بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل والنية. اللهم علِّمنا علماً نافعاً، وانفعنا بما علمتنا، وانفع بنا، وزدنا علماً يا أكرم الأكرمين.
إثبات صفة القِدَم لله تعالى
قال: فصل في إثبات صفة القِدَم له تعالى ونفي الزمان عنه.
فالله لا يجري عليه زمان، أزلي قديم لا بداية لوجوده.
ثم نقول: يجب أن يكون هذا الصانع لذاتك ولسائر العالم قديماً، يعني أزلياً، أي غير مسبوق بعدم، وإلا لافتقر إلى مُحدِث، وذلك يؤدي إلى التسلسل إن كان مُحدِثه ليس أثراً له.
لأن هذا التسلسل هو ترتيب أمور إلى الوراء غير متناهية. يقولون: مخلوق قبله مخلوق، ومخلوق قبله مخلوق، إلى ما لا بداية له.
الفرق بين التسلسل والدور
الدور يقولون فيه بوجود مخلوقات لا بداية لها، لكن هي مخلوقة لمخلوقاتها. مخلوقة لها. وكلاهما باطل. والدور يقال له: توقف الشيء على ما يتوقف عليه هو، إما يكون بمرتبته أو بمراتب. مثاله:
- يقولون: زيد خلق عمراً الذي خلق زيداً.
- أو يقولون بمراتب أخرى : زيد خلق عمراً، وعمر خلق بكراً الذي خلق زيداً.
فيكون زيد مخلوق مخلوقه، أو مخلوق مخلوق مخلوقه. وكل هذا باطل يسمى الدور. هذا كله حتى نبين أن الخالق لا بداية له، وأن العالم حادث. وهذا للتسهيل مع العاميين.
- الله ليس مخلوقاً.
- الله تعالى ليس له بداية.
- أما نحن فلنا بداية.
استحالة التسلسل والدور
قال: وذلك يؤدي إلى التسلسل إن كان مُحدِثه ليس أثراً له، أو إلى الدور إن كان. والتسلسل والدور محالان:
- لما في الأول من فراغ ما لا نهاية له بالعدد.
- وفي الثاني من كون الشيء الواحد سابقاً على نفسه مسبوقاً بها.
فصل في صفة البقاء
القِدَم هي صفة سلبية على قول بعض العلماء، وبعضهم قال عنها نفسية، وبعضهم قال عنها وجودية من صفات المعاني. لكن السنوسي اختار أن القِدَم من صفات السلب.
والقِدَم والبقاء مختلف فيهما:
- هل هما صفتان وجوديتان؟
- أم نفسيتان؟
- أم سلبيتان؟
خلاف أهل السنة في القِدَم والبقاء
الأشاعرة ـ كما قال الإمام الأشعري ـ يقولون إن البقاء من صفات المعاني، أي صفة وجودية.
وهذا بخلاف طريقة المتأخرين كالسنوسي وصاحب عقيدة العوام والجوهرة وغيرهم، فإنهم يعدون البقاء من صفات السلوب. فالخلاف بين أهل السنة في:
- القِدَم
- والبقاء
هل هما من صفات السلب؟ أم من الصفات النفسية؟ أم من صفات المعاني؟ وهذا اختلاف لا يضر.
معنى البقاء
ثم نقول: ويجب أن يكون باقياً. أي:
- لا يزول،
- لا يموت،
- لا ينتهي.
أي لا يلحق وجوده عدم. ومن قال إن البقاء صفة سلبية أراد سلب العدم اللاحق للوجود.
بقاء الله وبقاء الجنة والنار
بقاء الله ذاتي، ليس غيره خصّه به. أما بقاء الجنة والنار فالله هو الذي خصهما بالبقاء. فلو اتفق اللفظ فالمعنى مختلف.
- الله باقٍ بذاته.
- والجنة والنار باقيتان بإبقاء الله لهما.
برهان البقاء
قال: وإلا لكانت ذاته تقبلهما، فيحتاج في ترجيح وجوده إلى مخصص.
أي لو قبل العدم لاحتاج لمن خصه بالوجود دون العدم. والمحتاج إلى غيره عاجز، والعاجز لا يكون إلهاً. فيكون حادثاً.
وقد مر بالبرهان وجوب قِدَمه. ومن هنا تعلم أن كل ما ثبت قِدَمه استحال عدمه. فوجوب القِدَم يستلزم وجوب البقاء.
أقسام الموجودات
قالوا: الموجودات ثلاثة أقسام:
1- أزلي أبدي وهو الله وحده.
2- أبدي لا أزلي كالجنة والنار والعرش وحملة العرش.
3- لا أزلي ولا أبدي كالإنسان والجن والبهائم.
فصل في مخالفة الله للحوادث
الله لا يشبه المخلوقين. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ليس كمثله شيء.
قال: ومن هنا تعلم أيضاً وجوب تنزهه تعالى أن يكون جرماً.
والجرم يعني الحجم. والحجم نوعان:
1- حجم مفرد ويسميه أهل السنة الجوهر الفرد.
2- حجم مركب ويسمى الجسم.
فالله ليس حجماً لا مفرداً ولا مركباً.
قال: أو قائماً به.
أي: تنزه الله أن يكون قائماً بغيره، أي حالاً في غيره.
فالله ليس عرضاً حل في جسم. وليس حجماً حل في مكان.
تنزيه الله عن الجهة والمحاذاة
قال: أو محاذياً له أو في جهة. فالله ليس في جهة، ولا محاذياً للعالم. والوهابية يقولون أحياناً:
- الله جالس.
- أو محاذٍ للعرش.
ويقولون: يوجد فراغ بينه وبين العرش. وهذا باطل.
أهل السنة لا يقولون:
- الله داخل العالم،
- ولا خارج العالم.
لأن الداخل والخارج إنما يقالان على الأجسام. فالله كان قبل العالم، ولم يكن يقال عنه داخل ولا خارج. وبعد خلق العالم ما زال كما كان.
إذا قال قائل: الله خارج العالم. يقال له:
- كم المسافة؟
- ولماذا هذا البعد دون غيره؟
فكل ما كان بمحاذاة غيره احتاج لمن خصه بذلك. ثم الذي يحاذي غيره:
- إما أكبر منه،
- أو أصغر،
- أو مساوٍ له.
ولا احتمال رابع. والثلاثة مستحيلة على الله.
لا يكفي أن يقول الإنسان: جالس لا كجلوسنا. لأن أصل الجلوس في اللغة لا يكون إلا لجسم له أعلى وأسفل، محمول على غيره. فمجرد إطلاق الجلوس على الله باطل.
تنزيه الله عن الخيال والصورة
قال: أو مرتسماً في الخيال.
كما قال ذو النون المصري: مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك.
سبب استحالة مشابهة الله للمخلوقات
قال: لأن ذلك كله يوجب مماثلته للحوادث. فلو كان في جهة، أو في مكان، أو له صورة، لكان مشابهاً للمخلوقات. ومن كان له مثيل لا يكون إلهاً.
النصارى يقولون بالاتحاد:
- الأب،
- والابن،
- والروح القدس.
ويقولون: عيسى والله والروح القدس صاروا واحداً. والمسلم لا يعتقد هذا، لأن الله لا يتركب ولا يتجزأ.
الصفات المعنوية وصفات المعاني
الصفات المعنوية.
وهي:
- كونه قادراً،
- عالماً،
- سميعاً،
- بصيراً.
وسميت معنوية لأنها تابعة لصفات المعاني. لكن لا بأس ان تعتقد كون الله قادرا كون الله عالما كون الله سميعا كون الله بصيرا ومراد المتأخرين أن يثبتوا أن الله عالم بعلم أي بصفة لان المعتزلة كانوا يقولون عالم بدون صفة العلم و قادر بدون صفة القدرة وهذا فاسد.
المعتزلة يقولون:
- عالم بلا علم،
- قادر بلا قدرة.
وهذا تعطيل للصفات.
أما أهل السنة فيثبتون لله الصفات.
ولا نقول:
- هي هو،
- ولا هي غيره،
- ولا حالّة فيه.
بل نقول:
لا هي هو، ولا هو هي، ولا هي غيره.
وهي سميت معنوية لانها تابعة للمعاني والمعاني لأنها لو يسّر الله للعبد وكشف عنه المانع لرآها . يقولون صفات وجودية. لها معنى زائد على وجود الذات و هي صفات ليس فقط تنفي عن الله ما لا يليق به بل لها معنى اخر , زيادة على انها تنفي عن الله ما لا يليق بالله
ما هي هذه الزيادة؟ قالوا لو كشف الحجاب لرأيتها ولها وظائف إلا صفة الحياة ليس لها تعلقات.
القدرة
قال:يجب لهذا الصانع أن يكون قادراً.وإلا لما أوجدك.فالعاجز لا يكون إلهاً.
الإرادة
قال: ومريداً. والإرادة هنا بمعنى المشيئة. والمشيئة: تخصيص الممكن العقلي بصفة دون صفة، وبوقت دون وقت.
الرد على الطبائعيين
ومن هنا تعلم استحالة كون الصانع طبيعة أو علة موجبة.
العلة الموجبة كما ذكرنا هم قالوا وجود الله يوجب وجود العالم وليس هو خالقا للعالم.
اما اهل السنة لا يقولون هذا , نحن نقول الله خالق ليس موجبا على معنى ما هم يقولونه لأنهم يقولون تشاركا في الوجود في الازل .هكذا يقولون. فوجب بوجود العالم وجود الله ووجود الله ووجود العالم. هذا الموجب يسمى.
نحن نقول العالم وجد بإيجاد الازليّ والعالم حادث.
فإن أجيب عن التأخر في الطبيعة بالمانع أو فوات الشرط لزم عدم القديم او التسلسل
يعني إذا قالوا يتأخر وجود المسبب عن السبب فذلك يؤدي هذا أن لا يوجد قديم ويؤدي الى التسلسل /حوادث لا اول لها/ قال لزم عدم القديم او التسلسل لنقل الكلام الى ذلك المانع وذلك الشرط
لأنه لو قالوا الطبيعة هي التي تخلق باجتماع برودة ويبوسة مثلا
يعني ما الذي صار هو الخالق؟ لصار الخالق هو الشرط الذي قالوه : إجتماع البرودة واليبوسة
هذه المسألة الطبائعيون يقولون باجتماع اثنين او ثلاثة او اربعة من الطبائع يوجد المخلوق فعلى قولهم الطبيعة تخلق فالسنوسي رحمه الله يقول لهم على كلامكم ليست الطبيعة تخلق انما اجتماع الاشياء يعني الذي يخلق هو الشرط الذي ذكرتموه : هو الذي يوجد. فبطل كلامكم : من كلامكم. وهذه طريقه اخرى في الرد على الطبائعيين
الطبائعيون يقولون: الطبيعة تخلق الأشياء. فيقال لهم: ما الذي خص هذه الطبيعة بهذا الأثر؟ فيلزمهم التسلسل أو نفي القديم.
العلم
قال:ويجب أن يكون عالماً. لأن دقائق الصنع تدل على العلم. وعلم الله يتعلق:
- بالواجبات العقلية،
- والمستحيلات العقلية،
- والممكنات العقلية، جملة وتفصيلاً.
الحياة
قال: وحياً. لأن صفة الحياة تصحح عقلا اتصاف الخالق:
- بالقدرة،
- والإرادة،
- والاختيار.
تنزيه صفات الله عن صفات الخلق
إذا قلنا:
- الله قادر → فبلا جوارح.
- الله مريد → فبلا تغير.
- الله عالم → فبلا قلب.
- الله حي → فبلا روح ولا دم.
وكذلك:
- يسمع بلا أذن،
- ويرى بلا حدقة،
- ويتكلم بلا حرف ولا صوت.
إثبات صفة العلم
قال : ثم يجب أيضاً صانعك أن يكون عالماً. وإلا لم تكن على ما أنت عليه من دقائق الصنع.
وعلم الله يتعلق بكل شيء:
- يتعلق بالواجب العقلي، يعني بالله وصفاته.
- ويتعلق بالمستحيلات العقلية.
- ويتعلق بالممكنات العقلية جملة وتفصيلاً.
الله يعلم الأمور جملة، ويعلم الأمور تفصيلاً. لأن بعض الناس يقولون عن الله والعياذ بالله: يعلم الأمور جملة لا تفصيلاً. وهذا لا يليق بالله. قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. الله خالق الجملة والتفصيل من هذا العالم.
قال : دلالة دقائق الصنع على العلم في اختصاص كل جزء منك بمنفعته الخاصة به، وإمداده بما يحفظها عليك أيها الإنسان، ونحو ذلك من المحاسن التي تعجز عقول البشر عن الإحاطة بأسرارها.
فالإنسان لا يحيط بأسرار ذاته. سبحان الله. لكن بالنسبة إلى الله ماذا نقول؟ لا يعلم الله على الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى.
إثبات صفة الحياة
ماذا ذكر رحمه الله؟
- كونه قادراً.
- كونه مريداً.
- كونه عالماً.
الآن ماذا يقول؟ كونه حياً. قال: وحياً.
وإلا لم يكن بهذه الأوصاف التي سبق وجوبها. لأن صفة الحياة تصحح عقلاً اتصاف الخالق بالقدرة والمشيئة والاختيار.
الحياة صفة تصحح اتصاف الخالق بالقدرة والاختيار والمشيئة. وإلا فالذي يكون له اختيار ومشيئة وليس له حياة، العقل لا يقبل ذلك. العقل لا يقبل ذلك.
زيادة فائدة
إذا قلنا: قادر، نقول: بلا أعضاء ولا جوارح ولا عضلات.
وإذا قلنا: مريد شائن، فمشيئته لا تتغير:
- لا بالدعاء،
- ولا بالذكر،
- ولا بالصدقات.
وإذا قلنا: عالم، نقول: عالم بلا قلب ولا آلة أخرى.
وإذا قلنا: حي، نقول: حي بلا روح ولا لحم ولا دم حياة لا كحياتنا.
وكذلك السمع والبصر والكلام. يسمع بلا آلة، بلا أذن، لا كسمعنا. ويرى المبصرات والموجودات بلا حدقة. ويتكلم بكلام لا ككلامنا، ليس حرفاً ولا صوتاً ولا لغة. تبارك وتعالى.
إثبات السمع والبصر والكلام
قال: سميعاً بصيراً متكلماً. وإلا اتصف، لكونه حياً، بأضدادها. يعني إذا لم يكن كذلك لاتصف بضدها.
والاتصاف بضدها:
- الصمم،
- والعمى،
- والبكم.
وهذا كله محال في حق الإله. وأضدادها آفات ونقص، وهي عليه محال. لأنه يحتاج حينئذ إلى من يكمله. يعني يعتبرونه بذلك ناقصاً، والناقص يحتاج إلى من كمله. فإذا احتاج لغيره لا يكون إلهاً.
الله غني بإطلاق
كيف وهو الغني بإطلاق؟ الغني هو القيوم القائم بذاته، الذي لا يحتاج إلى غيره. وكل ما سواه يحتاج إليه.
قال: المفتقر إليه ما سواه على العموم.
أي: كل ما سواه يحتاج إليه.
الدليل العقلي والدليل السمعي في هذه الصفات
قال: والتحقيق الاعتماد في هذه الثلاثة على الدليل السمعي.
يعني بالأصل نحن نقول: العقل يدل عليها. العقل يدل على هذه الصفات الثلاث عشرة كلها.
العقل يقول:
- لو لم يكن موجوداً لكان معدوماً.
- لو لم يكن أزلياً لكان حادثاً.
- لو لم يكن سميعاً لكان أصم.
وهكذا.
لكن في هذه الصفات الثلاث يقولون: اختلف أهل السنة، هل دليلها الأول هو العقل ثم النقل، أم النقل ثم العقل؟
خاضوا في هذا التفريق. والسنوسي رحمه الله كان يقدم أن أصلها السمع.
معنى قول السنوسي في ذات الله
قال: لأن ذاتَه تعالى لم تٌعرف حتى يٌحكم في حقه بأنه يجب الاتصاف بأضدادها عند عدمها.
هذه العبارة علّق عليها العلماء.
أولاً نذكر ماذا أراد هو. أراد أن الله وحده الذي يعلم ذاته. يعني نحن لا نحيط علماً به. وهذا المعنى صحيح.
لكن العبارة قد توهم أنه قد يحاط به، وهو ما أراد ذلك. الله تعالى لا يحيط به علماً أحد من خلقه.
كما ذكرنا: لا يعلم الله على الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى.
الأدب في التعبير عن ذات الله
والأحسن لما نستعمل كلمة: ذات الله، أن نستعمل صيغة التذكير. فنقول: ذاته لم يعرف. يعني بالنسبة إلينا لم نحط به معرفة.ذات الله، حقيقة الله، لا تشبه الحقائق. لكن إذا قلت: لا تشبه، ما فيه ضرر. لكن هذا أحسن وأقوى. الله تعالى ليس ذكراً ولا أنثى. لكن أدباً مع الله يستعملون عبارات دون عبارات. وفي بعض العبارات هذه جائزة وهذه جائزة، لكن هذا أكمل وهذا أحسن.
العلم والسمع والبصر
قال: ولا يستغنى بكونه تعالى عالماً عن كونه سميعاً بصيراً.
هذه مسألة مهمة جداً. السمع صفة، والعلم صفة، والبصر صفة. السمع ينكشف بهذه الصفة ما لا ينكشف بالعلم. والبصر كذلك.
لذلك:
- هذه صفة ولها تعلقات.
- وهذه صفة لها تعلقات.
- وهذه صفة لها تعلقات.
هذه لها وظيفة، وهذه لها وظيفة، وهذه لها وظيفة. لذلك لا نقول: سمعه هو بصره هو علمه. لا، هذا تعطيل للسمع والبصر. بل نثبت العلم، ونثبت أنه صفة، ليست السمع والبصر. فهذه صفة، وهذه صفة، وهذه صفة.
مثال للتقريب لا للتشبيه
قال: لما نجده ضرورة من الفرق بين علمنا بالشيء حال غيبته عنا.
يعني هذا مثال للتقريب، وليس للتشبيه. نحن لا نشبه الله. يقول لك: أنت تعلم بشيء وأنت لا تراه. أنت كإنسان تميز بين علمك بالشيء وبين رؤية الشيء. فأنت تعلم شيئاً ولا تراه، ولا يكون حاضراً عندك. فثبت علمك به، وثبت أنك لا تراه. إذاً علمك غير بصرك.
فإذا كان هذا مقبولاً في حق المخلوق، فبالنسبة إلى الخالق إذا قلنا: علمه ليس بصره، فهذا ليس فيه ضرر. علم الله لا يٌستغنى به عن السمع والبصر بمعنى هذه صفة وهذه صفة. ليستا صفة واحدة. بل هذا فيه إثبات لهذه الصفة، وإثبات لهذه الصفة، وأنها ليست صفة واحدة.
مسألة الإدراك
قال: وبهذا يثبت كونه مدركاً عند من أثبته.
هل يقال: الله متصف بالإدراك؟ أي يدرك الروائح والطعوم ونحوها؟
بعض أهل السنة أثبت هذه الصفة، لكن هذا القول ضعيف. وبعضهم لم يثبته، وقالوا: هو تابع للعلم.
أي أن العلم يتعلق بإدراك كل موجود، ومنها المشمومات والروائح والطعوم.
فلذلك قالوا: لا يوصف الله بصفة يقال لها الإدراك.
الذين قالوا: يقال له إدراك، لم يقولوا إدراكاً مثل إدراكنا. يعني لم يقولوا: حدث شيء فيه بعد أن لم يكن.
أنت مثلاً لما تشم رائحة طيبة، الآن تدرك رائحتها بالشم، وهذا حدث لك بعد أن لم تكن تدركها.
لكن هم لما قالوا الإدراك في حق الله، ما قالوا بهذه الطريقة. بل قالوا: هذه صفة يقال لها الإدراك، لا على أنه حدثت له صفة. وهذه طريقة لبعض أهل السنة.
لكن الأقوى أن يقال: هي تابعة للعلم. يعني الله تعالى يدرك المشمومات والمطعومات والروائح بصفة العلم.
قال: والتحقيق فيه الوقف.
هذه طريقة ثالثة. قالوا: لأنها ما وردت، فلا نثبت ولا ننكر. هذه طريقة ثالثة.
يعني من رجحها؟ السنوسي رحمه الله. فماذا كان يقول في الإدراك؟ نتوقف، لأنه ما ورد.
قاعدة إثبات الصفات لله تعالى
قال: لما تقدم أن التحقيق في نفي النقائص الاعتماد على السمع، وقد ورد في السمع والبصر والكلام، ولم يرد في الإدراك.
يعني ملخص الأمر:
كيف تثبت صفة لله؟ قالوا: تثبتها بالنص القطعي، يعني القرآن أو السنة الثابتة.و العقل السليم يدل عليها شاهد على حسن ماجاء في الشرع.
ما أثبته الله لنفسه أثبتناه له. وما نفاه الله عن نفسه نفيناه عنه. فلا نبتدع أسماء وصفات ونطلقها على الله. ما أطلقه الله على نفسه أطلقناه عليه، وما لا فلا. هذا قاله الإمام أبو حنيفة، كما نقل البياضي في إشارات المرام. ونقله الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه، كما نقله ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري. ومعناه: ما أطلقه الله على نفسه أطلقناه عليه، وما لا فلا. يعني نلتزم، ولا نخرج أسماء ونطلقها على الله.
قال الأئمة: ما أطلقه الله على نفسه أطلقناه عليه، وما لا فلا. فلا نبتدع أسماء وصفات لله لم ترد في الكتاب والسنة.
الرد على من سمى الله بـ “آه”
بعضهم يقول: “آه” من أسماء الله. وهذا باطل. والحديث الوارد فيه موضوع. ولو كانت “آه” من أسماء الله لما أفسدت الصلاة عند التلفظ بها عمداً. وقد نص العلماء على حرمة ذكر الله بهذه الطريقة.
خلاصة مسألة الإدراك
في الإدراك ثلاثة أقوال:
- الإثبات.
- النفي.
- التوقف.
وأقربها عند السنوسي: التوقف.
لأن النص لم يرد به.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك رد