الجزء الأول
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
وبعدُ فقد جاء في البخاري أن عمرو بن ميمون قال: (رأيتُ في الجاهلية قِرْدَةً اجتمع عليها قِرَدَةٌ، قد زنت فرجموها فرجمتُها معهم) اهـ. وساق الإسماعيلي القصة من وجه آخر عن ابن ميمون قال: (كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد من قِرْدَةٍ فتوسد يدها فجاء قرد أصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد الأول سلا رفيقا وتبعته فوقع عليها وأنا أنظر ثم رجعت فجعلت تدخل يدها تحت خد الأول برفق فاستيقظ فزعا فشمها فصاح فاجتمعت القرود فجعل يصيح ويومئ إليها بيده فذهب القرود يمنة ويسرة فجاءوا بذلك القرد أعرفه فحفروا لهما حفرة فرجموهما فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم) اهـ.
وهذه الرواية ليست من كلام النبي ولا الصحابة وإنما حكاية عما شاهده ابن ميمون الذي أدرك الجاهلية والنبوة وأسلم لكن لم يرَ النبي فلم يعده العلماء صحابيا إنما تابعيا.
وليس المراد بالزنا والرجم حقيقة ذلك وإنما صورته؛ ولكنه مجاز يُعبَّر به للتشبيه، وليس فيه أن القِرَدَة مكلَّفون أو أنه يجب إقامة الحد عليهم. وربما كان المراد كما قال القرطبي في تفسيره: (فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاريّ دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية، ولم يُبال بظنّه الذي ظنّه في الجاهلية) اهـ وربما لذلك جعلها تحت باب [أيام الجاهلية] أو [القسامة في الجاهلية] على اختلاف بين نُسَخ البخاري.
Nov 12, 2017, 4:06 PM
الجزء الثاني
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
وبعدُ فقد اختلفوا في هذه الرواية في البخاري إلى فريقين؛ فريق يُثبت وفريق لا، قال ابن الأثير الجزري عند ذكر القصة في ترجمة عمرو بن ميمون: (وهذا مما أدخل في صحيح البخاري)، وقال القرطبي في تفسيره: (ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث “قد زنت” وسقط هذا اللفظ عند بعضهم) اهـ.
وقال الحميدي في [الجمع بين الصحيحين]: (هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاري وأن أبا مسعود وحده ذكره في الأطراف قال: وليس هذا في نسخ البخاري أصلا فلعله من الأحاديث المقحمة في كتاب البخاري) اهـ وردَّ ابن حجر في الفتح: (وما قاله مردود فإن الحديث المذكور في معظم الأصول التي وقفنا عليها) اهـ وردَّ العينيُّ على ابن حجر فقال: (ورُدَّ عليه بأن وقوف الحميدي على الأصول أكثر وأصح من وقوف هذا المعترض لأنه جمع بين الصحيحين ومثله أدرى بحالهما ولو كان في أصل البخاري هذا الحديث لم يجزم بنفيه عن الأصول قطعا وجزما على أنه غير موجود في رواية النسفي) اهـ.
وقال ابن عبد البر في [الاستيعاب]: (وهذا عند جماعة أهل العلم منكر: إضافة الزنا إلى غير مكلف، وإقامة الحدود في البهائم) اهـ وردَّ عليه ابن حجر قال: (وأجيب: بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا والرجم أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حدا وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان) اهـ.
Nov 12, 2017, 4:07 PM
الجزء الثالث
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
– وبعدُ فإذا تقرر أن هذا الخبر ليس عن رسول الله ولا عن الصحابة بل عن تابعي يحكي شيئا شاهده “أيامَ الجاهلية”؛ وإذا تقرر اختلاف العلماء في هذا الخبر فقال بعضهم إنه منكر وقال بعضهم إنه مُقحم على البخاري وقال بعضهم بل هو ثابت صحيح؛ فالخبر -على فرض ثبوته- ليس فيه وصف القِرَدَة بالزنا والرجم على الحقيقة بل صورةً أي مجازًا لمقتضى التشابه فكيف يقول المعترضون (ورد في البخاري أن القرود مكلفون وأنهم يقيمون حد الرجم على قِرْدَة زنت)؟ أوليسَ هذا كذب وافتراء وتحامل لا يصدر عمن كان عنده أمانة علمية أو إنصاف ينبغي أن يتسلَّح به الباحثون عن الحقيقة؟
– فهؤلاء الشياطين لا أظن إلا أنهم عمدوا إلى ألفاظ الرواية فتخيلوها لفظًا لفظًا حتى علقت أذهانهم عند مشهد تخيُّل مواقعةِ قِردٍ قِرْدَةً فما استطاعوا أن يتجاوزوا ذلك إلى غيره بسبب الغفلة عن الخير، وأعماهم سوءُ ما انجبلت عليه طباعهم من أمور فلم يلحظوا ما في الرواية من إشارة إلى استقباح الحيوان والبهايم للزنا؛ واستقباحُه عند الناس ذوي العقول أولى؛ وقد تعلَّم ابنُ آدم الأولُ كيف يدفن أخاه من الطير؛ وقد يضرب الواعظ درسًا في علو الهمة مع المثابرة واستدامة المحاولة والسعي بعمل نملة! فهل العيب في شيء شاهدهخ رجل أيام الجاهلية أم العيب في النفوس المريضة التي أرادت اللعب على صورة مواقعة القرود!
Nov 12, 2017, 4:07 PM
الجزء الرابع
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
– وبعدُ فقد عجبت من الوهابي الألباني لقوله في معرض إنكاره للخبر: (كيف يمكن لإنسان أن يعلم أن القِرَدَةَ تتزوج) وليس في الحديث زواج فكيف يحتج به؟ أما لو أراد إنكارَ نحو اختصاصِ قِردٍ بمُواقعة قِردة فيردّه أنه ظاهر في حياة الحيوان.
وعجبت من قوله: (وأن مِن خُلُقهم المحافظةَ على العرض) فأجيبُ بأن العرب قدَّروا ذلك كما قدَّروه في الجَمَلِ وغيره؛ وفي أمثالهم: (أغْيَرُ مِنَ الفَحْل، ومِنْ جَمَل ومِنْ ديك) كما في [مجمع الأمثال للميداني].
وعجبت من قوله: (فمن أين علم أن رجمَ القردةِ لأنها زنت) والجواب في رواية الإسمعيلي انتهى.
وأشير إلى أن قولنا (صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز) لا ينافي تضعيفنا روايات فيه؛ إذ ليس ثمة دليل على تصحيح كل ما وقع في البخاري؛ وفي [فتح الباري]: (وأما تجويزه أن يزاد في صحيح البخاري ما ليس منه فهذا ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري في كتابه ومن اتفاقهم على أنه مقطوع بنسبته إليه) اهـ وهو كلام لم يوافقه عليه بدر الدين العينيّ فقال في شرحه: (قلتُ: فيه نظر، لأن منهم من تعرَّض إلى بعض رجاله بعدم الوثوق؛ وبكونه من أهل الأهواء، ودعوى الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري فيه غير موجهة لأن دعوى الكلية تحتاج إلى دليل قاطع. ويرد ما قاله أيضًا بأن النسفي لم يذكر هذا الحديث فيه) اهـ.
Nov 12, 2017, 4:08 PM
دعاة لا قضاة [47/100]
رفع الرأس
– أخي الداعية؛ لماذا ترفعُ رأسَك إذا كلَّمتَنا نحن عامة الناس وتخفضُه إذا كلَّمتَ رئيسًا أو قاضيًا؟ بل ارفعْ رأسَك في وجهه ترفعْ رؤوسَنا. ولماذا ترفع رأسك -علينا- وقد أغناك الله بعد فقر أو أفقرك بعد غنى فلا رأيناك مع الغنى شاكرًا ولا مع الفقر صابرًا.
فإذا لم يكن بدٌّ من الرفع؛ فارفع يدَك عن حقوقنا يا مولانا! وارفع عينك عن النظر إلى أعراضنا؛ ولا ترفع رأسك كِبْرًا وعُجْبًا فإن أشرف حالاتك يا “عبدالله” وأنت ساجد؛ وأنتَ أذلُّ ما تكونُ لربكَ؛ وأنتَ أخضعُ له. وقد أوردوا: (ما من عبد يسجد للّه سجدة إلا رفعه اللّه بها درجة)!
Nov 12, 2017, 4:02 PM




اترك تعليقاً