مجلس23:
الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله
اللهم ارزقنا حسن النوايا
ويسر لنا التوفيق حتى نلقى وجهك الكريم
فليعلم أن القول بجواز الصغائر التي لا خسة فيها على الأنبياء
ليس طعنا بالأنبياء ولا تنقيصا لهم صلوات الله عليهم وسلامه
ولو كان كذلك لما قال الجمهور به
الخصوم من أهل الفتنة يقرون أن الجمهور على تجويز هذه الصغائر على الأنبياء
يعترفون بأن هذا قول الجمهور
فلو كان نسبة صغيرة لا خسة فيها لنبي أمرًا فيه تنقيص للأنبياء لما قال به الجمهور
وعليه فالجمهور القائل بجواز الصغائر التي لا خسة فيها على الأنبياء
يعرفون أن القرآن والحديث الصحيح الثابت دل على وقوعها منهم
بالتالي فهم لا يخالفون في القول بتفسير الآيات ما جوزوه على الأنبياء
بمعنى
أن هذه الصغائر جائزة على الأنبياء فلا يتأولون النصوص القرآنية والحديثية الصحيحة الثابتة التي نصت على وقوعها منهم صلوات الله عليهم وسلامه
وكل هذا مما لا يستطيع أهل الفتنة إنكاره
ومن أنكره منهم فقد أنكره عنادا وتَحَكُّمًا
أي بلا دليل ولا حجة شرعية
بلا سبب يدعو إليه الشرع
وهذا كله واضح جلي عند كل عاقل
ولذلك يسقط قول بعض أهل الفتنة الجواز غير الوقوع
لأن القائلين بالجواز يعرفون أنه لا يصار إلى تأويل نصوص القرآن إلا بضرورة شرعية
وكيف تكون الضرورة الشرعية في إخراج ما دل على وقوع الأنبياء في صغائر لا خسة فيها طالما الشرع يُحوز وقوع ذلك من الأنبياء!
فهذا مما انقطع فيه أهل الفتنة
قطعتهم الحجة الشرعية
وصاروا مضطرين للخوض فيما سوى الدليل حتى يموهوا على خلق الله
وهذا مما سرَّع في اندحار بدعتهم
وانطفاء فتنتهم
كما نرى اليوم ولله الحمد سبحانه وتعالى
أما ما جاء فيما سوى القرآن الكريم والحديث الصحيح الثابت
من نسبة ما لا يليق بالأنبياء إليهم
فهذا مما يُحذر ويُحذَّر منه
وجماعتنا ولله الحمد أشهر من رد عن أنبياء الله مثل ذلك
فنحن نقول إن يوسف عليه السلام ما همَّ بالزنا
وإبراهيم عليه السلام ما عبد الكواكب
وأيوب عليه السلام ما خرج منه الدود
وداود وسليمان ما وقعا في الرذائل التي ينسبها إليهم اليهود والنصارى
ونحن من يقول إن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا أنبياء
نقول إنهم ما نبئوا
خلافا لما هو في بعض الكتب من القول بنبوتهم
وهو قول غير معتبر
فالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه
معصومون من الكفر والكبائر وصغائر الخسة ومن الرذالات ومن المنفرات بالإجماع
بالاتفاق بين المعتبرين
وما خالف هذا الكلام فإما هو دس وإما تصحيف من جهلة النساخ وإما هو قول غير معتبر
وأذكر لكم بعض أقوال علماء أهل السنة والجماعة في كون الأنبياء معصومين عن الكبائر بالإجماع
قال ابن بَطَّال فِي [شرحه على البُخارِيِّ]: <فأجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّهم معصومونَ فِي الرِّسالةِ *وأنَّهُ لا تقعُ منهم الكبائرُ..>* انتهى.
قال الحافظ الكلاباذي الحنفيُّ فِي [التَّعرُّف لمذهب أهل التَّصوُّف]: <وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ بِإِجْمَاعٍ. وَلَا صَغِيرَةٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ> انتهى.
وقال القاضي عياض: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِر> انتهى.
وقال فِي [شرح الشِّفا]: <(وذهبت طائفة أُخرى مِن المُحقِّقين مِن الفُقهاء والمُتكلِّمين إلى عصمتهم مِن الصَّغائر) المُختلف فِي وُقوعها منهم (كعصمتهم مِن الكبائر) أي المُتَّفق على عدم صُدورها منهم> انتهى.
وقال أبو حامد الغزاليُّ فِي [المنخول مِن تعليقات الأُصول]: <لا يُتوصَّلُ إلى ذلكَ إلَّا بذكرِ مُقدِّمةٍ فِي عصمةِ الأنبياءِ عنِ المعاصِي وهيَ مُنقسمةٌ إلى الصَّغائرِ والكبائرِ وقد تقرَّرَ بمسلَكَ النَّقلِ كونُهم معصومِينَ عنِ الكبائرِ وأمَّا الصَّغائرُ ففيهِ تردُّدُ العُلماءِ> انتهى.
وقال ابن رشد الجَدُّ الفقيه فِي [البيان والتَّحصيل]: <لا اختلافَ أنَّهم معصومونَ مِنَ الكبائرِ> انتهى.
وفي [الإقناع فِي مسائل الإجماع] لابن القطَّان: <وأجمع المُحقِّقون [..] الأُمَّة وخَلَفها قاطبة على ثُبوت عصمة النَّبيِّين عن جُملة الكبائر> انتهى.
وقال أبو العبَّاس القُرطبيُّ دفين الإسكندريَّة فِي كتاب [المُفهم لِمَا أشكل مِن تلخيص صحيح مُسلم] ما نصُّه: <ومعصومون مِن الكبائر وعن الصَّغائر الَّتي تُزري بفاعلها وتحطُّ منزلته وتُسقط مُروءته إجماعًا..>انتهى.
وفي كتاب [الكامل فِي أُصول الدِّين] فِي اختصار كتاب [الشَّامل فِي أُصول الدِّين لإمام الحرمَين الجُوَينيِّ]: <وكُلُّ ذلك يدُلُّ على صُدور بعض الذُّنوب منهم وليس فِي العقل ما يُحيله. نعم لا يجوز إصرارهم على الصَّغائر وتُواطؤُهم عليها وِفاقًا لأنَّه يُلحق بالكبائر> انتهى.
وقال أبو المُظفَّر السَّمعانيُّ فِي [تفسير القُرآن]: < وقد كان معصومًا مِن الكبائر> انتهى.
وقال ابن عطيَّة فِي [المُحرَّر الوجيز] ما نصُّه: <وأجمع العُلماء على عصمة الأنبياء عليهم السَّلام مِن الكبائر والصَّغائر الَّتي هي رذائل. وجوَّز بعضهم الصَّغائر الَّتي ليست برذائل واختلفوا هل وقع ذلك مِن مُحمَّد عليه السَّلام أو لم يقع> انتهى.
نقف اليوم هنا
والحمدلله أولا وآخرا
تفضلوا بالأسئلة
اترك رد