الدِّين النَّصيحة 4
بيان كفر مَن استنطق الكافر بالكُفر
ودفع شُبهة في قول سيِّدنا إبراهيم لقومه: ما تعبدون
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فلا خِلاف بين المسلمين أنَّ الرِّضى بالكُفر كُفرٌ، فلو سأل رجلٌ كافرًا عن دينه وهو مُتيقِّن مِن أنَّ الكافر يجيبه بالكُفر: كَفَرَ السَّائلُ، وسبب ذلك أنَّ السَّائل استنطق المسؤولَ بالكُفر فيكون رضِيَ بكُفره.
أمَّا لو كان السُّؤال مِن باب الإنكار أو التَّهكُّم أو التَّبكيت أو التَّوبيخ أو التَّقريع أو التَّعنيف أو نحو ذلك ممَّا لا يُراد منه جواب: فلا يكون كُفرًا؛ لأنَّه لم يشتمل على استنطاق بالكُفر فلا يكون رضًى بالكُفر.
دفع شُبهة [4]:
قول سيِّدنا إبراهيم لقومه: ما تعبدون
قال الله تعالى إخبارًا عن سيِّدنا إبراهيم: {إذ قالَ لأبيهِ وقومهِ ما تعبدونَ} وقال: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} وإبراهيم عليه السلام أراد بكلامه هذا أن يذمَّ قومه وأنْ يُوبِّخهم فلم يفهم أهل الفتنة المُراد وظنُّوا أنَّه سأل كي يُجيبوا والعياذ بالله مِن الكُفر. والصَّحيح أنَّه عليه السَّلام في الموضعَيْن أتى سُؤاله على وجه العيب والإنكار والتَّحقير.
= ففي تفسير الآية الأُولى:
قال القونويُّ في حاشيته على البيضاويِّ: <وحاصله أنَّ الاستفهام هنا للإنكار لا للاستعلام> انتهى.
وقال الإيجيُّ: <أنكر عليهم عبادة الأصنام> انتهى.
وقال القرطبيُّ: <وعيبه على قومه ما يعبدون وإنَّما قال ذلك ملزمًا لهم الحُجَّة> انتهى.
وقال أبو حيَّان: <وما: استفهام بمعنى التَّحقير والتَّقرير> انتهى.
= وفي تفسير الآية الثَّانية:
وقال الخطيب الشربينيُّ: <استفهام توبيخ وتهجين لتلك الطَّريقة وتقبيحها> انتهى.
وقال محمَّد أمين الأُرميُّ الشَّافعيُّ: <والاستفهام للتَّقرير المُضَمَّن للتَّوبيخ> انتهى.
وقال البغويُّ: <استفهام توبيخ> انتهى.
ومثلَهم قال أبو الحسن الواحديُّ ومحيي الدِّين شيخ زاده والرَّازيُّ والقرطبيُّ وآخرون.
فما أبعدكم يا أهل الفتنة عن فهم كتاب الله تعالى؛ وما أبعدكم عن تنزيه الأنبياء عليهم السَّلام عن المُوبقات والكُفر والكبائر؛ وما أبعدكم عن علم الدِّين الصَّحيح بشهادة ما نقلنا لكم مِن أقوال أهل التَّفسير في هذا المقال.
انتهى.
٣١/١٢/٢٠١٩ ٧: ٣٢ ص


