, ,

إكرام الشيخ عبد الله الهرري للضيف وسؤاله عن طلابه وصبره على الألم.

أنس المجالس ج٧
شيخنا رحمه الله
إكرامه للضيف وسؤاله عن طلابه وصبره على الألم.

7- في ءاخِر حَياةِ شَيخِنا رحمه الله كانَ اشْتَدَّ بهِ المرَضُ والألَم وكانَ أحَدُ طُلّابِه بقُربِه على السَّرير وكانَ يُمسِكُ بيَدِه اليُسرى إحْدَى يَدي تِلمِيذه وكانَ مِن شِدّةِ الألم يتَحَرّك يمينًا وشمالًا ويقولُ: الله، بدَلًا مِن ءاخ كمَا هوَ عَادةُ أكثَرِ النّاس اليوم، فدَخَل علَيه رجلٌ كبيرٌ في السّنّ فتَوقَّف عن الحركةِ وتَبسَّمَ في وَجهِ ضَيفِه وقال لهُ: مَرحبًا بكَ أهلا وسَهلا، ولكنْ صَارَ مِن شِدّةِ الألم يَشُدُّ على يدِ تلمِيذِه حتى ظَهرَ أثرُ أظَافِرِهِ على يدِه، ويُحَاولُ عدمَ إظهارِ مَا بهِ للضَّيْف، وطلَبَ أن يُؤتى للضَّيفِ بالعَصِير.
كانَ شَيخُنا رحمَه اللهُ شَديدَ الأدَب والتَّواضُع عَامِلًا بالهديِ النَّبَويِّ وكانَ إذَا دَخَلَ الكَبِيرُ يُعلّمُنا أن يَقُومَ لهُ الصّغِير وأن يُقعِدَه مَكانَه حتى إنّه مرّةً كانَ أخي مع شيخِنا، قال أخِي زُرنَا رَجلًا كَبِيرًا فجَاءَ بما يُضيّفُنا ونظَرَ الشّيخُ إليَّ وقالَ: خُذْ عَنه، فأَخَذْتُ عَنهُ وقُمنَا بالضّيَافَة. وإذا جَاءَ الكَبِيرُ قَامَ لهُ وصَافحَه وقَبّلَهُ وأَقْعَدَه في مَكَانٍ يَلِيقُ بحَالِه ولاطَفَه وسَأَلَه عن حَالِه وصِحّتِه وأهلِه وطلَبَ مِنَّا أن نُكرمَه بالضّيَافةِ عمَلًا بحديث “مَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكرِم ضَيْفَه”رواه البخاري ومسلم وأحمد والبزار والبيهقي والحاكم والطبراني وغَيرهم. وكانَ يَطلُبُ مِن أَخِي أنْ يَذهَبَ للكِبار ويزُورَهم ويُسَلّمَ لهُ علَيهم ويُرسِلُ لهم الهدايا، وكانَ شَيخُنا مِن تَواضُعِهِ يَطلُبُ مِن بَعضِ طُلّابِه أنْ يَرقُوه بالفَاتِحَة سَبْعَ مرَّاتٍ وأحيَانًا يَطلُبُ مِن بَعضِهم أن يَرقيَهِ بالفَاتحَة سَبْعَ مَرّاتٍ صَباحًا وسَبْعَ مرَّاتٍ في ءاخِر النّهَار وأنْ يَفعَلَ ذلكَ سَبعَةَ أيّام، وكانَ إذَا علِمَ بمرضِ أحَدِ طُلّابِه رَقَاهُ وإذا غَابُوا سَألَ عَنهُم وزَارَهُم، وإنْ كانَ في شِدّةِ المرض كَلَّمَهُم بالهاتف ودَعَا لهم وجَبَرَ خَاطِرَهم، وإن كانوا بحَاجَةٍ للمَالِ أَرسَلَ لهم مِن غَيرِ أنْ يَسأَلَهم.(وكانَ شَيخُنَا يُرسِلُ الهدَايا لِطُلّابِه خُصُوصًا مَن كَبِرَ مِنهُم وإذا ماتَ أحَدٌ مِنهُم يُرسِلُ المالَ والهدَايَا لأَهْلِه)
مَرّةً مَرِضْتُ مَرَضًا شَدِيدًا فخَافَت أُمّي عَليّ فأَخَذْتني إليهِ فنَظَر إليَّ وقال: أصَابَتْهُ عَينٌ، ثمَّ رَقَاني فلَمّا رَقَاني تقَايأتُ،
وكانَ شَيخُنا رحمَه اللهُ يَصبِرُ على الجَاهِل رَجاءَ أن يَصطَلِحَ حَالُه ويُعلّمُ الإنسَانَ بقَدرِ ما يُرجَى أنّه يَقبَل، وكانَ يَسألُ طُلّابَه عَمّن غَابَ منَ الطَّلَبةِ فإنْ لم يَلْقَ جَوابًا يَعتِبُ على طُلّابه قَائلًا: مَا تَسأَلُونَ عن أخِيكُم؟
وأصَابَ شيخَنا ذاتَ يَوم مَرَضٌ شَدِيدٌ يُقَالُ لهُ النّارُ الفَارسِيّةُ وهوَ مَا يُسَمَّى اليَوم بزُنّار النّار فأرادَ الخرُوجَ للتّدريس وهوَ في هذه الحال فقَال أحَدُ الطّلَبَة: مَولانا أنتَ مَرِيض، فقَال: هنَا أَلم وهنَاكَ أَلم.
وكانَ أخِي الشيخ نبيل إذَا أرَادَ السّفَرَ للدّراسَة في أزهَرِ مِصْر قَام الشّيخُ مُوَدّعًا لهُ إلى الباب، وكانَ عمُرُ أخِي نَحو سِتَّ عَشْرةَ سنَةً، وكانَ الشّيخُ يقولُ له: لولا مرَضِي لرَافَقتُكَ إلى المطَار.
وأمّا يومُ الأحد فكانَ بالنّسبَةِ لشَيخِنا رحمه الله كغَيرِه مِنَ الأيّام فالشّيخُ دائمًا في هِمّةٍ عَالِيَة للخَيرِ والتّدريس، لكنَّ حضُورَ النّاسِ إلَيهِ يَختَلِفُ عن باقِي الأيّام لأنَّ عَادَةَ أهلِ بلادِنا أنّهم يَخرُجُونَ يومَ الأحَد للتّنَزُّه، وهَذه العَادَةُ لم تَكُن تُعجِبُ شَيخَنا، فيَكونُ عندَه وَقتٌ أكثَرُ للنّظَرِ في كُتُبِ أَهلِ الحَقِّ والنّظَرِ في كُتُبِ أَهلِ الضَّلال ليُحَذِّرَ منها وللتّأليفِ، ويَزيدُ في صَلَواتِ النّافِلَة، ولا يَخرُجُ للنُّزهَةِ في يومِ العُطلَة كعَادَتِنا، وإنّما كانَ يَخرجُ في أوقَاتٍ مُختَلِفَة للرّياضَة ثم يجلِسُ في مَكانٍ يَنظُرُ فيهِ إلى البَحْرِ أو إلى النَّهْر أو إلى الأشجَار، عَمَلًا بقَولِ سيّدنا عَليّ عليه السلام: “رَوّحُوا القلُوبَ سَاعَةً فسَاعَة”مَعنَاهُ أرِيحُوها، إذا تَعِبَ يَرتَاحُ ثمّ يَعُودُ يَعمَلُ ثمّ يَرتَاحُ وهَكَذا، وكانَ يَقُول: إذَا لم أَخرُج للرّياضَةِ أَمرَض، وكانَ يَقُول: كَثِيرٌ مِنَ الأمراض تَندَفِعُ بالرّيَاضَة.
(عن أنس أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال:”رَوّحُوا القُلُوبَ سَاعَةً بسَاعَة” أخرجه القضَاعيّ في مُسنَد الشّهاب ورواه الدَّيلَميّ)

يقولُ ابنُ أُختي أيمن في يَومِ أحَدٍ صَباحًا كنتُ أنَا وصَدِيقي سامي القاضي الذي يَخدِمُ شَيخَنا نتَحَدَّثُ واتّفَقنا على الخرُوجِ الأحَدَ الذي يَلِيهِ للنُّزهَة، ثم خَرجَ شَيخُنا مِن غُرفَتِه وكانَت السّاعةُ نَحوَ العَاشِرَة، فنَظَرَ فلَم يَجِد سِوَانا، فسَأَل عن بَعضِ مَن عَادَتُه الحُضُورُ ضُحًى، وأَجَبْنَاهُ بأنّنَا لا نَعرِفُ أينَ هُم، فقَال: مَا هَذهِ العَادَةُ في بلادِكم يَومَ العُطلَةِ يَذهَبُونَ للنُّزهَة، ما هَذه العادة؟! وقالَ في بلادِنا في يومِ العُطلَة يَأخُذُونَ الأولادَ لزِيَارَة القُبُور أو للمُكْثِ في المسجِد، ما هذه العَادةُ عندكم؟!
قالَ ابنُ أُختي فقَرَّرتُ أنا وصَدِيقي إلغَاءَ مَشرُوعِنا.
وقالَ ابنُ أُختي أَيمن مَرّةً أَرَدتُ الخُرُوجَ إلى العَمَل فلَمّا وَصَلتُ إلى الباب خَرَج الشّيخ مِن غُرفَتِه وقالَ ليْ: تَمهَّل، مَعَك وَقتٌ، فقُلتُ: نَعَم، فقال: تَعَال، ودَخَل إلى المطبَخ، وقالَ لي: اعْمَل الدُّوسميّ (أي نَبِيذَ العَسل أي الماءَ معَ العَسَل) واحِدَةً ليْ ووَاحِدَةً لكَ، وبَعدَ أن عَمِلتُها قالَ ليْ: اجْلِس، فشَرِبتُ أنا وهوَ، ثم قالَ ليْ: الآنَ إنْ شِئتَ تَذهَبُ إلى العَمَل.

الشرح : بصوت الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشريف حفظه الله تعالى.

https://t.me/habibabrlt6/2169

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading