,

غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.

221- قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ: غَسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا وُلِدَ حَيًّا، وَوَجَبَ لِذِمِّيٍّ تَكْفِينٌ وَدَفْنٌ.
الشَّرْحُ: تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا مَاتَ مَيِّتٌ مُسْلِمٌ ثُمَّ أُهْمِلَ تَجْهِيزُهُ فَلَمْ يُجَهَّزْ فَظَلَّ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى انْتَفَخَ وَأَنْتَنَتْ رَائِحَتُهُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، هَذَا الْحُكْمُ شَامِلٌ لِلْجَمِيعِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَلا يَجِبُ لَهُ ذَلِكَ فَمَنْ عَلِمَ بِمَوْتِ الْكَافِرِ فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِثْمٌ، إِلَّا أَنَّ الْكَافِرَ الذِّمِّيَّ يَجِبُ تَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ فَقَطْ فَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ وَلا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَوْ غُسِّلَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ، فَهَذَا الْكَافِرُ الذِّمِّيُّ إِذَا مَاتَ لَهُ حَقُّ التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ لَكِنَّهُ لا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ مَالًا يُكَفَّنُ بِهِ وَيُجَهَّزُ بِهِ لِلدَّفْنِ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ فَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(الكُفّارُ في أيّامِ السَّلَف الذينَ يَعِيشُونَ تَحتَ سُلطَةِ المسلِمِينَ كَانُوا يَدفَعُونَ لِلخَلِيفَةِ أوّلًا يُعرَضُ علَيهِمُ الإسلامُ فَإنْ أَبَوا تُعرَضُ علَيهِمُ الجِزيَةُ فَإن وافَقُوا يُترَكُونَ ولا تُهدَمُ لَهم كنَائِسُهُم يُترَكُونَ على دِيْنِهِم لَكِن يُمنَعُونَ مِن إظْهَارِ بَيعِ الخَمرِ والخِنزِيرِ بينَ المسلِمِينَ فما دَامُوا على هَذا الشَّرطِ لا يجُوز قِتَالُهم ولا إيذَاؤهم فإذَا نقَضُوا العَهدَ قُوتِلُوا، بِلادُ الشّامِ بَعضُها بالقُوّةِ دَخَلَها الإسلامُ وبَعضُها صَالَحُوا على الجِزيَةِ قَبلَ أنْ يُقَاتَلُوا)
أَمَّا الْمُرْتَدُّ وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ الإِسْلامَ بِانْتِمَائِهِ لِدِينٍ مِنَ الأَدْيَانِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الإِسْلامِ أَوْ بِأَنْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ سَبَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ كُفْرِهِ إِلَى الإِسْلامِ بِالشَّهَادَةِ فَلَيْسَ لَهُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ مُسْلِمٌ فَلا يَسْتَحِقُّ إِذَا مَاتَ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَدْفِنَهُ وَلا أَنْ يُكَفِّنَهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ لِلْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكِنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يَكْفِي النَّاسَ رَائِحَتَهُ الْكَرِيهَةَ.
أَمَّا الْوَاجِبُ فِي الْغَسْلِ فَهُوَ تَعْمِيمُ جَسَدِهِ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا زَادَ عَلَى الْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ، فَيَجِبُ غَسْلُ الْغَرِيقِ وَلا يُكْتَفَى بِغَرَقِهِ، كَذَلِكَ قَاتِلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ(إذا ماتَ القاتل)، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ وَالأَفْضَلُ تَثْلِيثُ غَسْلِهِ.
ثُمَّ إِنَّ هُنَاكَ سُنَنًا لِغَسْلِ الْمَيِّتِ مِنْهَا
(1) أَنْ يُبْدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ، ثُمَّ إِفَاضَةِ الْمَاءِ لِيُغْسَلَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ أَيْ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ، ثُمَّ شِقُّهُ الأَيْسَرُ، ثُمَّ شِقُّهُ الأَيْمَنُ مِنْ خَلْفٍ، ثُمَّ شِقُّهُ الأَيْسَرُ مِنْ خَلْفٍ هَذَا التَّرْتِيبُ أَفْضَلُ.
(2) وَأَنْ يُجَعَلَ فِي مَائِهِ سِدْرٌ أَوْ نَحْوُهُ وَذَلِكَ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي تَوَلَّيْنَ غَسْلَ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ أَنْ يَجْعَلْنَ فِي غِسْلِهَا سِدْرًا [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ الْمَاءُ يُغْتَسَلُ بِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ سِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، أَمَّا الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ مَصْدَرُ غَسَلَ يَغْسِلُ، وَأَمَّا الْغُسْلُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الِاغْتِسَالُ]، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ سِدْرٌ فَالْخِطْمِيُّ، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْخِطْمِيِّ مَعَ وُجُودِ السِّدْرِ لَكِنَّ السِّدْرَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ.

وَالسِّدْرُ شَجَرٌ لَهُ وَرَقٌ يَطْلَعُ مِنْهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ وَهُوَ نَافِعٌ جِدًّا لِفَكِّ السِّحْرِ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ سَبْعُ وَرَقَاتٍ صِحَاحٍ خُضْرٍ وَدُقَّتْ بَيْنَ حَجَرَيْنِ جَيِّدًا ثُمَّ وُضِعَتْ فِي مَاءٍ ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ سُورَةُ الإِخْلاصِ وَالْمُعَوِّذَتَانِ وَءَايَةُ الْكُرْسِيِّ وَشَرِبَ الْمَسْحُورُ مِنْهُ ثَلاثَ جَرَعَاتٍ وَاغْتَسَلَ بِالْبَاقِي يَنْفَكُّ السِّحْرُ عَنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْخِطْمِيُّ فَهُوَ شَجَرٌ مِنَ الأَشْجَارِ الَّتِي هِيَ صَغِيرَةُ الْحَجْمِ يُؤْخَذُ أَصْلُهَا أَوْ وَرَقُهَا يُنَظِّفُ مِثْلَ الصَّابُونِ، زَهْرُهُ إِلَى الْبَيَاضِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِسِقْطٍ مَيِّتٍ [وَالسِّقْطُ يَصِحُّ فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ وَالْكَسْرُ، وَالْمَشْهُورُ كَسْرُ السِّينِ] غَسْلٌ وَكَفَنٌ وَدَفْنٌ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا.
الشَّرْحُ أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا تَجِبُ لِلْمَيِّتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا قَدْ وُلِدَ حَيًّا بِأَنْ صَرَخَ أَوِ اخْتَلَجَ أَيْ تَحَرَّكَ اخْتِلاجًا اخْتِيَارِيًّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْبَطْنِ فَهَذَا يَجِبُ لَهُ الأُمُورُ الأَرْبَعَةُ غَسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَالِاخْتِلاجِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالصِّيَاحِ فَلا تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ لَكِنْ يَجِبُ غَسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ، هَذَا إِنْ ظَهَرَ فِيهِ خِلْقَةُ ءَادَمِيٍّ وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ خِلْقَةُ ءَادَمِيٍّ نُدِبَ لَفُّهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ وَلا يَجِبَانِ، هَذَا حُكْمُ السِّقْطِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ [فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ]: «مَتَى بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْكَبِيرِ ظَهَرَتْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ أَمْ لا».
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: «عَلَيْهِمَا» الضَّمِيرُ فِيهِ يَعُودُ إِلَى الذِّمِّيِّ وَالسِّقْطِ.

بغية الطالب ج ٢٢٢
كتاب الجنائز
من مات في قتال الكفار.

222- قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ كُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ فَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ زِيدَ عَلَيْهَا وَدُفِنَ وَلا يُغَسَّلُ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
الشَّرْحُ: أَنَّ الشَّهِيدَ لا يَجُوزُ غَسْلُهُ وَلا الصَّلاةُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ (ولَوْ) كَانَ أُنْثَى أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا مَمْلُوكًا أَوْ صَبِيًّا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَاحِدًا أَوْ مُرْتَدًّا بِسَبَبِ الْقِتَالِ(ولو كانَ ذلكَ بسَبَبِ قِتَالِه لِكَافِرٍ واحِدٍ)، فَالْمُسْلِمُ الَّذِي كَانَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الْقِتَالِ وَلَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّتُهُ [أَيْ رَفَسَتْهُ بِرِجْلِهَا] فَقَتَلَتْهُ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ خَطَأً فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوْ عَادَ سِلاحُهُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ فَمَاتَ فَلَهُ هَذَا الْحُكْمُ، أَمَّا مَنْ مَاتَ بِسِلاحِ الْكَافِرِ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مُقَاتِلًا فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَسَائِرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ مَوْتِهِمْ قِتَالَ الْكُفَّارِ كَالَّذِي مَاتَ بَمَرَضِ بَطْنِهِ وَيُسَمَّى الْمَبْطُونَ كَالإِسْهَالِ وَالْقُوْلَنْجِ وَهُوَ مَرَضٌ يَحْبِسُ الرِّيحَ وَالْغَائِطَ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي الْبَطْنِ الأَمْعَاءُ وَالْكُلْيَتَانِ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَعِدَةُ، وَلا يَدْخُلُ فِي الْبَطْنِ الْقَلْبُ وَالرِّئَتَانِ وَالرَّأْسُ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُكَفَّنَ الشَّهِيدُ فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ [هَذَا فِي ثِيَابٍ اعْتِيدَ لُبْسُهَا، أَمَّا ثِيَابُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَخُفٍّ وَجِلْدٍ فَيُنْدَبُ نَزْعُهَا]، وَلَوْ نُزِعَتْ عَنْهُ ثُمَّ كُفِّنَ بِغَيْرِهَا كَانَ جَائِزًا، فَإِنِ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ الشَّهِيدِ فَقَالَ بَعْضٌ: تُنْزَعُ عَنْهُ هَذِهِ الثِّيَابُ، وَقَالَ بَعْضٌ: لا تُنْزَعُ عَنْهُ بَلْ تُتْرَكُ عَلَيْهِ، فَلا يُجَابُ الْبَعْضُ الَّذِينَ طَلَبُوا نَزْعَهَا إِنْ كَانَتْ لائِقَةً بِهِ، أَمَّا إِذَا طَلَبَ كُلُّهُمْ نَزْعَهَا فَيُوَافَقُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ ثِيَابُهُ الَّتِي هِيَ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ لا تَكْفِيهِ زِيدَ عَلَيْهَا إِلَى ثَلاثٍ وَإِنَّمَا تُرِكَ غَسْلُ الشَّهِيدِ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَهَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ وَتَوَلَّاهُ بِرَحْمَتِهِ فَأَغْنَاهُ عَنْ دُعَاءِ الْمُصَلِّينَ. وَلا يُسْأَلُ الشَّهِيدُ فِي قَبْرِهِ وَلِذَلِكَ لا يُلَقَّنُ بَلْ تَصْعَدُ رُوحُهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَعِيشُ فِي مُنْطَلَقٍ خَاصٍّ فِي الْجَنَّةِ غَيْرِ مُتَبَوَّئِهِ الَّذِي يَتَبَوَّؤُهُ فِي الآخِرَةِ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ أَهْلُ الْقُبُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ فَتُرَدُّ رُوحُهُ إِلَى جِسْمِهِ رَدًّا تَامًّا فَيَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ ثُمَّ يَتَبَوَّأُ مَنْزِلَهُ فِي الْجَنَّةِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَلا يَأْكُلُ التُّرَابُ جَسَدَهُ لِأَنَّ أَثَرَ الْحَيَاةِ مُتَّصِلٌ بِهِ كَالشَّمْسِ تَكُونُ بَعِيدَةً عَنِ الأَرْضِ وَيَتَّصِلُ أَثَرُهَا بِالأَرْضِ وَتَكُونُ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِشَكْلِ طُيُورٍ خُضْرٍ [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ]. وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي أَجْسَادِ طُيُورٍ تَصِيرُ بِهَذِهِ الأَرْوَاحِ حَيَّةً فِي الْجَنَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ التَّنَاسُخِيَّةِ(أيْ مَا يُسَمِّيْه بَعضُ النّاسِ اليَومَ بالتَّقَمُّص، ويَعنُونَ بذَلكَ أنّ الوَاحِدَ إذَا مَاتَ تَنْتَقِلُ رُوحُهُ إلى شَخصٍ ءاخَرَ وإذَا مَاتَ الآخَرُ تَنتَقِلُ هذه الرُّوحُ إلى ءاخَرَ وهَكَذا).(أرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ في الجَنّةِ اللهُ يَخلُقُ لَها أَشْبَاحًا خَضْرَاءَ بصُورَةِ طَيرٍ فأَرْوَاحُهُم تَكُونُ في حَواصِل هَذِه الأشبَاحِ هَذا مَعنى أنّ أَروَاحَ الشُّهَدَاءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ) وَمِمَّا خُصَّ بِهِ الشَّهِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُرْحَهُ يَكُونُ عِنْدَ الْبَعْثِ لَوْنُهُ لَوْنَ الدَّمِ وَرِيْحُهُ رِيحَ الْمِسْكِ عَلامَةً عَلَى أَنَّهُ فَائِزٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ خُصُوصِيَّاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا لِيُقَاتِلُوا فَيُقْتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا رَأَوْا مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ فَلا يُحِبُّ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى لَوْ كَانَ تَقِيًّا وَقِيلَ لَهُ اسْتَلِمِ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» فَمَنْ عَقَدَ قَلْبَهُ عَلَى طَلَبِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ تُكْتَبْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ بِنِيَّتِهِ(أي لهُ أَجرٌ يُشبِهُ أَجْرَ الشَّهِيد) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَهَا اعْتِبَارٌ كَبِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ. وَكَذَا لَوْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ حَلالٍ لِيَصْرِفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَرَفَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ إِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ جَازِمَةً.

الشرح : بصوت الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشريف حفظه الله تعالى.

Share this page to Telegram

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة