الدِّين النَّصيحة 11
مُناظرة بين قول السُّنِّيِّ وبين قول المُخالف في بيان كُفر مَن جَرَّ غيرَه إلى الكُفر
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
القاعدة
يقول السُّنِّيُّ: وبعدُ قال الله تعالى: {ولاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ}. وقال الزَّبيديُّ: <ومَن أراد مِن خلق الله أنْ يكفروا بالله فهُو لا محالة كافر> وقال: <وإنْ كان إنَّما فعل ذلك ليسمع سبَّ اللهِ وسبَّ رسولِه فهو كافر بالإجماع>.
وقال الشَّيخ سمير القاضي: <ويلتحقُ بالأمرِ ما يحصُلُ أحيانًا مِنْ أنَّ الشَّخصَ يسألُ الكافرَ سُؤالًا وهو مُتيقِّنٌ مِنْ أنَّهُ سيُجيبُ بالكُفرِ فيكفُرُ بذلكَ لأنَّ سُؤالَه في الحقيقةِ هو طلبُ جوابٍ منهُ وهُو يعلمُ أنَّ جوابَهُ كفرٌ فكأنَّهُ يقولُ لهُ اكفُرْ> انتهى.
فمَن سأل كافرًا عن دينه (إنْ تيقَّن أنَّه يُجيب بالكُفر) كفَر؛ ولا يكفُر (لو ظنَّه يسكُت أو يُجيب بغير الكُفر)؛ وقوله “أنا كافر” أو “مجوسيٌّ” أو “أعبد الصَّنم” يشتمل على تقرير الأخذ بالكُفر وهذا كُفر والعياذ بالله.
وفيما يلي خُلاصة ما جرى بين أهل السُّنَّة وبين المُخالفين الَّذين زعموا أنَّ الأنبياء والملائكة يستنطقون الأحياء والأموات بالكُفر! والعياذ بالله.
1- يقول المُخالف: كيف تُكفِّرون مَن سأل الكافر: ما دينُك؟
2- يقول السُّنِّيُّ: نحن لا نُطلق تكفير مَن سأل الكافر: “ما دينُك؟” إلَّا لو كان السَّائل مُتيقِّنًا أنَّ المسؤول يُجيبه بأنَّه كافر أو بأيِّ جواب آخَر يكون كُفرًا فهذا يكون استنطاقًا له بالكُفر فيكفُر السَّائل والمسؤول بهذه الحالة.
3- يقول المُخالف: ألم يرد أنَّ النَّبيَّ سأل الحُصين: “كم تعبُد إلهًا؟”؟
4- يقول السُّنِّيُّ: هذا خبر غير صحيح فلا يُحتجُّ به. قال الكوثريُّ في هامش [السَّيف الصَّقيل] عن سند هذه الرِّواية: <وبمثل هذا السَّند لا يُستدلُّ في الأعمال فضلًا عن الاستدلال به في المُعتقد> انتهى.
5- يقول المُخالف: ألم يرد أنَّ النَّبيَّ سأل عديًّا: “ألستَ ركوسيًّا؟”؟
6- يقول السُّنِّيُّ: الرِّواية بهذه الحُروف لم تصحَّ فلا يُحتجُّ بها. وفوق ذلك فالسُّؤال فيها لم يكن طلبًا للجواب بل كان تقريريًّا فكأنَّ النَّبيَّ قال: أنا أعلم بدينك منك بدليل أنَّك ركوسيٌّ فالمُراد أنْ ينقطع عديٌّ لا أنْ يُجيب.
7- يقول المُخالف: ألم يقُل عُمر ليهوديٍّ: “مِن أيِّ أهل الكتاب أنت؟”؟
8- يقول السُّنِّيُّ: الخبر لم يروه إلَّا عُمر بن نافع وقد ضعَّفه الحُفَّاظ فالرِّواية ضعيفة وكذلك لا يُستدل برواية الواحد في المُعتقد؛ وحتَّى لو ثبت فليس فيه أنَّه كان مُتيقِّنًا أنَّه يُجيب بالكُفر فلعلَّه سأل تعجُّبًا أو أراده أنْ يسكُت.
9- يقول المُخالف: أليس مُجرَّد رواية أبي يوسف للخبر يعني أنَّه يستحسنه؟
10- يقول السُّنِّيُّ: هذا قول ابتدعه يوسف ميناوي لا أظنُّه سُبق إليه! الطَّبرانيُّ روى: “لمَّا قضى خلقه استلقى فوضع إحدى رجليه على الأُخرى” ولم ينبِّه إلى شيء. فهل كان الطَّبرانيُّ يستحسن ذلك! نعوذ بالله.
11- يقول المُخالف: ألم يأتِ في [الفقيه والمتفقِّه] يجوز السُّؤال التَّفويضيُّ؟
12- يقول السُّنِّيُّ: ما في [الفقيه والمُتفقِّه] يُحمل في مُخاطبة الكافر على مَا ظاهره التَّفويض وحقيقتُه الإنكار وهو ما مثَّل به المُصنِّف مِن قوله إخبارًا عن إبراهيم: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا}.
13- يقول المُخالف: أليس الملكان يسألان الكافر عن دينه ويعلمان جوابه؟
14- يقول السُّنِّيُّ: يعلمان أنَّه يقول لا عن اعتقاد إنَّما دهشة مِن شدَّة الفزع ثمَّ يُجيب عمَّا كان يعتقده قبلَ الموت مِن غير اعتقاد أنَّه حقٌّ وبهذا زال الإشكال. وبنحو هذا أجاب الإمام الهرريُّ في [الشَّرح القويم].
15- يقول المُخالف: فما تقولون في الآية: {ما تعبدون}؟
16- يقول السُّنِّيُّ: قال القونويُّ في حاشيته على البيضاويِّ: <وحاصله أنَّ الاستفهام هنا للإنكار لا للاستعلام> وبنحوه قال الإيجيُّ والقرطبيُّ وأبو حيَّان وسائر المُفسِّرين فلم يقل واحد منهم أنَّه سأل كي يُجيبوا.
خاتمة:
ولو كان للخصم دليل واحد ثابت صحيح لَمَا احتجَّ بالضَّعيف الَّذي لا يُعمَل به في الفُروع الفقهيَّة ولا في فضائل الأعمال فما بالُك في الأمور الاعتقاديَّة العظيمة فثبت أنَّ أهل الفتنة قوم بُهت زائغون لا يعرفون الحقَّ.
فكيف -ولا دليل أو بيَّنة بين أيديهم- يزعمون أنَّ الأنبياء والملائكة يستنطقون الأحياء والأموات بالكُفر والعياذ بالله مِن هذا البُهتان العظيم لولا أنَّهم قوم يتجرَّأون على الله وعلى أنبياء الله والعياذ بالله من الزَّيغ.
فاعلم أخي القارئ أنَّ مِن الكُفر أنْ تسأل الكافر عن دينه وأنتَ تعلم أنَّه يُجيبك بأنَّه كافر أو أنَّه يُجيبك بجواب آخَر مشتمل على الكُفر أو على تقريره أو الأخذ به.. ولا تلتفت إلى جَهَلَة العامَّة الَّذين أباحوا الكُفر.
نهاية المقالات بهذا العنوان.
١٧/٠١/٢٠٢٠ ٧: ٥٣ ص
