في مسألة عصمة الأنبياء جمهور العلماء: أثبتوا وقوع صغائر غير منفرة والأقل من العلماء: قالوا بامتناع وقوعها وبينهما طائفة من العلماء صرحوا أنه لم يقم عندهم دليل قاطع في المسألة لا نفيا ولا إثباتا ومنهم الجويني
هذه ردود عن شبه يذكرها بعض زنادقة المتصوفة وأدعياء العلم من الجهلة المتصولحة وفي مثلهم قال القاضي عياض طاعنًا ذامًّا: <الْمُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ، الْمُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ>.ويحسن أن نبيّن ان المقام مقام البيان وردِّ الشُّبَه فاقتضى استعمال اللَّفظ الفارق بين المعصية المجازيَّة -الَّتي لا تنقسم إلى صغيرة وكبيرة- وبين المعصية الحقيقيَّة المُرادة في قول العُلماء: <تُحمَل على الصَّغيرة> :
ما معنى الجرأة على عصيان الله :
الجرأة على الله والمعنى الجرأة على عصيان الله : فمعناها اقتحام العصيان والهجوم عليه ومعناها اقتراف العصيان وارتكابه بلا توقُّف ومعناها عدم الانتهاء عن العصيان ومعناها ترك الانزجار عن عمل المعصية
فالجريء على عصيان الله يعمل المعصية ولا يبالي والجريء على عصيان الله يعمل المعصية فلا ينكف ولا ينزجر ولا ينتهي ولا يمتنع
= أما من لو عمل معصية فاستعجل التوبة فهذا لا يكون جريئا على عصيان الله
أين هذا من ذاك! أين التقي الأوَّاب مِن الفاجر الفاسق الذي لا يرعوي!كما أن مَن أكل لقمة واحدة على استحياء لا يكون كمَن أكل جمَلًا. مُجرَّد معصية صغيرة: لا تكون مثل الجُرأة على العصيان
قال الحافظ مرتضى الزبيدي رحمه الله في [تاج العروس من جواهر القاموس] في بيان معنى الجرأة ما نصُّه: <وهي الإقدام على الشَّيء مِن غير رويَّة ولا توقُّف> وفي [النهاية في غريب الحديث والأثر] لابن الأثير الجزري رحمه الله ما نصه: <الجُرأة: الإقدام على الشيء والهجوم عليه>
ليس من الجرأة على الله الذنب الصغير لا خسة فيه يكثر فاعله الاستغفار بعده فالجرأة على الله: – معناها اقتراف الذنوب وترك الندم – معناها استسهال الذنوب واستقلالها وترك التوبة منها – معناها اقتراف الكبائر
= وليس معناها مجرد ذنب صغير = وليس معناها فيمن لو حصل منه صغيرة لا خسة فيها: يكثر من الحسنات إشفاقا مما بدر منه = وليس معناها فيمن ترك الإصرار على ذنب صغير وقع به مرة واحدة
أين ورد اظافة لفظ الذنب الى النبيّ في غير تلاوة من كلام العلماء
سيِّدتنا عائشة تقول وقد رأت كيف كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقوم اللَّيل حتَّى تتفطَّر قدماه: <لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ..> فهذا فيه إضافة لفظ الذَّنب إلى النَّبيِّ في غير تلاوة
وإمامُنا الشَّافعيُّ رضي الله عنه يقول: <يَعْنِي وَاللهُ أَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ> فقوله <مِن ذنبه> فيه إضافة لفظ الذَّنب إلى النَّبيِّ في غير سياق التِّلاوة
وأضاف الأشعريُّ المعصية إلى النَّبيِّ عليه السَّلام في غير تلاوة فقال في [المُجرَّد]: <كَمَا لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لِأَجْلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ صَغِيرَةٌ> انتهى
والماتُريديُّ أضاف لفظ الذَّنب إلى الأنبياء عليهم السَّلام فقال فِي [التَّوحيد]: <وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذُنُوبُهُمْ بِحَيْثُ احْتِمَالُ التَّعْذِيبِ عَلَيْهَا فِي الحِكْمَةِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَوْفُ التَّعْذِيبِ..> إلخ؛ فيصير الماتُريديُّ مُرتدًّا عند جهلة المتصولحة!
ما دليل ان الماتريدي قال بوقوع صغائر غير منفرة من النبيّ صلى الله عليه وسلم :
قال الإمام الماتُريديُّ في [التَّأويلات]
: <وَلَوْ لَمْ يَكُن للهِ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعُ الِامْتِنَانِ بِمَا غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ> فهل يرى بعض أدعياء الأشعرية أن الشَّرع نصَّ على العذاب فيما سوى المعصية الحقيقيَّة!؟
من قال بوقوع الصغائر غير المنفرة من الأنبياء من الحنفية الماتريدية
قال جمال الدِّين الغزنويُّ الحنفيُّ فِي [أُصول الدِّين]: <وقال بعض أهل السُّنَّة والجماعة بأنَّ الزَّلل لا يكون مِن الأنبياء إلَّا بترك الأفضل وهذا القَول وإنْ كان حسنًا مِن حيث الصُّورة لكنَّه غير سديد مِن وجه آخَر لأنَّ الأفضل يقتضي فاضلًا فِي مُقابلته فيقتضي أنْ يكون أكل الشَّجرة مِن آدم عليه السَّلام فاضلًا مع كونه منهيًّا عنه مع قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}. وقال بعض أهل السُّنَّة هُم معصومون عن الكبائر دون الصَّغائر لأنَّه أثبت لهم مقام الشَّفاعة ولأنَّ مَن لم يُبتلَ بالبليَّة لا يرقُّ على المُبتلى بها> انتهى.
قال الفقيه الحنفيُّ جمال الدِّين الغزنويُّ في [أُصول الدِّين] إنَّ بعض أهل السُّنَّة قالوا إنَّ ذُنوب الأنبياء ترك الأولَى وقال إنَّ مِن أهل السُّنَّة مَن خالف هؤُلاء فجوَّز الصَّغائر فدلَّ أنَّ المذكورين -أخيرًا- إنَّما جوَّزوا الصَّغائر الحقيقيَّة.
من قال بجواز الصغائر غير المنفرة بمعنى الحقيقية شرعا من المالكية
قال أبو الحسن عليُّ بن عبدالرَّحمن اليفرنيُّ المالكيُّ في [المباحث العقليَّة في شرح معاني العقيدة البرهانيَّة]:
<وأمَّا ما ليس بكبيرة
فإمَّا أنْ يكون مِن قبيل ما يُوجب الحُكمَ على فاعله بالخسَّة ودناءة الهِمَّة وسقوط المُروءة فالحُكم فيه كالحُكم في الكبيرة
وأمَّا ما ليس مِن هذا القبيل كنظرة أو كلمة سَفَهٍ نادرة في خصام ونحو ذلك *فهذا ممَّا اتَّفق أكثر أصحابنا وأكثر المُعتزلة على جوازه عمدًا وسهوًا خلافًا للشِّيعة* وذهب الجبَّائيُّ إلى أنَّ ذلك لا يجوز لا بطريق السَّهو أو الخطإ في التَّأويل>
إذن صغائر الذنوب التي هي ذنوب في الحقيقة الشرعية :– بعضها: صغير فيه خسة – وبعضها: صغير لا خسة فيه
فلو كنا في مناظرة علمية حقيقية لكانت المناظرة انتهت مع إيراد هذا القول لشدة وضوحه في إثبات صغيرة حقيقية لا خسة فيها
يزعم أهل الفتنة في هذه الشبهة: (أن المسلم السني الذي يأخذ بظاهر آية من كتاب الله فيها إضافة ذنب صغير لا خسة فيه لنبي من الأنبياء = يكون كمن أخذ بظاهر المتشابه فاعتقد أن الله جسم متحيز في جهة ومكان)
الجواب: هذه شبهة مبنية على قياس فاسد فتشبيه الله بخلقه كفر مخرج عن الملة بالإجماع والإجماع قائم أن من أخذ بظاهر المتشابه صار من الذين شبهوا الله بخلقه فمعناه أن الإجماع قائم أن من أخذ بظاهر المتشابه صار كافرًا
أما القول بوقوع نبي في ذنب صغير لا خسة فيها يتوب منه فورا قبل أن يُقتدى به فيه : – فلا إجماع على القول بإثباته – ولا إجماع على القول بنفيه = بل هي مسألة خلافية عند أهل السنة والجماعة. إذن:
– قياس ما قامت عليه الأدلة القاطعة بالإجماع – على ما لم تقم عليه الأدلة القاطعة بالإجماع = قياس باطل فاسد لأنه قياس مع الفارق
حمل أهل الفتنة ما قال العلماء: إنه مستحيل شرعًا وعقلًا – على ما قال جمهور العلماء: إنه جائز شرعًا وعقلًا – فمِن (المُستحيل عقلًا وشرعًا) أنْ يتَّصف الله باليد الحقيقيَّة لأنَّ معناها الجارحة
– ولكن مِن (المُمكن عقلًا وشرعًا) وُقوع الأنبياء في صغائر حقيقيَّة غير مُنفِّرة لا خسَّة فيها ولا دناءة يتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها
= والمُستحيل لا يُقاس على المُمكن.. في العقل والشَّرع
أمَّا أهل الفتنة فقد جعلوا مِن الجائز كُفرًا
هل الكل قالوا بإثبات الوقوع صغائر غير منفرة او نفي المعصية
جمهور العلماء: أثبتوا وقوع صغائر غير منفرة والأقل من العلماء: قالوا بامتناع وقوعها وبينهما طائفة من العلماء صرحوا أنه لم يقم عندهم دليل قاطع في المسألة لا نفيا ولا إثباتا ومنهم الجويني
فقد قال إمام الحرمَين عبد الملك الجُوينيُّ فِي كتاب [الإرشاد إلى قواطع الأدلَّة فِي أُصول الاعتقاد]: <ولم يقُمْ عندي دليلٌ على نفيِها ولا على إثباتِها إذِ القواطعُ نُصوصٌ أو إجماعٌ، ولا إجماعَ> إلخ..
هل نقلوا أن الجمهور على جواز الصغائر قبل وبعد النبوة سهوا وعمدا
التفتازاني في [شرح العقائد النَّسفيَّة]: *<أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ>* انتهى.
الأرموي في [نهاية الوُصول]: *<أحدها: جواز صُدوره منهم عمدًا وسهوًا وعليه الأكثرون منَّا ومِن المُعتزلة>* انتهى.
اليفرني المالكي في [المباحث العقليَّة]: *<فهذا ممَّا اتَّفق أكثر أصحابنا وأكثر المُعتزلة على جوازه عمدًا وسهوًا خلافًا للشِّيعة>* انتهى.
وعضُد الدِّين الإيجي في [المواقِف فِي عِلم الكلام]: *<وأمَّا الصَّغائر عمدًا فجوَّزه الجُمهور إلَّا الجبَّائيَّ>* انتهى.
الشَّريف الجُرجاني في [شرح المواقف]: *<(وأمَّا الصَّغائر عمدًا فجوَّزه الجُمهور إلَّا الجبَّائيَّ)>* انتهى.
وقال في [شرح المواقف]: *<(ومَن جوَّز الصَّغائر عمدًا فله زيادة فُسحة) في الجواب إذ يزداد له وجه آخَرُ وهُو أنْ يقول جاز أنْ يكون الصَّادر عنهم صغيرة عمدًا لا كبيرة>* انتهى.
ثُمَّ قال: *<(ولا اعتراض على ما يصدُر عنهُم مِن الصَّغائر) سهوًا أو عمدًا عند مَن يُجوِّز تعمُّدها>* انتهى.
المرداوي الحنبلي في [تحرير المنقول وتهذيب عِلم الأُصول]: *<وتجوز صغيرة عمدًا عند القاضي وابن عقيل وابن الزَّاغونيِّ والأشعريَّة، وقيل لا؛ وعند الحنفيَّة معصوم مِن معصية مقصودة..>* انتهى.
وقال فِي [التَّحبير شرح التَّحرير]: *<والنَّوع الثَّاني الصَّغائر وهو أيضًا قسمانِ: أحدهما فعلها عمدًا والثَّاني سهوًا. فالأوَّل: وهو فعلها عمدًا هل يجوز وقوعها منه أم لا. فيه قولان: أحدهما الجواز وهو قول القاضي وابن عقيل والأشعريَّة والمُعتزلة وغيرهم>* إلخ..
وابن زكري في [بُغية الطَّالب فِي شرح عقيدة ابن الحاجب]: *<وأمَّا الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فجائزة مِن غير إصرار؛ (عمدًا وسهوًا خلافًا للشِّيعة) مُطلقًا والجبَّائيِّ والنَّظَّامِ فِي العمد كذا نقل غير واحد مِن الأئمَّة>* إلخ..
والكستلي في [حاشيته على شرح التَّفتازانيِّ على العقائد]: *<وإلَّا فيُحمل على أنَّه ترك الأَولى أو على الصَّغيرة سهوًا أو عمدًا أو على أنَّه قبل البعثة>*انتهى.
ومُلَّا علي القاري في [شرح الشِّفا]: *<وأمَّا الصَّغائر فتجوز عمدًا عند الجُمهور>* انتهى.
ومُلَّا علي القاري فِي [مرقاة المفاتيح]: *<وأمَّا الصَّغائر فتجوز عمدًا عند الجُمهور>* انتهى.
والكلبي في [التَّسهيل]: *<وقيل أكل عمدًا وهي معصية صُغرى وهذا عند مَن أجاز على الأنبياء الصَّغائر>* انتهى.
وإسماعيل حقِّي في [رُوح البيان]: *<وأمَّا الصَّغائر فتجوز عمدًا عند الجُمهور>* انتهى.
ومُحمَّد بخيت المُطيعي في [حاشيته على الدَّردير]: *<وقال فِي [شرح العقائد النَّسفيَّة]: (وأمَّا الصَّغائر فتجوز عمدًا عند الجُمهور)>* انتهى.
وداود القرصي في [شرحه على النُّونيَّة]: *<وأمَّا صدور صغائر غير مُنفِّرة بعدَها فجوَّزه الجُمهور عمدًا وسهوًا>*
كل هؤلاء وغيرهم كثير نقلوا أن الجمهور على جواز الصغائر قبل وبعد النبوة سهوا وعمدا
ماذا نقل القاضي عياض من المالكية في الجواز والوقوع :
ويرد على أهل الفتنة المتصولحة القاضي عياض فيقول في [الشفا]:
*<وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ>* انتهى
فهذا رد عليهم من بابين اثنين
الأول: أنه أثبت الخلاف في المسألة عند أهل السنة والجماعة
والثاني: أنه أظهر أن الذنب المختلف عليه حقيقي بدليل أنه يلتحق بالكبائر فيما لو كثر وتكرر وهذا ما لم يستطيعوا عليه جوابا أبدا ولا تجرأوا
فمَن خالف ما اجتمع فريقَا أهل السنة والجماعة عليه هذا ننكر عليه أما من خالف فريقًا ووافق فريقًا من العلماء المعتبرين عند أهل السنة والجماعة فهذا لا ننكر عليه
قال الزَّركشيُّ فِي [البحر المُحيط فِي أُصول الفقه]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقالَ فِي [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء..> انتهى.
وقال مُلَّا عليٌّ القاري فِي [شرح الشِّفا]: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووقوعها (جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ) مِن الخلف كإمام الحرمَين منَّا وأبي هاشم مِن المُعتزلة حيث جوَّزوا الصَّغائر غير المُنفِّرة (عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ) أي المُجتهدِين (وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ) أي فِي أصول الدِّين والمُراد بعضٌ مِن كُلٍّ منهم> انتهى.
فالزَّركشيُّ يقول: <تجويز الصَّغائر ووقوعها> انتهى. وعليٌّ القاري يقول: <وجودها ووقوعها> انتهى. فهُما ينقلان عن الجُمهور القول بالجواز والقول بالوُقوع وليس بالجواز وحسب؛ وهذا ما يقوله شيخنا الهرريُّ رحمه الله.
ماذا قال الرازي في لإثبات قول من قال بالمعصية الصغيرة غير المنفرة؟
في موضع قال الفخر الرَّازيُّ فقال فِي كتابه [عصمة الأنبياء] فِي تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}: <جَوَابُهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ إِمَّا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوْ تَرْكِ الأَوْلَى أَوِ التَّوَاضُعِ>* انتهى
وفي موضع ثان قال الرَّازيُّ فِي تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ}: <قلنا الجواب عنه قد تقدَّم مرارًا مِن وجوه أحدها المُراد ذنب المُؤمنين ثانيها المُراد ترك الأفضل ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد..> انتهى
ثُمَّ قال: <رابعها مِن قبل النُّبوَّة ومِن بعدها وعلى هذا فمَا قبل النُّبوَّة بالعفو وما بعدها بالعصمة> انتهى.
وقال الرازي في موضع آخر من تفسيره: <الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَنْبٌ، فَمَاذَا يُغْفَرُ لَهُ؟ قُلْنَا الْجَوَابُ: عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا مِنْ وُجُوهٍ
أَحَدُهَا: الْمُرَادُ ذَنْبُ الْمُؤْمِنِينَ ثَانِيهَا: الْمُرَادُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ *ثَالِثُهَا: الصَّغَائِرُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّهْوِ وَالْعَمْدِ، وَهُوَ يَصُونُهُمْ عَنِ الْعُجْبِ* رَابِعُهَا: الْمُرَادُ الْعِصْمَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي سُورَةِ الْقِتَالِ> انتهى كلامه.
وتابع الرازي قائلا: <الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَما تَأَخَّرَ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ *ثَانِيهَا: مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفَتْحِ، وَمَا تَأَخَّرَ عَنِ الْفَتْحِ* ثَالِثُهَا: الْعُمُومُ يُقَالُ اضْرِبْ مَنْ لَقِيتَ وَمَنْ لَا تَلْقَاهُ، مَعَ أَنَّ مَنْ لَا يَلْقَى لَا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إِشَارَةً إِلَى الْعُمُومِ رَابِعُهَا: مِنْ قَبْلِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ بَعْدِهَا، وَعَلَى هَذَا فَمَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالْعَفْوِ وَمَا بَعْدَهَا بِالْعِصْمَةِ *وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ سَاقِطَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ مَارِيَةَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ،* وَهُوَ أَبْعَدُ الْوُجُوهِ وَأَسْقَطُهَا لِعَدَمِ الْتِئَامِ الْكَلَامِ> انتهى
فانظر كيف أنه ذكر <مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفَتْحِ، وَمَا تَأَخَّرَ عَنِ الْفَتْحِ> انتهى
ومعلوم أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم *كان نبيا قبل الفتح وبعده* _وهذا الوجه قول الجمهور_ والرازي لم ينكره بل أقره بدليل أنه بعد أن ذكر الوجوه التي يراها قائمة صحيحة نبَّه إلى وجود أقوال أخرى لكنها ساقطة ومنها قول بعضهم <مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ مَارِيَةَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ>
ما معنى : فَتَمْثِيلُ النُّحَاةِ لِلَمْ وَلَمَّا بِقَوْلِهِمْ: {وَلَمَّا عَصَى آدَم رَبَّهُ وَلَمْ يَنْدَمْ} كُفِّرَ؟ عند محمد عليش المالكي والبرزليّ
ما هي حقيقة موقف الرازي من العصمة ونسبة الصغائر إلى الأنبياء ؟
تعريف أهل السنة للمعصية الحقيقية : فعل المنهي عنه عمدًا لا سهوا وأن الجمهور على جواز وقوع الأنبياء في الصغائر عمدا
قد وقع أهل الفتنة على كلام لبعض الحنفية نقله عنهم التفتازاني و ليس كل الحنفية على التعريف الذي نقله التفتازاني وليس كل العلماء على هذا التعريف للمعصية الحقيقية
يقولون فيه: *<وأمَّا المعصية حقيقة فهي فعل حرام يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته>* انتهى
وهذا يشهد له كلام المرداوي الحنبلي حيث قال المرداويُّ الحنبليُّ فِي [تحرير المنقول وتهذيب عِلم الأُصول] ما نصُّه: <وتجوز صغيرة عمدًا عند القاضي وابن عقيل وابن الزَّاغونيِّ والأشعريَّة وقيل لا وعند الحنفيَّة معصوم مِن معصية مقصودة..> انتهى
وقد أفصح التفتازاني وبيَّن أن الصغيرة غير المنفرة جائزة على الأنبياء ولو عمدًا
قال التفتازاني فِي [شرح العقائد النَّسفيَّة]: *<أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ. وَيَجُوزُ سَهْوًا بِالِاتِّفَاقِ -إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى الخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ- لَكِنَّ المُحَقِّقِينَ اشْتَرَطُوا أَنْ يُنَبَّهُوا عَلَيْهِ فَيَنْتَهُوا عَنهُ. هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الوَحْيِ>* انتهى
وهذا التعريف هو مصطلح خاص ببعض الحنفية من القائلين بالعصمة المطلقة أقال القائلون بالعصمة المطلقة ما معناه: إذًا صدرت من الأنبياء سهوا لا عمدا لذلك ليست معصية حقيقية وهم -أي بعض الحنفية- *وضعوا هذا التعريف..*
اصطلح عليه بعضهم يعني..لأجل أن يُخرِّجوا ما ورد في القرآن الكريم من إطلاق لفظ الذنب أو المعصية أو الوزر بحق نبي من الأنبياء بحسب مذهبهم وليس لتضليل مَن خالفهم مِن أهل السنة والجماعة
يقولون بما معناه أنه لا تصدر من نبي معصية حقيقية ولو صغيرة بناء على مذهبهم في القول بالعصمة المطلقة لأن مذهب القائلين بالعصمة المطلقة لا يقولون بصدور معصية عمدا من نبي
فالقائلون بالعصمة المطلقة يشترطون لتكون المعصية حقيقية:
- أن تكون عمدًا = ولذلك قالوا: فعل منهي عنه يُقصد لنفسه
- العلم بحرمتها = ولذلك قالوا: مع العلم بحرمته
*ونحن لا نختلف مع الذين اصطلحوا على هذا التعريف من الحنفية*
بل نحن نشترط مثلهم أن تكون صدرت عمدًا لكننا لا نشترط في تعريف المعصية الحقيقية العلم بالحرمة دائما
أهل الفتنة شنَّعوا علينا وضللونا وافتروا علينا وزعموا أننا قلنا: النبي يعمل الحرام وهو عالم أنه حرام
ونحن نتحداهم أن يكون بيننا من قال هذا الكلام ولو مرة واحدة لم نقل هذا ولم نخض فيه والحمدلله. نحن ما خضنا في هذا فنسبوا إلينا كلاما ما تفوهنا به إطلاقا
مع العلم أن اشتراط العلم بالحرمة لا يضر في تعريف المعصية الحقيقية وقد قلنا لهم: المعصية الحقيقية في الأصل هي ما يقابل المعصية المجازية
1. وقد تكون مع العلم بالحرمة
2. وقد تكون مع الجهل بالحرمة
ونحن لا نصف الأنبياء بالجهل بأحكام الشريعة ولا نُجَوِّز عليهم الخطأ في التبليغ
*ويمكن تعريف المعصية الحقيقية* بأن يقال: هي فعل المنهي عنه مع قيام النهي
دون اشتراط العلم بحرمتها وهو ما لم يعرفه أهل الفتنة لأنهم ما وقعوا عليه وصار بعضهم يتحدانا أن نأتي بتعريف ليس فيه اشتراط العلم بالحرمة
قال الشَّيخ حسن العطَّار في حاشيته على [شرح الجلال المحليِّ على جمع الجوامع للتاج السبكي] ما نصه: <وإنَّما يكون منه لو كانت المعصية هُنا معصية حقيقةً *-وهي فعل المَنهيِّ عنه مع قيام النَّهي عنه وعدم انقطاعه-..>* انتهى
واعلموا أنه في الأصل لم يكن يضُرُّ أنْ يُقال (مع العلم بكونها معصية) لأنَّ الجُمهور لم يشترط فيما جوَّزه على الأنبياء مِن الصَّغائر الجهل بكونها معصية
يعني الجمهور ما قال: يجوز الصغائر غير المنفرة في حق الأنبياء شرط العلم بكونها معصية فاشتراط ذلك استدراك على قول جُمهور عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة فهل هم أعلم من جمهور علماء أهل السنة والجماعة!
*وبقي تنبيه*
فكون المعصيةِ حقيقةً (فعلَ منهيٍّ عنه يُقصد لنفسه) والمُراد بقولهم: (يُقصد لنفسه) أي يقع الفعل عمدًا لا سهوًا
كما في قول الجُمهور ولا يعني أنَّ الدَّافع لفعله كونُه معصية كما توهَّم الجَهلة عليهم مِن الله ما يستحقُّون فالأنبياء لا يقعون في صغيرة -غير منفرة- لمجرد طلب العصيان ولا يدفعهم للفعل كونه معصية
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يجترئون على الله فيفعلون الصغيرة (على قول الجمهور) بسبب أنها معصية إنما تصدر منهم الصغائر نادرا ولأسباب أخرى ليس فيها ما توهمه المبطلون
فعلى قول الجمهور بأن آدم عليه السلام عصى معصية صغيرة لا خسة فيها فيقولون إنه أكل عامدا ,تعمد الأكل ,وقع فعل الأكل منه عمدا لا سهوا , مع علمه بالنهي
لم يكن السبب في أكله من الشجرة أن الأكل منها معصية
لا , وإنما هذا نتيجة
على قول الجمهور: أكل آدم عليه السلام من الشجرة عامدا الأكل
والسبب أن حواء ساعدت وسوسة إبليس فحرَّكت آدم لينفذ تلك الوسوسة
فقول بعض الحنفية (فعلَ منهيٍّ عنه يُقصد لنفسه) إلى هنا
ينطبق على فعل آدم عليه السلام فهو عليه السلام أكل من الشجرة قاصدا الأكل منها وكان الأكل منها منهيا عنه
لكنهم قد يقولون إن النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ولهذا اختلفوا مع قول الجمهور
ماهو مذهب المعتزلة في العصمة؟
بغض النظر عن مذهب نفسه لم يُكذِّب التفتازاني فيما نقله عن الجمهور ومثله قال كثير غيره من العلماء في بيان قول الجمهور في عصمة الأنبياء عن الصغائر التي لا خسة فيها
وقال الأرمويُّ الهنديُّ فِي [نهاية الوُصول فِي دراية الأُصول] فِي معرض حديثه عن الذَّنب الصَّغير -الَّذي لا خسَّة فيه- ما نصُّه: <أحدها: جواز صُدوره منهم عمدًا وسهوًا وعليه الأكثرون منَّا ومِن المُعتزلة. وثانيها: عدم جواز صُدوره منهم عمدًا وسهوًا وهو مذهب الرَّوافض> انتهى.
وقال أبو الحسن عليُّ بن عبد الرَّحمن اليفرنيُّ المالكيُّ فِي [المباحث العقليَّة فِي شرح معاني العقيدة البرهانيَّة]: < فهذا ممَّا اتَّفق أكثر أصحابنا وأكثر المُعتزلة على جوازه عمدًا وسهوًا خلافًا للشِّيعة وذهب الجبَّائيُّ إلى أنَّ ذلك لا يجوز لا بطريق السَّهو أو الخطإ فِي التَّأويل> انتهى
وقال الفقيه الأُصوليُّ القاضي عضُد الدِّين عبد الرَّحمن الإيجيُّ الشَّافعيُّ فِي كتابه [المواقِف فِي عِلم الكلام] ما نصُّه: <وأمَّا سهوًا فجوَّزه الأكثرون. وأمَّا الصَّغائر عمدًا فجوَّزه الجُمهور إلَّا الجبَّائيَّ> انتهى.
وفي [المُختصر الكلاميِّ] لابن عرفة التُّونسيِّ المالكيِّ ما نصُّه: <الأكثرُ منَّا ومِن المُعتزلة على جوازه ولو عمدًا ومنعه الشِّيعة مُطلقًا والجُبَّائيُّ والنَّظَّام عمدًا> انتهى
وهذا النقل عن الأرموي يستفاد منه في رد شبهة من شبهات أهل الفتنة لأنهم يزعمون أن هذا مذهب المعتزلة وحسب وليس مذهب جمهور أهل السنة
فالعلماء بيَّنوا أن المعتزلة -أكثرهم يعني ليس كلهم- وافقوا أهل السنة في هذه المسألة وليس كل ما قاله المعتزلة يصير ضلالا

اترك رد