الدِّين النَّصيحة 3
بيان كفر مَن استنطق الكافر بالكُفر
ودفع شُبهة في سؤال الملكين
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فلا خِلاف بين المسلمين أنَّ الرِّضى بالكُفر كُفرٌ، فلو سأل رجلٌ كافرًا عن دينه وهو مُتيقِّن مِن أنَّ الكافر يجيبه بالكُفر: كَفَرَ السَّائلُ، وسبب ذلك أنَّ السَّائل استنطق المسؤولَ بالكُفر فيكون رضِيَ بكُفره.
أمَّا لو كان السُّؤال مِن باب الإنكار أو التَّهكُّم أو التَّبكيت أو التَّوبيخ أو التَّقريع أو التَّعنيف أو نحو ذلك ممَّا لا يُراد منه جواب: فلا يكون كُفرًا؛ لأنَّه لم يشتمل على استنطاق بالكُفر فلا يكون رضًى بالكُفر.
دفع شُبهة [3]:
سؤال القبر
وزعم أهل الفتنة أن الملائكة تستنطق الكافر بالكفر في سؤالها له عن دينه، وقد أخطأوا؛ بل تسأله الملائكة عن اعتقاده الذي مات عليه لا عن اعتقاده عند السؤال. أما أن المرء “يبعث على ما مات عليه” فهذا في الحكم بكونه كافرا؛ لا أنه معتقد للكفر بعد الموت وقد انكشفت له الحقائق ورأى عاقبته بعينِ اليقين فيكون خرج من التلبس بإنكار الحق أو الشك فيه.
أما قول أهل الفتنة: <ليس في جواب الكافر على سؤال الملائكة ظهور ندم> فهو من باب التخرصات وإلا فإن الكافر وقد تيقَّن عاقبةَ ضلاله وعاين ملائكة العذاب؛ لا يُتصوَّر في تلك الحال أنْ يكون آخذًا وقت السؤال بما كان عليه مِن كُفر في الدُّنيا؛ وقد قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ () لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ..} الآيات.
أما قول الكافر <لا أدري> فلا يعني أنَّ الكافر بعد الموت لا يكون على حالة إقرار بالتَّصديق؛ بل لا يملك ألَّا أنْ يكون مُقِرًّا بالحقِّ يومئذ مُنكرًا لِمَا كان عليه في الدُّنيا مِن الكُفر؛ ولكنَّه يقول ما يقول مِن غير ضبط لسان لِمَا يُصيبه مِن فزع وخوف عظيم لأنَّه يُفيق والمَلَك الكريم قد انتهره بشدَّة فقد ورد في الحديث: <ملَكان شديدا الانتهار فينتهرانه> انتهى.
وقال إمامنا الهرريِّ في [الشَّرح القويم في حلِّ ألفاظ الصِّراط المُستقيم] ونصُّه: <فإنْ كان منافقًا قال: لا أدري، كنتُ أسمع النَّاس يقولون شيئًا فكنت أقوله، فيقولانِ له: إنْ كنَّا لنعلمُ أنَّك تقول ذلك، ثمَّ يُقال للأرض التئمي فتلتئم عليه حتَّى تختلف أضلاعُه فلا يزال مُعذَّبًا حتى يبعثه الله تعالى مِن مَضجعه ذلك> انتهى.
وقال رحمه الله ورضي عنه: <الشَّرح: سؤال الملَكين للكافر (مَن ربُّك) وهما يعلمانِ أنَّه سيقول لا أدري لأنَّهما يعرفانِ أنَّه لا يقولُها عن اعتقاد إنَّما يقولها عن دهشة يقولُها عن سبقِ لسانٍ مِن شدَّة الفزع مِن غير ضبطِ لسانِه ولا يعتقد ذلك إنَّما يُخْبِرُ عمَّا مضى له في الدُّنيا. بعض النَّاس يستشكلون يقولون إذا كان لا يجوز أنْ يُقال للكافر “ما دينك” مع العلم بأنَّه سيجيب أنا يهوديٌّ أو مجوسيٌّ فكيف يجوز للملَكين في القبر أنْ يسألا الكافر وهما يعلمانِ أنَّه سيجيب “لا أدري”. فالجواب: أنَّه يجيب مُخْبِرًا عمَّا كان يعتقده في الماضي قبلَ الموت مِن غير أنْ يعتقد الآنَ أنَّه حقٌّ وبهذا زال الإشكال> انتهى.
٢٩/١٢/٢٠١٩ ٨: ٤٥ ص

اترك رد