القدرية مجوس هذه الأمة – الإمام الزركشي تشنيف المسامع

إلى أهل الفتنة المُدافعين عن المُعتزلي الَّذي أنكر القضاء والقدَر

الحمدلله وصلَّى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه.

وبعدُ فإنَّ أهل الفتنة تركوا التَّحذير مِن الكُفر وتفرَّغوا للطَّعن في أهل السُّنَّة الَّذين يُحذِّرون ممَّن كذَّب القُرآن والعياذ بالله؛ واحتجَّ المفتونون في ذلك بأنَّ أهل السُّنَّة لم ينشروا سِياق الكلام الفاسد الَّذي تفوَّه به مُحمَّد راتب النَّابلسيُّ في إنكاره القضاءَ والقدر؛ وقد علمتَ أخي القارئ أنَّه لا ينبغي نقل السِّياق ما لم يُغيِّر المعنى في دلالته وأيُّ حاجة إلى نقل سياق وردت فيه عبارة صريحة في تكذيب كتاب الله وما سبق ولحق بها لا يُغيِّر مدلولها في الكُفر؛ ولكنَّهم يطلبون كامل السِّياق لِمَا يحتويه مِن شُبَه لا يُشفقون فيها على العامَّة الَّذين يُخشى أنْ يفهموا منها جواز قول مثل تلك العبارات الصَّريحة في الكُفر والعياذ بالله وقد يُتوهَّم مِن بعض عبارات استعملها أهل الفتنة اعتقادهم جواز بعض تلك العبارات القبيحة؛ فيا للفتنة الَّتي تجري في عروقهم.

فيا أيُّها المفتونون هل مَن أراد أنْ يدعوَ النَّاس إلى ترك الاحتجاج بالقضاء والقدر في عمل السَّيِّئات يُكذِّب قولَ الله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} وقولَ الرَّسول عليه السَّلام: <سيكون في أُمَّتي أقوامٌ يكفُرون بالله وبالقرآن.. يُقِرّون ببعض القدَر ويكفرونَ ببعض يقولون إنَّ الخير مِن الله والشَّرَّ مِن الشَّيطان> رواه الإمام البيهقيُّ.

ويا أيُّها المفتونون هل مَن أراد أنْ يدعوَ النَّاس إلى الاقتداء بالسُنَّة والتزام الشَّرع يقول لهم (إنَّ مِن السَّخافة أنْ يقول لابنه يا بُنيَّ أَحِبَّ رسول الله؛ كلام ما له معنى) اهـ ولو كان يُريد بعد ذلك أنْ يقول له اتَّق الله والزم نهجه ولو كان يريد بعد ذلك أنْ يقول بل أنْ ألتزم شرع الله في أفعالي وأقوالي أمامه! وهل مِن داعية على وجه الأرض يقول كما قال راتب النَّابلسيُّ في كتابه المُسمَّى التفسير المجلد 6 ص/17: (مرَّة قال لي طالب إنَّه لا يخاف الله، فقلت له معك حق فاستغرب سائر الطُّلاب) وكما قال في المُجلَّد 4 ص/299: (وليس موضوع الإيمان كلمات تقولها لأنَّ إبليس مُؤمن أيضًا) وكما قال في المُجلَّد 9 ص/86 (إنَّ الله سبحانه أطلع النَّبيَّ على كلِّ شيء حتَّى نهاية العالَم، فقد أطلعه الله على ما كان وما يكون وعلى ما سيكون) وكما قال في المُجلَّد 9 ص/179: (أصل الكمال والجمال هو الله عزَّ وجلَّ)!؟

وقد أنطق اللهُ رجلًا منهم بالحقِّ فقال: (إنَّ قوله صريح في نفي القدر عن الأعمال الاختياريَّة فقد قال مُحمَّد راتب النَّابلسيُّ وباللَّفظ الصَّريح: (إنَّ الأفعال الاختياريَّة ليست بقضاء الله وقدره) وهذا معناه إنكار القضاء والقدَر وليس مُجرَّد دعوة إلى ترك الاحتجاج بالقدَر في عمل السَّيِّئات) ثُمَّ اتَّهمهم بالزَّيغ وأنَّهم إنَّما يطلبون مُعاداة أهل السُّنَّة؛ وقد صدقَ فيما اتَّهمهم به.

وهذا الدُّكتور عبدالقادر الحُسين يفضح حال مُحمَّد راتب النَّابلسيِّ وهو ابن بلده سوريا فيقول: <اشتدَّ طلب العلم والعُلماء مِن خارج سوريا لبيان حقيقة القصَّاص راتب النَّابلسيِّ لأنَّ كثيرًا مِن السَّطحيِّين اغترَّ به ولولا تخليطه في باب الاعتقاد لأضربنا عن ذكره فنقول هو مُدرِّس لغة عربيَّة ويحمل دبلوم التَّأهيل التَّربويِّ هذه هي الشَّهادات الثَّابتة له بيقين وما عدا ذلك أوهام.. أمَّا اعتقاده فقد تربَّى على يد الضَّال المُبتدع عبدالهادي الباني ثُمَّ حصل بينهما اختلاف شخصيٌّ دنيويٌّ فافترق عنه وبقيَ على مُتابعته في العقيدة ولا سيَّما قضيَّة خلق الشَّرِّ الَّتي يُتابعان فيها مذهب المُعتزلة. الرَّجل جاهل في علوم الشَّرع قاطبة ولا سيَّما علم التَّفسير فجهله مركَّب وأغلب أوهام ما يُسمِّيه الإعجاز العِلميَّ لا أساس لها مِن الصِّحَّة.. كذلك يُعدُّ راويةً للأخبار الموضوعة والمكذوبة.. أساس شُهرته انتماؤه لعائلة عريقة في العِلم ليس له حظٌّ منها سوى النَّسب> انتهى كلام د. عبدالقادر الحُسين.

وقد حذَّرنا نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام مِن مثل قول راتب النَّابلسيِّ في القضاء والقدَر فقال: <الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ> وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: <الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ>. قال البيهقيُّ في [الاعتقاد]: <وإنَّما سُمُّوا قدريَّة لأنَّهم أثبتوا القدَر لأنفسهم ونفَوه عن الله سُبحانه وتعالى ونفَوا عنه خلقَ أفعالهم وأثبتوه لأنفسهم، فصاروا بإضافة بعض الخلق إليه دون بعض مُضاهين للمجُوس في قولهم بالأصلَين النُّور والظُّلمة وأنَّ الخير مِن فعل النُّور والشَّرَّ مِن فعل الظُّلمة> انتهى.

وقال الخَطَّابِيُّ [شرح مُسلم للنَّوويِّ]: <إنَّما جعلهم صلَّى الله عليه وسلَّم مجُوسًا لمُضاهاة مذهبهم مذهبَ المجُوس في قولهم بالأصلَين النُّور والظُّلمة يزعمون أنَّ الخير مِن فعل النُّور والشَّرَّ مِن فعل الظُّلمة فصاروا ثنويَّة وكذلك القدريَّة يُضيفون الخير إلى الله تعالى والشَّرَّ إلى غيره واللهُ سبحانه وتعالى خالق الخير والشَّرِّ جميعًا لا يكون شيء منهما إلَّا بمشيئته فهُما مُضافان إليه سبحانه وتعالى خلقًا وإيجادًا وإلى الفاعلِين لهُما مِن عباده فِعلًا واكتسابًا> انتهى.

فكيف بعد كُلِّ ما سبق يتجرَّأ أحد المخذولين -سامر الغم مِن جماعة رأس الفتنة يوسف ميناوي الدَّنمركي- فيُهوِّن مِن هذا الكُفر القبيح الَّذي حذَّرنا منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويدَّعي أنَّ الرَّجل إنَّما خانه التَّعبير وليس صحيحًا فهو يعرف المعنى بل ويلتزم هذا التَّعبير عقيدةً ويُصِرُّ عليه فهو رجل يُكذِّب القُرآن الكريم باللَّفظ الصَّريح ويريد أهل الفتنة منَّا السُّكوت عنه؛ واللهُ تعالى يقول: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ويقول تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ ‏نَبْرَأَهَا} ويقول تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ ‏صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} ويقول تعالى: {وما تشاءُون إلَّا أنْ يشاء الله} ويقول تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ويقول تعالى حكاية عن موسى عليه السَّلام: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} ويقول تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}.

وأسأل أولئك الَّذين يدَّعون الأشعريَّة زورًا لماذَا يسكتون عن الدِّعاية الَّتي يعملها راتب النَّابلسيُّ لرؤوس التَّشبيه فيقول عن ابن قيم الجوزيَّة تلميذ ابن تيميَّة وناشر كفريَّاته: (إنَّه أحد أكبر عُلماء المُسلمين)! فهو مُعتزليٌّ يمتدح أحد أكبر المُشبِّهة في التَّاريخ ويُكذِّب قول الله في آيات كثيرة. ثُمَّ لا يكتفي أهل الفتنة بالسُّكوت عنه بل ويدافعون عنه ويُهوِّنون مِن تكذيبه الصَّريح للقُرآن الكريم فنعوذ بالله مِنهم. ومَن أراد أنْ يستوثق ممَّا أنسبه له فليُراسلني على الخاص لأزوِّده برابط يستطيع مِن خلاله متابعة محاضرة طويلة له فيتأكَّد بنفسه أنَّ السِّياق لا يُغيِّر ثناءه على ذلك الضَّال.

وإنكار المُنكر عمَل الأنبياء؛ وعلى المُؤمن القائم بإنكار المُنكر أنْ يصبر على أذَى النَّاس وقد قاسى الأنبياء في سبيل ذلك الظُّلمَ فبعضهم أُوْذِي وبعضهم قُتل في سبيل الله فقضى شهيدًا؛ وأختم المقال بأبياتٍ حضرتني فيمن تجرَّأ ودافع عمَّن كذَّب القُرآن وكذَّب نبيَّنا عليه السَّلام وكان أَوْلى به أنْ يغار على كتاب الله لا على رأس مِن رؤوس أهل الأهواء؛ فأقول له: #

1. يَا سَامِرُ خُنْتَ التَّوْثِيْقَا ~ لَمَّا كَذَّبْتَ التَّحْقِيْقَا

2. مَفْتُوْنٌ أَنْتَ وَمُبْتَدِعٌ ~ تَبْغِي بِالزَّيْغِ التَّصْفِيْقَا

3. مَخْذُوْلٌ تَتْبَعُ مَخْذُوْلًا ~ كَيْدًا فَحُرِمْتَ التَّوْفِيْقَا

4. وَأَرَاكَ كَرُوْمِيٍّ عِلْجٍ ~ فَكَأَنِّيْ أَلْمَحُ بِطْرِيْقَا

5. مَا أَنْتَ سِوَىْ غِرٍّ بَاغٍ ~ لِضُرُوْبِ الشَّرِّ لَقَدْ سِيْقَا

6. وَعَلِمْنَا أَنَّكَ ثَرْثَارٌ ~ بِالْفِتْنَةِ زِدْتَ التَّفْرِيْقَا

7. وَبِأَنَّكَ حَقًّا مَلْعُوْنٌ ~ زِنْدِيْقٌ يَنْصُرُ زِنْدِيْقَا

انتهى.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading