الهوى يُعمي ويُصِمُّ [11] المغرور يُقبِّح قول الجُمهور ويقول بما لازمه تكفير الأُمَّة (راجع)
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله. وبعدُ فقد تنطَّع المغرور في مسألتَين.
في المسألة الأُولى:
روَّج المغرور فتوى تُكفِّر مَن أضاف لفظ الذَّنب أو المعصية بحقِّ الأنبياء في غير التِّلاوة؛ وهذا يعني أنَّ مَن أراد مُوافقة قوله تعالى: {وعصَى آدمُ ربَّه} فقال: “آدم عصى” فالقائل يصير عند المغرور كافرًا مُرتدًّا!
وهذه الفتوى الباطلة ناطقة بتكفير الصَّحابة والتَّابعين وبتكفير الأئمَّة الأربعة المُجتهدين وبتكفير إمامَي أهل السُّنَّة في الأُصول الأشعريِّ والماتُريديِّ وبتكفير أكابر حُفَّاظ الأُمَّة وعُلمائها.. فلا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
3
فكُلُّ واحد مِن عُلماء الإسلام أضاف لفظ الذَّنب أو المعصية في حقِّ نبيٍّ مِن الأنبياء هُو بحسب الفتوى الَّتي يروِّجها المغرور كافر مُرتدٌّ وهذا يشمل مَن قال: (للأنبياء ذُنوب) سواء أراد حقيقة الذَّنب أو أراد ترك الأَولى.
4
وسيِّدتنا عائشة تقول وقد رأت كيف كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقوم اللَّيل حتَّى تتفطَّر قدماه: <لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ..> فهذا فيه إضافة لفظ الذَّنب إلى النَّبيِّ في غير تلاوة فهي رضي الله عنها بحسب الفتوى الَّتي روَّج لها المغرور كافرة والعياذ بالله!
5
وإمامُنا الشَّافعيُّ رضي الله عنه يقول: <يَعْنِي وَاللهُ أَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ> فقوله <مِن ذنبه> فيه إضافة لفظ الذَّنب إلى النَّبيِّ في غير سياق التِّلاوة فيكون عند المغرور كافرًا!
6
وأضاف الأشعريُّ المعصية إلى النَّبيِّ عليه السَّلام في غير تلاوة فقال في [المُجرَّد]: <كَمَا لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لِأَجْلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ صَغِيرَةٌ> انتهى، فيصير الأشعريُّ مُرتدًّا بحسب المغرور!
7
والماتُريديُّ أضاف لفظ الذَّنب إلى الأنبياء عليهم السَّلام فقال فِي [التَّوحيد]: <وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذُنُوبُهُمْ بِحَيْثُ احْتِمَالُ التَّعْذِيبِ عَلَيْهَا فِي الحِكْمَةِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَوْفُ التَّعْذِيبِ..> إلخ؛ فيصير الماتُريديُّ مُرتدًّا عند المغرور!
8
ومثل هؤلاء فعل أئمَّة الإسلام مِن لدُن صحابة رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام إلى أيَّامنا هذه؛ وليس في مثل هذا تنقيص للأنبياء ولا قدح في نُبُوَّتهم؛ فكيف يُروِّج المغرور لتكفير الأُمَّة بغير حقٍّ والعياذ بالله!
9
وفي المسألة الثَّانية:
ضلَّل المغرور جُمهور العُلماء لأنَّهم حملوا الآية: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ..} على ظاهرها دون تأويل فقالوا ذنب صغير لا خسَّة فيه ولا دناءة تاب منه النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام قبل أنْ يُقتدى به فيه.
10
وأطلق المغرور عبارات تدلُّ على وقاحة مع العُلماء؛ فقال عن مذهب الجُمهور: (زلَّة عظيمة)؛ وقال: (وقولهم هذا باطل)؛ وقال: (ما أقبح قولهم) وسمَّى بيان قول الجمهور (علامة الخذلان). وما المخذول إلَّا هُو.
10
ونقول في بيان الحقِّ إنَّ القاضي عياض بيَّن في كتابه [الشفا] أنَّ الجُمهور حمل الآيات على ظاهرها وأنَّ الَّذين تأوَّلوها هُم الأقلُّ؛ ويشهد لهذا الكلام إمامانِ مِن أئمَّة المُسلمين الزَّركشيُّ ومُلَّا عليٌّ القاري.
11
فقال الزَّركشيُّ فِي [البحر المُحيط فِي أُصول الفقه]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقالَ فِي [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء..> انتهى.
12
وقال مُلَّا عليٌّ القاري فِي [شرح الشِّفا]: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووقوعها (جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ) مِن الخلف كإمام الحرمَين منَّا وأبي هاشم مِن المُعتزلة حيث جوَّزوا الصَّغائر غير المُنفِّرة (عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ) أي المُجتهدِين (وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ) أي فِي أصول الدِّين والمُراد بعضٌ مِن كُلٍّ منهم> انتهى.
13
فالزَّركشيُّ يقول: <تجويز الصَّغائر ووقوعها> انتهى. وعليٌّ القاري يقول: <وجودها ووقوعها> انتهى. فهُما ينقلان عن الجُمهور القول بالجواز والقول بالوُقوع وليس بالجواز وحسب؛ وهذا ما يقوله شيخنا الهرريُّ رحمه الله.
14
أمَّا المغرور فيُخالف ويُطلق أحكام التَّكفير والتَّقبيح بحقِّ مَن يقول بالوُقوع حقيقة أو أضاف لفظ الذَّنب إلى نبيٍّ في غير تلاوة؛ وكأنَّه أفهم مِن جماهير العُلماء وهو الغِرُّ الجاهل الَّذي لو حفظ كلمتَين أخطأ في الثَّالثة!
15
ولو أردنا استقصاء النُّقول الَّتي تُثبت قول الجُمهور لضاق بذلك هذا المقال؛ فإلى متى تغرق في الغَيِّ أيُّها المغرور ولماذَا لم تكتفِ بالقول بالعصمة المُطلقة ولم تخُض في تبديع وتضليل أهل السُّنَّة والجماعة!
16
تُروِّج لفتوى تحكُم بالكُفر والرِّدَّة على العُلماء والمُفسِّرين والمُتكلِّمين والمُحدِّثين والحُفَّاظ والفُقهاء لمُجرَّد أنَّهُم أضافوا لفظ المعصية إلى نبيٍّ في غير التِّلاوة؛ فنقطعُك بالدَّليل والحُجَّة فلا تتبرَّأ مِن الباطل يا مغرور!
17
عُلماء الأُمَّة مُتَّهمون عندك يا مغرور في دينهم ومحبَّتهم لرسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام؛ وعندَك يجب التَّحذير منهم؛ أمَّا الفئة الظَّالمة الَّتي فضحها رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام فمرفوعة عندَك فوق رأسك. العَمَه!
18
ويا أيُّها المغرور قد قيل فيك (شيخ) لا لعلم كثير بل لِمَا علَّمناك في جمعيَّتنا مِن علم أهل السُّنَّة حتَّى إذَا انقلبتَ على ما علَّمناك صِرتَ كالصُّحفيِّ الَّذي لا يُحسن إلَّا الثَّرثرة الفارغة بعيدًا عن الأدلَّة والحُجج والبراهين العلميَّة.
19
ولو كنتَ صادقًا فيما تدَّعي لَمَّا رأيناك هربتَ مِن المُناظرة وعملتَ (حظرًا) لتهرب مِمَّن نصحك سرًّا وكان يُحبُّ أنْ لا تُفْتَضَحَ بالزَّيغ ولكنَّك أبيتَ إلَّا أنْ تشتهر بتكفير الأُمَّة وتقبيح قول الجُمهور.. يا مغرور!
انتهى.
١٥/١٢/٢٠١٩ ٩: ٥٢ ص
