمية في التشبيه والتجسيم في كتاب له أسماه (تنبيهات هامة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني في صفات الله): «إن تنـزيه الله عن الجسم والحدقة والصماخ واللسان والحنجرة ليس بمذهب أهل السنة بل هو من أقوال أهل الكلام المذموم وتكلفهم» اهـ. (ص/22، طبع ما يسمى بجمعية إحياء التراث الإسلامي الكويت).

ـ[554]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

ـ[555]   سورة الإخلاص: 4 .

ـ[556]   سورة يس: جزء من الآية 12 .

ـ[557]   الحدود الأنيقة للشيخ زكريا الأنصاري: (ص/71).

ـ[558]   التعريفات للجرجاني: (ص/103).

ـ[559]   كما عرفه الإمام أحمد رضي الله عنه، كتاب اعتقاد الإمام أحمد لأبي الفضل التميمي: (ص/45).

ـ[560]   باختصار من تهذيب كتاب الاعتماد في الاعتقاد للمحدث أبي المحاسن القاوقجي الطرابلسي: (ص/11).

ـ[561]   سورة الرعد: جزء من الآية 16 .

ـ[562]   سورة إبراهيم: 19 – 20 .

ـ[563]   سورة إبراهيم: 32 – 34 .

ـ[564]   سورة الشورى: 49 – 50 .

ـ[565]   والأعراض جمع عرض وهو صفة الجسم، وفي اصطلاح المتكلمين ما لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في محل يقوم به، وهو خلاف الجوهر، وذلك نحو حمرة الخجل وصفرة الوجل. المصباح المنير: (ص/153).

ـ[566]   باختصار من تهذيب كتاب الاعتماد في الاعتقاد للمحدث أبي المحاسن القاوقجي الطرابلسي: (ص/12).

ـ[567]   سورة النور: 43 – 44 .

ـ[568]   سورة فاطر: جزء من الآية 13 .

ـ[569]   سورة الزمر: 5 .

ـ[570]   الكليات لأبي البقاء (1/624).

ـ[571]   كتاب الاعتماد في الاعتقاد (ص/12-13).

ـ[572]   الكليات لأبي البقاء (1/627).

ـ[573]   سورة الفرقان: 45 – 46 .

ـ[574]   سورة الأنعام: 13 .

ـ[575]   سورة الشعراء: 78 – 81 .

ـ[576]   سورة الأنعام: جزء من الآية 76 .

ـ[577]   سورة طه: 50 .

ـ[578]   الكليات لأبي البقاء (1/401).

ـ[579]   سورة الأعراف: 185 .

ـ[580]   سورة فصلت: 53 .

ـ[581]   سورة فاطر: 37 .

ـ[582]   إشارات المرام (ص/82-83).

ـ[583]   إشارات المرام (ص/85).

ـ[584]   ما بين قوسين منقول عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، والشرح من كلام العلامة كمال الدين البياضي.

ـ[585]   سورة الشورى: 32 – 33 .

ـ[586]   سورة النمل: جزء من الآية 88 .

ـ[587]   سورة البقرة: جزء من الآية 255 .

ـ[588]   الأكوان هي عبارة عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهي معان حادثة، الكليات لأبي البقاء (1/345).

ـ[589]   إشارات المرام (ص/91-92).

ـ[590]   سورة آل عمران: جزء من الآية 6 .

ـ[591]   سورة آل عمران: جزء من الآية 190 .

ـ[592]   سورة المؤمنون: 12 .

ـ[593]   سورة المؤمنون: جزء من الآية 14 .

ـ[594]   أساس التقديس (ص/21 – 22).

ـ[595]   بتصرف من مقدمة الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد (ص/20).

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading