تجرَّأ ابن القيِّم فسمَّى أهل السُّنَّة مُعطِّلة يعني كفَّرهُم وجعل المُشركين أقلَّ كُفرًا فقال: (إنَّ المُعطِّل بالعداوة مُعلنٌ * والمُشركونَ أخفُّ في الكُفرانِ) فقال التَّقيُّ السُّبكيُّ: <ما لِمَن يعتقد في المُسلمين هذا إلَّا السَّيف> انتهَى ومع هذا كُلِّه يتجرَّأ أهل الفتنة على التَّرحُّم على ابن القيِّم.
عقَّب الشيخ مُحمَّد زاهد الكوثريُّ فقال: <والشَّيخ المُصنِّف الإمام [يعني التقيَّ السُّبكيَّ] رضي الله عنه رجُل معروف بالورع البالغ واللِّسان العفيف والقول النَّزيه لا تكاد تسمع منه في مُصنَّفاتِه كلمة تشمُّ منها رائحة الشِّدَّة ولينظُر القارئُ حالَه هذا مع قوله في ابن القيِّم: (ما له إلَّا السَّيف) إنَّه إنْ فكَّر في هذا قليلًا علم العلم القاطع أنَّ هذا النَّاظم [يعني ابن القيِّم] بلغ في كُفره مبلغًا لا يجوز السُّكوت عليه ولا يحسُن لمُؤمن أنْ يُغضيَ عنه ولا أنْ يتساهل فيه> انتهَى.
بيان أنَّه لا يُقبل خلاف في تكفير مَن قال عن الله (جسم) عالِمًا بالمعنى
قال الحليميُّ -وهُو مِن أصحاب الوُجوه في المذهب الشَّافعيِّ- في [المنهاج في شُعَب الإيمان]: <ومنهُم مَن قال إنَّه جسم ومنهُم مَن أجاز أنْ يكون على العرش قاعدًا كما يكون المَلِك على سريره (وكُلُّ ذلك في وُجوب اسم الكُفر لقائله كالتَّعطيل والتَّشريك)> انتهى، وللإمام الحافظ البيهقيِّ -وهُو مُتأخِّر عن الحليميِّ- كتاب اسمه [الجامع لشُعَب الإيمان] نقل فيه كلام الحليميِّ المذكور وأقرَّه بحُروفه.
ويدُلُّ قولُهُما: (وكُلُّ ذلك في وُجوب اسم الكُفر لقائله كالتَّعطيل والتَّشريك) أنَّ كُفر مَن نسب الجسم إلى الله لا خلاف فيه كما أنَّه لا خلاف في تكفير مَن أشرك بالله أو مَن أنكر صفات الله سُبحانه وتعالى عمَّا يقول الظَّالمون عُلُوًّا كبيرًا ومَن خالف في تكفير مَن قال: (الله جسم) عالِمًا بمعنى كلامه كمَن خالف في تكفير مَن أشرك بالله وكمَن خالف في تكفير مَن أنكر أنَّ الله تعالى موجود حيٌّ قادر عالِم.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين الحصنيُّ الشَّافعيُّ مِن أهل القرن التَّاسع الهجريِّ في [كفاية الأخيار في حلِّ غاية الاختصار] ص/200 في تكفير المُجسِّمة ما نصُّه: <وهُو الصَّواب الَّذي لا محيد عنه إذ فيه مُخالفة صريح القُرآن> انتهى فلمَّا قال لا محيد عن تكفيرهم علمنا أنَّ المسألة ليست خلافيَّة؛ وما جاء مُخالفًا لصريح القُرآن الكريم فهُو تكذيب للقُرآن ولا يختلف مُسلمانِ في كون مُكذِّب القُرآن كافرًا والعياذ بالله.
وقال الكوثريُّ في [مقالاته]: <وقد جزم النَّوويُّ في صفة الصَّلاة مِن شرح المُهذَّب بتكفير المُجسِّمة؛ ويقول عنهم ابن فرح القُرطبيُّ صاحب جامع أحكام القُرآن في [التَّذكار]: والصَّحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهُم وبين عُبَّاد الأصنام والصُّور> انتهى ومعناه لا يصحُّ ترك تكفير المُجسِّمة؛ وقوله: <إذ لا فرق بينهُم وبين عُبَّاد الصَّنم> يعني كما أنَّه لا يُختلف في تكفير عُبَّاد الصَّنم فكذلك المُجسِّمة لا يُختلف في تكفيرهم.
وقال عبد الوهَّاب البغداديُّ المالكيُّ المُتوفَّى 422 هجريَّة في شرح عقيدة مالك الصَّغير: <ولأنَّ ذلك يرجع إلى التَّنقُّل والتَّحوُّل وإشغال الحيِّز والافتقار إلى الأماكن وذلك يؤُول إلى التَّجسيم وإلى قِدَم الأجسام وهذا كُفر عند كافَّة أهل الإسلام> انتهى ولاحظوا قوله: (وهذا كُفر عند كافَّة أهل الإسلام) لتعلموا أنَّه لا خلاف في تكفير المُجسِّمة وأنَّه لم يشترط تصريحهُم بالتَّركُّب والتَّأليف قبل الحُكم بالكُفر عليهم.
وتجد في الكُتُب ما يُوهم عدم تكفير المُجسِّمة؛ وحقيقة الأمر أنَّهُم أرادوا ترك تكفير مَن نَسَبَ الجسم إلى الله ولكنَّه لشدَّة جهله ظنَّ أنَّ لفظ (الجسم) يأتي بمعنَى (الموجود) فهذا أطلق عليه بعضُهُم صفة (مُجسِّم) مجازًا ولكنَّه لا يكون مُجسِّمًا حقيقةً لأنَّه لا يعرف معنَى اللَّفظ فلا يكفُر.
وزعم المُنحرفون أنَّنا ابتدعنا هذا التَّصويب وخَسِئُوا فقد قال به قبلنا جُملة مِن العُلماء منهُمُ الشَّيخ المُحدِّث مُحمَّد زاهد الكوثريُّ حيث قال في [مقالاته]: <وإنَّ العزَّ بن عبد السَّلام يعذُر –في قواعده- مَن بَدَرَت منه كلمة مُوهِمة لكنَّه يُريد بذلك العاميَّ الَّذي تخفَى عليه مدلولات الألفاظ> إلخ..
وقال البغداديُّ في التَّبصرة البغداديَّة المُسمَّاة [أُصول الدِّين]: <وقد شاهدنا قومًا مِن الكرَّاميَّة لا يعرفون مِن الجسم إلَّا اسمه ولا يعرفون أنَّ خواصَّهم يقولون بحُدوث الحوادث في ذات الباري تعالى فهؤُلاء يحِلُّ نكاحُهُم وذبائحُهُم والصَّلاة عليهم> انتهَى فهؤُلاء الَّذين لم يُكفِّرهُمُ الأشاعرة.
وقال إمام الحرمين الجوينيُّ في [الشَّامل]: <اعلموا أرشدكُم الله أنَّ الخلاف في ذلك يدُور بيننا وبين فئتَين: إحداهُمَا تُخالف في اللَّفظ والإطلاق دون المعنَى، والأُخرى تُخالف في المعنَى. فأمَّا الَّذين خالفوا في الإطلاق دون المعنَى فهُمُ الَّذين قالوا: المعنَى بالجسم الوُجود أو القيام بالنَّفس> إلخ..
وقال البزدويُّ الحنفيُّ في [أُصُول الدِّين] له: <إلَّا أنَّ بعضهُم قالوا: نعني بالجسم الوُجود لا غير> انتهَى وكُلُّ هذا يُوضح أنَّ الأشاعرة إنَّما تركوا تكفير مَن نسب لفظ الجسم إلى الله مُتَوَهِّمًا لشدَّة جهله أنَّ لفظ الجسم معناه الموجود وهذا دليل أنَّهُم لا يتركون تكفير المُجسِّم الحقيقيِّ.
قال الكوثري في معرض كلامه عن بعض مقالات رؤوس المجسمة: <فلا محيص في عدِّهم واعين لما نطقوا به، فتعيين إلزامهم بما يترتب على تلك التَّقوُّلات في نظر أهل البرهان الصحيح> انتهى.
بعد هذا لا يُلتفت إلى أهل الفتنة الذين يزعمون أن الشافعي ما كفَّر المجسمة أو أنه ما ثبت أنه كان يكفِّرهم
فالمجسم الذي ينسب الجهة والمكان في حق الله يكفر ولا يفيده إنكاره كما قال الإمام السبكي رحمه الله: <ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئا لم تشهد به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له> انتهى.
السبكي مات في أواسط القرن الثامن هجري
كان قاضي قضاة المذاهب الأربعة
لكل مذهب قاض وهو فوق الأربعة يقضي وكان من أكابر الشافعية
فهل كان يحكم بكفر المجسمة خلافا لقول إمام مذهبه!
وقال الكشميري في [إكفار الملحدين]: <والحاصل في مسئلة اللزوم والالتزام: أن مَن لَزِمَ مِن رأيه كُفر لم يشعر به، وإذَا وقف عليه أنكر اللزوم وكان في غير الضروريات وكان اللزوم غير بَيِّنٍ فهو ليس بكافر –أي إن لم يلتزمه–> انتهى.
وكلامه صريح أنه يتكلم في اللازم الخفي ليس في اللازم البيِّن
فائدة حول نسبة كتاب الإبانة للشيخ الأشعري:
ادعاء أن الإبانة آخر كتب الأشعري دعوى بلا بيِّنة؛ قال الكوثريُّ في تحقيق [السَّيف الصَّقيل]: <وتأليف [الإبانة] كان في أوائل رُجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاريِّ إلى مُعتقد أهل السُّنَّة، ومَن ظنَّ أنَّها آخر مُؤلَّفاته فقد ظنَّ باطلًا> انتهَى ومَن شاء فليُراجع مُقدِّمة [اللُّمَع] لحمودة غرابة.
وقال الكوثريُّ في هامش [تبيين كذب المُفتري]: <والنُّسخة المطبوعة في الهند مِن [الإبانة] نسخة مُصحَّفة مُحرَّفة تلاعبت بها الأَيدي الأثيمة> انتهَى.
ويقول الكوثريُّ في هامش [تبيين كذب المُفتري]: <والنُّسخة المطبوعة في الهند مِن [الإبانة] نسخة مُصحَّفة مُحرَّفة تلاعبت بها الأَيدي الأثيمة> انتهى. فلماذا اعتمد أهل الفتنة على ما <تلاحقت أقلام الحشويَّة بالتَّصرف فيها>؟ قلتُ: إنَّ سَنَدَهم إلى الأشعريِّ كتابٌ فيه كُفر صريح لا يعرفون ناسخه ثُمَّ عن أيدٍ أثيمة مجهولة؛ فيا لفضيحة أهل الفتنة.
وقال العلَّامة الهرريُّ: <كتاب [الإبانة] مِن تأليف أبي الحَسَن لكن أكثر نُسَخِهِ سقيمة غير صحيحة لأنَّها لم تكن مُقابَلَة بيدِ ثقةٍ على نُسخة قابَلَها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابله على المُؤلِّف> انتهى. قلتُ: أكثر النَّاس فرحًا بما دُسَّ في كُتُب الأشعريِّ هم المُجسِّمة ثُمَّ أهل الفتنة النَّواصب.
وقال الكوثريُّ في مُقدِّمة [إشارات المَرام]: <ومِن العزيز جدًّا الظَّفر بأصلٍ صحيح مِن مُؤلَّفاته على كثرتها البالغة، وطَبْعُ كتاب [الإبانة] لم يكن مِن أصل وثيق، وفي المقالات المنشورة باسمه وقفة> انتهَى.
وقال العلَّامة الكوثريُّ في تعليقه على [الأسماء والصِّفات] للإمام البيهقيِّ: <لم تَرِد صيغة التَّثنية في الكتاب ولا في السُّنَّة، وما يُروَى عن أبي الحسَن الأشعريِّ مِن ذلك فمدسوس في كُتُبه بالنَّظر إلى نقل الكافَّة عنه> إلخ..
قال الكوثريُّ في تعليقه على [الاختلاف في اللفظ]: <ومن غريب التَّحريف ما دُسَّ في بعض نسخ الإبانة للأشعريِّ كما دُسَّ فيها أشياء أُخَر مِن أنَّ حمَّاد بن أبي سُليمان قال: “بلِّغ أبا حنيفة المُشرك أنِّي بريء مِن دينه”> إلخ.. ولو كان حقًّا لَمَا كان له مكانة عالية عند أتباع أبي حنيفة.
والدَّسُّ على العُلماء غير مُستغرب فقد وُضِع في الحديث الشَّريف؛ وأهل الأهواء والبِدَع حريصون على إتلاف كُتُب أهل السُّنَّة والجماعة قال التَّاج السُّبكيُّ في [الطَّبقات]: <هذا شأن المُصنَّفات اللِّطاف، لا سيَّما ما يُغيظ أهلَ الباطل، فإنَّهم يُبادرون إلى إعمال الحيلة فِي إعدامه> انتهَى.
قال الكوثريُّ في هامش [التَّبيين] في بيان حِرص الحشويَّة على تحريف كُتُب السُّنَّة: <مِن عادة الحشويَّة أنْ يترصَّدوا الفُرَص لإفناء أمثال هذه الكُتُب إمَّا بحرقها عِلانًا يوم يكون لهم شوكة وسُلطان، وإمَّا بسرقتها مِن دُور الكُتُب، أو بوضع موادَّ مُتلِفة فيها، وإمَّا بتشويهها بطرح ما يُخالف عقولهم منها عند نسخها، أو الكشط والشَّطب في نُسخها الأصليَّة> انتهى.
فائدة في المولد النبيوي الشريف من كلام الإمام الكوثري:
قال المُحدِّث الكوثريُّ: <وأنَّ شهر مولده هُو شهر ربيع الأوَّل وذِكْرُ شهرٍ سواه لمَولده عليه السَّلام ليس إلَّا مِن قبيل سبق القلم عند النُّقاد فيدور الخِلاف المُعتدُّ به في تعيين اليوم مِن شهر ربيع الأوَّل أهُو عند انقضاء اليوم الثَّامن أم العاشر أم الثَّاني عشر فلا يَعتدُّون بروايةِ تقدُّمِ مولده عليه السَّلام على تلك الأيَّام ولا برواية تأخُّره عنها لعدم استنادهما على شيء يُلتفت إليه> انتهَى.
فولادة النَّبيِّ عليه السَّلام كانت عام الفيل يوم الاثنين في ربيع الأوَّل بعد ثمانية أيَّام أو في العاشر منه أو في الثَّاني عشر؛ وغلبت عادة المُسلمين على الاحتفال في الثَّاني عشر لأنَّ ولادته لم تتأخَّر عن هذا التَّاريخ عند الجميع فيحتفون به في ليلة لا يبقَى أيُّ خلاف يُعتدُّ به بعدها.
بيان بُطلان الاستدلال بالحديث الضَّعيف في العقائد
الوهَّابية وأهل الفتنة يحتجُّون بما لا يصحُّ الاحتجاج به
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد استدلَّ الوهَّابيَّة برواية التِّرمذيُّ في خبر الحُصين ليثبتوا المكان لله تعالَى؛ وقال أهل السُّنَّة: الله مُنزَّه عن المكان. واستدلَّ أهل الفتنة بالرِّواية تلك ليُجوِّزوا الرِّضَى بالكُفر؛ بينما يقول الحافظ الزبيديُّ في [شرح الإحياء]: <ومَن أراد مِن خَلْقِ الله أنْ يكفُروا بالله فهُو لا محالة كافر> انتهَى.
ورواية التِّرمذيِّ في خبر إسلام الحُصين ذكرها المُحدِّث الكوثريُّ رحمه الله في هامش [السَّيف الصَّقيل] فقال: <وبمثل هذا السَّند لا يُستدلُّ في الأعمال فضلًا عن الاستدلال به في المُعتقد> انتهَى. فلو كان الوهَّابيَّة وأهل الفتنة على بصيرة وعلم وهُدًى لَمَا احتجُّوا بخبر ضعيف في العقيدة.
وقال النَّوويُّ المُتوفَّى 676ه في [المجموع]: <فأمَّا الضَّعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد> انتهَى ومثلَه في [التَّقريب] وفي [الإرشاد] ومثلُه قال كثير مِن العُلماء كالحافظ ابن الصَّلاح المُتوفَّى 643ه في [مُقدِّمته] والحافظ العراقيُّ المُتوفَّى 806هـ في [التَّبصرة والتَّذكرة].
والرِّواية المذكورة لا حُجَّة فيها للوهَّابيَّة حتَّى لو كانت صحيحة -ولا تصحُّ أبدًا- لأنَّها لا تشتمل على نصٍّ صريح في أنَّ الله تعالَى يتحيَّز في مكان؛ ولا حُجَّة فيها لأهل الفتنة لأنَّها لا تشتمل على أنَّ رسول الله كان يُريد مِن الحُصين أنْ يقول: (إنَّه يعبُد ستَّة في الأرض وواحدًا في السَّماء).
فمَن زعم أنَّ النَّبيَّ كان يُريد مِن الحُصين أنْ ينطِق بذلك الكُفر: فقد فضح جهله بقواعد الدِّين وأتَى بُهتانًا عظيمًا والعياذ بالله.. ففضلًا عن أنَّ الرِّواية ضعيفة جدًّا: فقد سمح أهل الفتنة لأنفُسهم باستنباط الأحكام مِن الحديث الشَّريف وهذه وظيفة المُجتهدين أمَّا أهل الفتنة فجَهَلَة مُتصولحة.
ثُمَّ إنَّ الحُصين مُختلف في إسلامه بين عُلماء أهل السُّنَّة فلا هُم صحَّحوا الرِّواية الضَّعيفة ولا هُم أجمعوا على صحَّة إسلام الرَّجُل. قال الحافظ المِزيُّ في [تهذيب الكمال في أسماء الرِّجال]: <حُصين بن عُبَيد بن خلف الخزاعي، والد عِمران بن حُصين، مُختلف في إسلامه> إلخ..
وزعم أهل الفتنة أنَّ الأمر بالكُفر ليس كُفرًا لأنَّهُم توهَّموا أنَّ الرِّضَى هُنا يشترط استشعار الفرح القلبيَّ ولم يعرفوا أنَّ الرِّضَى في الأُصول هُو الأخذ والقَبول. قال ابن حَجَر الهَيتميُّ الشَّافعيُّ في [الإعلام بقواطع الإسلام]: <فإنَّ طَلَبَ الكُفرِ كُفرٌ> انتهَى وهذا لا خلاف فيه عند العُلماء.
وأهل الفتنة مُكذِّبون للقُرآن الكريم لأنَّهُم بادِّعائهم (عدم كُفر مَن طلب مِن النَّاس التَّلفُّظ بالكُفر إلَّا أنْ ينشرح صدرُه بالكُفر) ساوَوا بين الآمِر بالكُفر ومُريد الكُفر مِن غيره وبين المُكره بالقتل على الكُفر بينما لم يستثنِ القُرآن الكريم مِن الوُقوع في الكُفر {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (لا شخصَ أغْيَرُ منَ اللهِ)
روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد [1]، باب قولِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا شخصَ أغيَرُ من اللهِ: وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو عنْ عبدِ الملكِ لا شخصَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ”.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي [388ه] في كتابه [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري] [2]: (قلتُ: إطلاق “الشخص” في صفة الله تعالى غير جائز، وذلك لأن “الشخص” لا يكون إلا جسمًا مؤلَّفًا، وإنما يُسمَّى شخصًا ما كان له شُخوصٌ وارتفاعٌ، ومثل هذا النعت منفي عن الله سبحانه، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصْحيفًا من الراوي. والدليل على ذلك أنَّ أبا عَوانة قد روى هذا الخبر عن عبد الملك، فلم يذكُر هذا الحرفَ، وروَته أسماء بنت أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا شيء [3] أغيَر من الله، هكذا أبو عبد الله قال: كتاب النكاح: باب الغيرة: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا همَّام عن يحيى عن أبي سلمَة أنَّ عُروة بن الزبير حدَّثه عن أمه أسماء أنها سمعَت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا شيء أغيرُ من الله. وعن يحيى أنَّ أبا سَلمة حدَّثه أنَّ أبا هريرة حدَّثه أنه سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. فدلَّت روايةُ أسماء وأبي هريرة قولَه: لا شيء أغيَرُ من الله، على أن “الشخص” وهمٌ وتصحيفٌ) ثم قال: (فمن لم يُمعِن الاستماع لم يأمن الوهمَ، وليس كلُّ الرواة يُراعون لفظَ الحديث حتى لا يتَعَدُّوه، بل كثير منهم يُحدّث على المعنى وليس كلُّهم بفقيهٍ. وفي كلام ءاحاد الرواة منهم جَفاءٌ وتعجرف) ثم قال [4]: (وحريٌّ أن يكون لفظ “الشخص” إنما جرى من الراوي على هذا السبيل إن لم يكن من قِبَل التصحيف، ثم إن عُبيد الله بن عمرو قد تفرَّد به عبد الملك، ولم يُتابَع عليه فاعتوَره الفسادُ من هذه الوجوه، فدلَّ ذلك على صحة ما قُلناه) اهـ. ونقله عنه محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [5]. ونقله عنه أيضًا سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن المُلَقّن في كتابه [التوضيح لشرح الجامع الصحيح] [6] ونقله عنه شهاب الدين أحمد بن محمد الشافعي القسطلاني [923ه] في كتابه [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري] [7] ونقله عنه أيضًا التَّاودي في [حاشية التاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري] [8].
وقال ابن بطَّال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك [449ه] في كتابه [شرح صحيح البخاري] [9]: (اختلفت ألفاظ هذا الحديث فروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا أحد أغير من الله. ذكره في ءاخر كتاب النكاح، وفي رواية عبيد الله، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ “شخص” موضوع موضع “أحد”) وقال: (وأجمعت الأمة على أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه شخص، لأن التوقيف لم يرد له). ونقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه [فتح الباري بشرح صحيح البخاري] [10]، وكذا قال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن في كتابه [التوضيح لشرح الجامع الصحيح] [11].
ثم قال ابن بطال [12]: (وقد تقدم في كتاب النكاح في باب الغيرة، معنى الغيرة من الله أنها معنى: الزجر عن الفواحش والتحريم لها) وقال: (باب قوله: {قُلْ أيُّ شيءٍ أكبَرُ شَهادةً قُلِ اللهُ} [سورة الأنعام/19]، فسمَّى اللهُ نفسَهُ شيئًا) وقال: (قال عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة: إنما سمَّى الله نفسَه شيئًا إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم) اهـ. وكذا قال محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [13].
وقال الحافظ ابن الجوزي [597ه] في كتابه [دفع شبه التشبيه] [14]: لفظة “الشخص” يرويها بعض الرواة ويروي بعضهم “لا شيء أغير من الله”، والرواة يروون بما يظنونه المعنى، وكذلك “شخص” من تغيير الرواة) وقال: (و”الشخص” لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا) اهـ أورده المحدث محمد زاهد الكوثري في كتابه [العقيدة وعلم الكلام] [15].
وفي كتاب [كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري] ومعه [التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح] للزركشي [794ه] يقول الزركشي [16]: (قال الإسماعيلي: ليس فيما أورد إطلاق هذا اللفظ –الشخص- على الله تعالى) اهـ.


