, , ,

تعريف الجسم و انقسام الناس فيه بين كرامية و مجسمة و أهل السنة والجماعة


115 مشاهدة


⏱ 1 دقيقة قراءة

يساعدنا على هذا البيان ما قاله إمام الحرمين الجويني في الشامل: «وغلت طائفة من المثبتين، فاقتربوا من التشبيه، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسم، ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم أن معنى الجسم: الوجود، وأن المعنى بقولنا: إن الله جسم، أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس، وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية. وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركب متألف من جوارح وأبعاض، تعالى الله عن قولهم»[(1054)] اهـ.

وقال في موضع آخر[(1055)]: «القول في الجسم ومعناه.

اختلف الناس في حقيقة الجسم وحده. فالذي صار إليه الفلاسفة: أن الجسم هو الطويل العريض العميق، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة. وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ومحصول جميعها واحد. فقال بعضهم: الجسم هو الذهاب في الجهات، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق. وقال بعضهم: الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة، وفسر الأبعاد بما قدمناه. وذهب الصالحي إلى: أن الجسم هو القائم بنفسه. وذهب هشام في آخر أقواله إلى أن الجسم إذا سمي به الإله تعالى وقيل: هو جسم لا كالأجسام، فالمراد به أنه شىء لا كالأشياء.

واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم، فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم: هو الموجود. وصار آخرون إلى أن الجسم: هو القائم بالنفس ، وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم: هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته. وهؤلاء افترقوا فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات.

وذهب آخرون إلى تجويز المماسة من سائر الجهات، وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام، فالتزموا ذلك، ولم يكترثوا به.

والذي صار إليه أهل الحق أن: الجسم هو المؤلف والمتألف. والدليل على ما صرنا إليه أن نقول: وجدنا أهل اللسان إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة[(1056)] وكثرة الأجزاء يقولون: هذا أجسم من هذا، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها» اهـ.

إلى أن قال[(1057)]: «وأما من قال: الجسم هو القائم بالنفس، فكل ما قدمناه رد عليه، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس. وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشىء، ونزيده وجها آخر فنقول: أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام، بمعنى أنه شىء لا كالأشياء، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء، هو يمنع تسمية العرض جسما، فإن اعترف بذلك، فقد نقض مذهبه، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة، وراغم آيا من كتاب الله منها: {وكل شيء فعلوه في الزبر *} [(1058)]. والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض. وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر *} [(1059)] إلى غير ذلك من الآيات. ووجه جحده اللغة واضح، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء، فقد راغم. ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم: هو الموجود»[(1060)] اهـ.

قال الذهبي: «ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى أنه جسم لا كالأجسام»[(1061)] اهـ.

وقال الحافظ البيهقي: «فإن قال قائل فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟

قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر، فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا، وبعد فإن الشىء سمة لكل موجود، وقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه شيئا، قال الله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم… *} [(1062)] لم يسم نفسه جسما، ولا سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق المسلمون عليه، ونحن فلا نسمي الله عز وجل باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه ، قال الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون *} [(1063)][(1064)] اهـ.

وقد اختصر هذا البحث الآمدي في أبكار الأفكار فقال ما نصه: «المسئلة الثانية في أن البارئ تعالى ليس بجسم. مذهب أهل الحق: إن البارئ – تعالى – ليس بجسم، وذهب بعض الجهال: إلى أنه جسم. ثم اختلفوا:

وذهب بعض الكرامية: إلى أنه جسم، بمعنى أنه موجود.

وذهب بعضهم: إلى أنه جسم، بمعنى أنه قائم بنفسه.

وذهب بعض المجسمة: إلى أنه جسم حقيقة، وأنه متصف بأحكام الأجسام (وأنه متصف بصفات الجسمية).

ثم إن منهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، كمقاتل بن سليمان، وغيره. ومنهم من قال: إنه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومن المجسمة من غالى وقال: إنه على صورة إنسان.

لكن منهم من قال: على صورة شاب أمرد جعد قطط.

ومنهم من قال: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، تعالى الله عن قول المبطلين»[(1065)] اهـ.

فإذا تبين ذلك كله عرف السبب في عدم حكم بعض العلماء بالكفر على من استجاز إطلاق لفظة الجسم على الله سبحانه،

وإلا فإن الإجماع منعقد على تكفير من أفصح بوصف الله بالتركيب والحجم أو وصف الله بالجسمية وهو مدرك لمعناه الحقيقي في اللغة، فإنه لا تأويل لكلامه بالمرة، لا خلاف بينهم في هذا الحكم، فإن إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى باختيار من قائله أي من غير إكراه مع العلم بما فيه من النقص استخفاف.

يوضح هذا ما قاله أبو المعين النسفي في التمهيد، ونصه: «ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعنى به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الراويتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللغة اسم للمتركب، فمن أطلق اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد ، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين ، والامتناع عنه تناقض، يحققه: أن معنى الاسم لو كان ثابتا من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيبا، وإن كان عالما بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيها وإن كان عالما بالأحكام.

فإذا لم يكن الشرع بلفظ الجسم واردا، وكان معناه الثابت لغة مستحيلا على الله تعالى كان إطلاقه ممتنعا.

فأما لفظه الشىء فقد ورد بها الشرع، قال الله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد… *} [(1066)]، ومعناه أيضا ثابت، لأنه اسم للموجود الثابت الذات، والله تعالى موجود وذاته ثابتة. فإطلاق اسم الجسم مع أن الشرع لم يرد به، واستحال أيضا معناه قياسا على إطلاق اسم الشىء، والشرع ورد به، ومعناه واجب غير مستحيل على الله تعالى، جهل فاحش. وقولهم: إنا نقول: إنه جسم لا كالأجسام، كما نقول: إنه شىء لا كالأشياء قول فاسد، لأنهم إن نفوا بقولهم: لا كالأجسام معنى التركيب، فقد أبطلوا قولهم: إنه جسم، وصاروا مناقضين، وصاروا قائلين: إنه جسم وليس بجسم، وإن لم ينفوا به معنى التركب لم ينفعهم قولهم: لا كالأجسام.

فأما قولنا: شىء لا ينفي بقولنا: لا كالأشياء معنى الثبوت والوجود الذي هو مقتضى لفظة الشىء، بل نفينا بقولنا: لا كالأشياء ما وراء مطلق الوجود من المعاني التي هي من دلالات الحدث كالجسمية والجوهرية والعرضية، فلم نعد بذلك ناقضين، وكان في قولنا: لا كالأشياء فائدة على أنا لما عنينا بقولنا: لا كالأشياء نفي الجسمية، فإلزامنا بإطلاق لفظ ننفي به الجسمية أن نجوز إطلاق لفظة الجسم جهل بحقائق الألفاظ والمعاني، والله الموفق» اهـ.

وقال أيضا: «ويستحيل أن يقال: إن الله جل ثناؤه وتعالى أصل للمتركبات، تتركب هي منه، فلم يكن جوهرا. ولا يقال: إنه اسم للقائم بالذات والله تعالى قديم قائم بالذات فيكون جوهرا لما أنه ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القائم بالذات لغة، بل هو ينبئ عن معنى الأصل، وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عنه لغة، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن كونه حدا له جهل فاحش، والله تعالى الموفق» اهـ.

قال ابن حزم الذي هو منتقد عند أهل العلم فيما شذ فيه: «فإن قالوا لا فرق بين قولنا شىء وبين قولنا جسم.

قيل لهم: هذه دعوى كاذبة على اللغة التي بها يتكلمون ، وأيضا فهو باطل لأن الحقيقة أنه لو كان الشىء والجسم بمعنى واحد لكان العرض جسما، لأنه شىء وهذا باطل بيقين، والحقيقة هي أنه لا فرق بين قولنا شىء وقولنا موجود وحق ومثبت، فهذه كلها أسماء مترادفة على معنى واحد لا يختلف وليس منها اسم يقتضي صفة أكثر من أن المسمى بذلك حق ولا مزيد، وأما لفظة جسم فإنها في اللغة عبارة عن الطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست التي هي فوق وتحت ووراء وأمام ويمين وشمال، وربما عدم واحدة منها وهي الفوق، هذا حكم هذه الأسماء في اللغة التي هذه الأسماء منها، فمن أراد أن يوقع شيئا منها على غير موضوعها في اللغة فهو مجنون وقاح، وهو كمن أراد أن يسمي الحق باطلا، والباطل حقا، وأراد أن يسمي الذهب خشبا، وهذا غاية الجهل والسخف إلا أن يأتي نص بنقل اسم منها عن موضوعه إلى معنى آخر فيوقف عنده، وإلا فلا، وإنما يلزم كل مناظر يريد معرفة الحقائق أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع عليها الاسم ثم يخبر بعد بها أو عنها بالواجب، وأما مزج الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة فهذا فعل السوفسطائية الوقحاء الجهال الغابنين لعقولهم وأنفسهم»[(1067)] اهـ.

ـ[1054]  المرجع السابق (ص/208).

ـ[1055]  عبل عبالة: ضخم وابيض وغلظ.

ـ[1056]  المرجع السابق (ص/212).

ـ[1057]  سورة القمر: 52 .

ـ[1058]  سورة القمر: 49 .

ـ[1059]  المرجع السابق (ص/212).

ـ[1060]  لسان الميزان (5/354).

ـ[1061]  سورة الأنعام: جزء من الآية 19 .

ـ[1062]  سورة الأعراف: 180 .

ـ[1063]  شعب الإيمان (1/137 – 138).

ـ[1064]  أبكار الأفكار في أصول الدين (ص/447)، تأليف الإمام أبي ا لحسن علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي المتوفى 631هـ، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه أحمد فريد المزيدي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.

ـ[1065]  سورة الأنعام: 19 .

ـ[1066]  الفصل في الملل (2/93).

ـ[1067]  نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/544) مخطوط.

Share this page to Telegram

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة