1-لقَد كانَ شَيخُنا رحمه اللهُ تعالى مُرشِدًا مُربِّيًا مُسَلِّكًا زاهدًا عالما نِحريرًا فَقِيهًا حَافظًا مفَسّرا شَافعِيّا أشعَريًّا رفاعيّا قادريّا مُجَازا بكُلّ طُرقِ أهلِ الله، شَديدَ التّواضُع عاملًا بالسُّنّةِ ومُدافعًا عنها قَامِعًا للبِدعَةِ ، يَنْفَعُ النَّاسَ بِبَيَانِهِ، يُبَيِّنُ الضَّلالاتِ وَيُحَذِّرُ مِنْهَا، وَيُبَيِّنُ السُّنَنَ وَيَحُثُّ عَلَيهَا، وَالسُّنَنُ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مِنْ فَرَائِضَ وَغَيْرِ فَرَائِضَ.وهو أشبهُ مَا يَكونُ بسَيّدنا الغَوثِ أحمدَ الرّفاعي الذي قيلَ فيه:
كانَ السّيدُ أحمدُ الرفاعيّ رضي الله عنه عَلَمًا شَامخًا وجَبلًا راسِخًا وعالِمًا جَلِيلا محَدّثًا فَقِيهًا مفَسّرًا ذَا رِواياتٍ عَالِياتٍ وإجَازاتٍ رفِيعَاتٍ قارئًا مجوِّدًا حَافِظًا مُجِيدًا، حُجّةً رُحْلةً (أي تُشدُّ إليه الرِّحَال) متَمَكّنًا في الدّين، إلى أن قيل فيه: “أَعْلمُ أهلِ عَصرِه بكتابِ اللهِ وسُنّةِ رسُولِه ، بَحْرا مِن بِحار الشّرع سَيفًا مِن سُيوفِ اللهِ وارِثًا أَخْلاقَ جَدّه رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم”.
صَنَعْتُ لشَيخِنا الطعامَ ذاتَ يومٍ فاحترقَ الأرُزُّ معي فرميتُهُ في الزُّبالة وقدَّمتُ له اللّوبياء مِنْ دونِ الأرز، فقال لي: أينَ الأرز؟ فقلتُ له: احتَرقَ، فقال شيخنا الزاهدُ جبَّارُ الخواطرِ: وإن يَكُن ائتِ بهِ.
ومَرّةً قالَ لي :اصنَع ليْ نَبِيذَ العَسل أي العسَلَ مع الماء أو الليمونَاضَة، فقلتُ له: أنتَ مَاذا تَرغبُ؟ فقال: الأسْهَل، فقلتُ: كلاهما سَهلٌ، فقال: إذًا اصنَع نَبِيذَ العَسَل، فذهَبتُ وأحضَرتُ اللّيموناضة “نسِيتُ ما طلَبَ”، فشَرِبَ ولم يتَكَلَّم ولم يُعَاتِبْني، ثمَّ تَذكَّرْتُ أثنَاءَ شُربِهِ فقُلتُ لهُ: لا تؤاخِذْني نسِيتُ، فقال: لا علَيكَ.
ومرّةً قالَ شَيخُنا لابنِ أُختي أيمن أن يَشتريَ عَصِيرَ التُّفّاح ليُقَدّمَه للطّلاب الذينَ أرَادُوا زِيارتَه عندَ حضُورِهم فاشتَراه ووَضَعَه في البَرّاد، فجاءَ بَعضُهُم وشَربَه ووضَع مَكانَه مَرق اللَّحْم، وفي المساء عندَما جَاءَ الطُّلّاب قال الشيخ: يا أيمن اجلِب عصِيرَ التُّفّاح، فذهَب أيمن وفتَح البرّاد وفي ظَنّه أنّ الذي في القِنّينة عَصِيرُ التُّفّاح لأنّ اللّونَ مُتَقَارِبٌ، فسَكَبَه وقَدَّمَه للطُّلّاب فشَربوا ولم يَتكَلَّمُوا، وعندَما شَرِبَ الشَّيخُ تَبيّنَ لهُ أنّهُ مَرَقُ اللَّحْم، فقال: يا أيمن ذُقْه فذَاقَه فعَرف أنّه مرَق اللحم، فقال له الشّيخ: لو سَخّنتَه لنا قليلا، ولم يُعَاتِبْه.
هكَذا أخلاقُ الأكَابر جعَلَنا اللهُ مِثلَهم.
ومَرِضتُ ذَاتَ يومٍ فغِبْتُ عَنهُ أيّامًا فاشْتَقتُ إليه، فلَمّا جِئتُ لزيَارتِه وأنَا مَريضٌ قالَ لي: لم كَلَّفتَ نَفسَكَ نَحنُ نَأتي إليكَ، ثمّ أَمَرَ أحَدَ إخْوانِنا برَدّي إلى البَيت بسَيّارته، وفي صبَاح اليوم الثّاني جاءَ لزيَارتي. رضيَ اللهُ عنهُ.
وكنتُ أُهَيّئ لهُ الطّعَامَ مُدّةً مِنَ الزّمَن كُلَّ يَوم ولا أَجلِسُ مَعهُ للطّعَام إلا إذا طلَب مِنّي ذلك، ذاتَ يوم وجَدتُ الذينَ عِندَه كَثْرَةً فوضَعتُ الطّعامَ وخَرجتُ مِنَ الغُرفة حتى أُوَسّع المكان لغَيري، فمَا كانَ مِنه رضيَ اللهُ عَنهُ إلا أنْ سَأَل عَنّي لأجْل الطّعام ونادَاني وأجلَسَني قُربَه لآكُلَ مَعه وقالَ: لي أنتَ لا تَحتَاجُ لإذنٍ للجُلُوسِ مَعِي للطّعَام . وكانَ رضي الله عنه مِن عَطفِه وحَنانِه وكَرمِه يُطعِمُنَا بيَدِه المباركَة، وكانَ ذلك مِن نِعَم اللهِ علَينا وكانَ الطّعامُ مَعه ومِن يَده مِن ألَذّ مَا نَأكُل . وكانَ إذَا تَأخَّرَ بَعضُ مَن تعَوّدَ الشّيخُ أن يُجلِسَه معَه للطّعَام لا يَبدَأ بالطّعَام قَبلَ أن يُنَحّيَ لهُ جُزءًا مِنَ الطّعَام حتى إذَا حضَرَ أكَلَ مِنهُ. شَيخٌ شَفُوقٌ حَنُونٌ كَريم رَحِيم.
وكانَ مِن عَادَتي أني ءاتي إلى بَيتِ الشّيخ مِن بيتِ أَهلِي مَشيًا وأَعُودُ مَشيًا فأعطَاني خمسينَ ليرة فاستَحَيتُ أنْ ءاخُذَها مِنهُ فأصَرَّ علَيّ أنْ ءاخُذَها وقالَ ليْ: تَركَبُ بها بعضَ المرات بسَيّارة الأجْرة.
شيخٌ عَطُوفٌ شَفُوقٌ رَحِيم حَنُون.
وكَانَ لحَارِس البِناء أي النّاطُورِ حِصّةٌ خَاصَّةٌ فكَانَ رضيَ الله عنه مع كثرةِ شُغلِهِ ومَرضِهِ يسألُ عن حارسِ البناء عن حَالهِ وعِيالِهِ ويَسألُ عن مأكلِهِ ومشربِه ، وكانَ إذا وصلَ البناءَ سلّمَ عليه وقبَّله وكانَ يُكرمُهُ، مرّةً أرسَلَ أحدُ أحبَابِ الشّيخِ لشَيخِنا صحنًا من أنواعِ اللحمِ المشويّ فلمّا جلَسوا ليأكلوا الطعامَ ليلا مع الشيخ وضَعوا صحنَ الأرزِ وصَحنَ اللّحم وهذان كانا للّذينَ يأكلون مع الشيخ، والثريدُ أي الخبزُ والمرق للشيخِ رحمه الله، فرفعَ الشيخُ صحنَ اللّحمِ وقالَ لأحدِ طلابِه: أعطِه لحارس البِنَاء وسَلّم لي عليه.
ومَرّة في شهر رمضان دَعاه شيخُنا مع زوجتهِ إلى الإفطار، فلمّا حضرَ أجلسَهُ على الكرسيِّ وزوجتَهُ أيضًا، فكان حارسُ البناءِ وزوجتُهُ وشيخُنا وزوجتُهُ على طاولةٍ واحدةٍ يُفطرون، وهذا قليلٌ مِمَّا حدثَ مع من كان حارسًا لبناءٍ سكنَ فيه شيخُنا، فكان شيخُنا رحمه الله عاملًا بقول رسولِ الله عليه الصلاة والسلام: “مَنْ تَواضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله”رواه البيهقي والطبراني وابنُ حِبّان.
ولقَد حَدَّثني بعضُ طُلابِ شَيخِنا أنّه حِينَ كانَ مَعه في سفَرٍ ونَزلَ ضَيفًا عندَ أُناسٍ مِن أحبَابِه نادَاهُ الشّيخ وقال لهُ: إذَا نزَلتَ ضَيفًا عندَ أُناسٍ فعلَيكَ بأمور: لا تُكثِر النّوم، ولا تُكثرِ الأكلَ، ولا تُكثرِ المُكثَ في بيتِ الخَلاء، ولا تُكثِر الكلام، ثم بعدَ ثلاثةِ أيام تَعمَلُ عَمَلَ أهلِ البَيت من تنظيفٍ ونَحوِهِ.
ومرّةً كانَ يَجلسُ أمامَ الشيخ فدخَلَ ضُيوفٌ كبارٌ في السّنِّ ، فنظرَ إليه الشّيخُ ليتَنحَّى جَانبًا فلم يفهَم، فقال له الشّيخُ: إذا دَخلَ الكبارُ تَنحَّى الصّغَارُ.رحمَ الله شيخَنا وجعلَنا مِنَ العَاملِين بما علَّمَنا.
الشرح : بصوت الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشريف حفظه الله تعالى.

اترك رد