أنس المجالس ج ٤
شيخنا رحمه الله.
4- مَرةً ابنُ أُختي أيمنُ أصَابَتْه عِلّةٌ في ركبَتِه فصَار يُحسُّ بأَلمٍ عندَ كَثرَةِ الوقُوفِ أو المشْي، وفي ءاخِر مَرّة دَهَن للشَّيخِ فيها أطَالَ الوقُوفَ فصَارَت رجلُهُ تؤلمه، فقالَ لهُ الشّيخ: يَكفِي، الآنَ ادْهَنْ رِجْلَك، قالَ: فظنَنتُه طَلَبَ أنْ أدهَنَ لهُ رِجلَه لأنّني لم أُخبِرْه بأَلمي، فبَدَأتُ برجْلِه فقَال: رِجْلَكَ رِجْلَكَ، وأشَار بيَدِه إلى ركبَتي حيثُ مَوضِعُ الألم، قال فأَخَذتُ زيتًا مِن ظَهرِه ومسَحـتُ بهِ مَوضِعَ العِلّة فذهَبَتِ العِلّةُ بفَضْلِ الله تعالى.
وكانَ شَيخُنا رحمه الله قبلَ نَومِه أحيَانًا يتَريَّضُ وهوَ يَذكُرُ اللهَ، وأَحيَانا كانَ يَقُولُ وهوَ يمشِي: ربّ اغفِرْ ليْ ولِوَالِدَيَّ وللمؤمنِينَ والمؤمِنَات.
وكَانَ شَيخُنا رضيَ الله عنه عَاملًا بحَديثِ “أَطْعِمِ الطّعَامَ وأَفْشِ السَّلام وصَلِّ باللَّيل والنّاسُ نِيَامٌ”رواه البزار والبيهقيّ. فكَانَ كَثِيرَ الإطعَامِ لمن عِندَهُ كَثِيرَ الإفشَاءِ للسَّلام مواظِبًا على قِيامِ اللّيل ولو كانَ في شِدِّةِ مَرضِه، فكانَ مِن عَادَتِه أنّه يَستَيقِظُ قَبلَ دُخُولِ الفَجْر بنَحْوِ سَاعةٍ أو أقَلَّ فيَتَوضّأُ ويصَلّي مَا شاءَ اللهُ لهُ أن يُصلّيَ ويَنتَظِرُ دُخُولَ الفَجْرِ فإذَا تَأكَّدَ مِن دُخُولِ الوَقتِ بدَأ بالتّحَصُّن ب “بِسم الله الذي لا يَضُرُّ مَع اسمِه شَىءٌ في الأرض ولا في السّمَاء وهو السّمِيعُ العَلِيم” ثلاثَ مرّاتٍ. رواه البخاري في الأدب المفرد والبزار والنسائي والحاكم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان وأحمد ، ثم تُقَامُ الصَّلاةُ فيُصَلّي، فإذَا أَنْهى صَلاتَه قَرأ بعضَ الأورادِ الواردَةِ التي يُدَاوِمُ علَيها والتي مِنها “حَسبيَ الله لا إلهَ إلا هوَ علَيه توكّلتُ وهوَ ربُّ العَرشِ العَظِيم” (سبعَ مرات) رواه أبو داود. وذكرَ اللهَ وجَلَسَ يَنتَظِرُ صَلاةَ الضُّحَى، وفي انتِظَارهِ يَشتَغلُ أيضًا بالعِلْم بمطَالعَةِ كتُبِ أهلِ السُّنّة حتى يَدخُلَ وقتُ الضّحَى فيُصَلّي صلاةَ الضُّحَى فيَكونُ عامِلًا بحديثِ “مَن صَلّى الغَداةَ في جَماعةٍ ثمّ قَعَدَ يَذكُرُ اللهَ حتى تَطلُعَ الشّمسُ ثم صَلّى ركعتَين كانت لهُ كأَجْر حَجّةٍ وعُمرَةٍ تَامَّةٍ تَامّةٍ تَامّة” رواه الترمذيُّ. ثم يَستَلقِي شَيخُنا قَلِيلا والسُّبْحَةُ تَدُورُ في يَدِه وهوَ يُهلّلُ ويَستَغفِرُ وأحيَانًا ينَامُ قَليلًا ثم يَستَيقِظُ ويَشتَغِلُ بالذّكْر، ثم يَجلِسُ مع طُلّابهِ فيَسأَلُونَه عَمّا عُرِضَ علَيهِم مِن مَسَائل، وعندَ نحوِ العاشِرَة يَأكُلُونَ مَعَه، وقَبلَ أنْ يَبدَأ بالأكلِ يَغسِلُ يَدَهُ وغَالِبُ أَكْلِه كمَا ذَكَرْنا سَابقًا خُبزٌ ومَرَقٌ وأحيَانًا هِندَباء، ثم يَغسِلُ يدَه، ثم يمشِي خُطًى بعدَ الطّعامِ، ويَستَاكُ ويخَلّلُ بالخِلال، ثمَّ بعدَ ذلك يبدأُ المريدونَ بقراءةِ الكتُب على الشّيخ وكانَ يُقرأُ عليه أحيانًا في مجلِسٍ واحِدٍ في ثمانيَةِ كُتُب بَعضُها في التّفسِير وبَعضُها في الحَديث وبعضُها في الفِقْه وبَعضُها في الأصُول وبَعضُها في النَّحْو وبَعضُها في السّيرَة وبَعضُها في غَيرِ ذلكَ فَإذا دَخَلَ الظُّهْرُ أمَرَ بالتّأَكُّدِ مِن دُخُولِ الوَقتِ فإنْ كانتِ الشَّمسُ ظَاهِرَةً أمَرَ بمراقَبَةِ الظّلِّ هَل مَالَ عن وَسَطِ السّمَاء، فإذا تَأكّدَّ مِن دُخُولِ الوقتِ أمَرَ بالأذَان، فإنْ كانَ عِندَه مَن هوَ قَويُّ الصّوتِ حَسَنُه طَلبَ منهُ أنْ يؤذّنَ، ثمَّ يُصَلّي الرّاتِبَة ويَأمُرُ بصَلاتها ثم الإقَامَة، ومَا بَينَ الأذانِ والإقَامَةِ يَشتَغِلُ بالذّكْرِ والدُّعَاء لأنَّ هَذا مِنَ الأوقَاتِ التي يُستَجَابُ فيها الدُّعَاءُ (ففي الحديثِ “الدُّعَاءُ بَينَ الأذَانِ والإقَامَةِ لا يُرَدُّ ) . رواه أبو داود، ثم يُصَلّي مع المحَافظَةِ على السّواك قَبلَ الدّخُول في الصّلاة، وكانَ يُحافِظُ في أكثَرِ الأحيَان على لُبسِ القَلَنسُوَةِ والرّدَاءِ في أثناءِ صَلاتِه، فإذَا أَنْهى الصلاةَ اشتَغلَ بالذِّكرِ والدّعاء عَملًا بحديثِ “أَسْمَعُ الدُّعَاءِ مَا كانَ في جَوفِ اللَّيلِ ودُبُرَ الصّلَواتِ المَكتُوبات”رواه الترمذي.
(عن أبي أُمَامَة رضي الله عنه قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم * أيُّ الدُّعاءِ أَسمَعُ قال “جَوفُ اللّيلِ الآخِر ودُبُرَ الصّلَواتِ المَكتُوبَات”رواه النسائي والترمذي وقال هذا حديث حسن.)
ثم يصلّي الراتبةَ البَعديّة ثمَّ يشتغلُ كعادَتِه إمّا بإعطَاءِ دَرسٍ أو بالإجابةِ على أسئلةٍ أو بإقراءِ مَن لم يقرأ بعدُ مِنَ المريدِينَ الذين يَقرؤون عادَةً، ثم يَستَلقِي قَليلًا ويجلِسُ أحيانًا في الشّمس ليَنتَفِعَ بحَرارتِها.
وخِلالَ هذا الاستِلقَاءِ أو الجلوسِ يَسأَلونَه ويَستَشِيرُونه إلى دخُولِ العَصر فالأذانُ والإقامَةُ ثم الصّلاة، وأحيانًا يكونُ دَرسٌ عامٌّ لمن يَسّرَ اللهُ لهُ أن يجتَمعَ في بيتِ الشّيخ، وبعدَ الدّرسِ المسَائلُ والاستشَارات والتّعَرّف إلى بعض النّاس ويُقرِّبُ الجَديدَ إليه، وإنْ كانَ كبِيرًا في السِّنِّ جَلبَ لهُ كُرسِيًّا وأجْلَسَهُ بقُربِه، وكانَ مِن عَادَتِه أنْ يُقَدّمَ للضُّيُوف الشَّايَ بالحليب، وكثِيرًا ما كانَ شَيخُنا يُدَرّسُ كلَّ يَوم دَرسَينِ أو ثلاثَةً أو أكثَر غَيرَ ما يُقرأُ علَيه، ومرَّةً أعطَى نَحو ثمانيةِ دُروسٍ متَواليَة، ثم قالَ لهُ أخِي الشيخ نَبيل لو تَرتَاحونَ قليلًا، فقال :نعَم، فدَخلَ إلى الغُرفةِ واستَلقَى دقائقَ، ثم قَامَ وقالَ: نَعُودُ إلى النّاس، فقَال له أخِي: بَعدُ ما ارتَحتُم، فقال: النّاسُ يَنتَظِرُونَنا.
ثم بَعدَ نَحوِ السّادِسَةِ والنّصْف يتَهَيّأُ شَيخُنا لصَلاةِ المغرب وبَعدَ الصّلاةِ أيضًا ذِكْر وسِوَاك، وكانَ مُحَافظًا بعدَ صَلاةِ المغربِ وبعدَ صَلاةِ الفَجْر على قَولِ “لا إله إلا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمدُ يُحيِي ويُمِيتُ وهوَ على كُلِّ شَىءٍ قَدِير” عَشرَ مَرّاتٍ وهوَ ثَانٍ ركبَتَيه قَبلَ أن يقومَ مِن مَجلِسِهِ.
(عن أبي أيّوبَ الأنصَاريّ رضي الله عنه عن النّبيّ صَلّى الله عليه وسلم قال : مَن قَالَ حِينَ يُصبِحُ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَرِيكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمدُ يُحيِي ويُمِيتُ وهوَ عَلى كُلّ شَيء قَدِير” عَشْر مَرّاتٍ كُتِبَ لهُ بكُلّ واحِدَةٍ قَالَها عَشْرَ حَسَنات ورفَعَه اللهُ بها عَشْرَ دَرَجَات وكُنَّ لهُ كعَتْقِ عَشْرِ رِقَاب وكُنَّ لهُ مَسْلَحَةً مِن أوّل النّهَار إلى آخِره”رواه الطبراني والترمذي والنسائي وأحمد.(مَسْلَحَةً أي سِلاحًا يَحفَظُه)
وكذلكَ كَانَ يقولُ “اللّهُمَّ أَجِرْني منَ النّار” سبعَ مَرّاتٍ عَقِبَ صلاةِ المغرِب وصَلاةِ الصُّبْح،
(عن الحارث بنِ مُسلِم أنّه أخبرَه عن أَبيه مسلم بنِ الحارث التّمِيميّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه أَسَرَّ إلَيه فقال “إذَا انْصَرَفْتَ مِن صَلاةِ المَغرِب فَقُل اللّهُمّ أَجِرْني مِنَ النّار سَبعَ مَرّاتٍ، فإنّكَ إذَا قُلتَ ذَلكَ ثُمّ مِتّ في لَيلَتِكَ كُتِبَ لكَ جِوارٌ مِنها وإذا صَلّيتَ الصُّبْح فقُل كذلكَ فإنّكَ إنْ مِتَّ في يَومِكَ كُتِبَ لكَ جِوارٌ منها”رواه أبو داود والطبراني والنسائي وابن حبان ) (جِوار أي خَلَاص).
الشرح : بصوت الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشريف حفظه الله تعالى.
أنس المجالس ج٥
شيخنا رحمه الله.
5- ثم في قريبِ السّابعَة يوضَعُ الطَّعام فيَدعُو شَيخُنا الكبيرَ والصّغِير والضّيفُ مُقدَّمٌ على غَيرِهِ، ويَدفَعُ شَيخُنا بما طَابَ مِنَ الطّعامِ إلى غَيرِه ويترُكُ لنَفسِهِ الخبزَ والمرَقَ والزّيتَ والعَسَل، وإن كانَ عندَه ضُيُوفٌ جَاؤوا مِن سَفَرٍ يَشتَري لهم طَعامًا خَاصًّا لإكرامِهم يَكُونُ فيهِ أحيانًا مِن أنواعِ اللّحْمِ المشْويّ، وبَعدَ الطعامِ يَحمَدُ اللهَ كثيرًا ويقول “الحَمدُ للهِ الذي أطْعَمَ وسَقَى وسَوَّغَه وجَعَلَ لهُ مَخرَجًا”رواه النّسّائي والطبراني وأبو داود وابن حبان.
ويقولُ “الحَمدُ للهِ الذي أطْعَمَني هذَا الطّعامَ ورَزَقَنِيهِ مِن غَيرِ حولٍ مِنّي ولا قُوَّة”رواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه والترمذي والبيهقي،
ويَمشِي في البَيتِ بَعدَ الطّعَامِ خَطَواتٍ نَحوَ أربعينَ أو أكثَرَ لأنّ بَعضَ الأطبَّاءِ العَرب أشَارُوا علَيهِ بذلك، ثم يَجلِسُ لمؤانَسَةِ مَن حَلَّ ضَيفًا، ثمَّ في نَحوِ الثّامِنَةِ يُصَلّي شَيخُنا العِشَاءَ بمن بقِيَ في البَيتِ وكالعادَةِ الذِّكرُ والسّواكُ يُرافِقَانه، وبعدَ العشَاء يُصلّي ركعتَين ثمَّ يُوتِرُ برَكعَة، وأحيَانًا يُصَلّي أكثرَ مِن ذلكَ، ويَدخُلُ غُرفتَهُ للرَّاحَة فيَقرأُ سُورَةَ الملكِ وهو مُستَلقٍ في فِراشِه، ثم بعدَ نحوِ نصفِ ساعَةٍ يَخرجُ شيخُنا ولا يكونُ قَد بقِيَ في البَيتِ عادَةً إلا مَن يَبِيتُ عندَهُ مِن خَدَمٍ أو ضَيْف، وهنَا يَطلُبُ الدُّوسْمي أي الماءَ مع العَسَل لأنّه يُريدُ ما يُنشّطُ لعَملِ اللّيل، فيُطَالعُ في الكتُب إلى قَريبِ الواحِدَةِ لَيلًا وأَحيَانًا إلى الثّانيَةِ ويتَخَلَّلُ هذه القِراءَةَ أيضًا مَسَائلُ واستِشَارَاتٌ وذِكْرٌ وأحيَانًا يُدخِلُ مَن عِندَه سفَرٌ للودَاع، وفي قَريبِ الثّانيَةِ يَدخُلُ شَيخُنا الغُرفَة ليَرتَاح، فيَستَلقِي والسُّبحَةُ تَدُورُ في يَدِهِ مع التّهليلِ والاستِغفَارِ وغَيرِ ذلك، ثم يَنامُ قَلِيلًا (ونَومُه كمَا السُّنّةُ يَنَامُ على جَنبِه الأيمنِ واضِعًا كَفَّهُ الأيمنَ تَحتَ خَدِّه الأيمن) وكُلَّما استَيقَظَ في اللّيل ذَكَرَ الله، ومِن جُملَة مَا يَقُول “لا إلهَ إلا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ رَبُّ السّمَاواتِ والأرضِ ومَا بَينَهُما العَزِيزُ الغَفَّار “رواه النّسَائيّ والحاكم.
(وذاتَ مَرّةٍ كُنتُ معَ الشَّيخ وقَدْ جَاءَه كِتَابٌ مَخطُوطٌ في الحَديثِ فَسَهِرَ اللَّيلَ كُلَّهُ حتى أنهى الكتابَ كُلَّهُ وقَالَ: الحَمدُ لله الآنَ نَنام، فقُلتُ لهُ: دَخَلَ الفَجرُ، فقَال لي: إذًا نُصَلّي ثم نَنَام، لم يَشعُر رضيَ اللهُ عَنهُ بمرُور الوقت مِن شِدَّةِ استِغرَاقِه وحُبّه للعِلْم)
فكأَنَّه لا يَنَامُ معَ كِبَرِ سِنِّهِ وكَثْرَةِ أمراضِهِ وكَثرَةِ تعَبِهِ في النّهَار، لا ينَامُ إلا وَقتًا قليلًا، فإذا صَارت الساعة نحوَ الرّابعة قامَ لصلاةِ الليل، كلُّ هذا يدُلُّ على عُلوِّ شأنه، فالاستقامةُ كما قال العلماء عينُ الكرامة، وكانَ شيخنا يقولُ لطلّابِه: يا أهلَ العافِيَةِ صَلُّوا السُّنّةَ. فيَنبَغِي لَنَا إن لم نَكُن كشَيخِنا أن نتشَبّهَ به، ومَن قرأ سِيرَةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَرفَ أنّ شَيخَنا كانَ شَديدَ الاتّباعِ والتّشَبُّهِ به.
الشرح : بصوت الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشريف حفظه الله تعالى.

اترك رد