العَاقِلُ يُفَكِّرُ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ. فَيَسْأَلُ نَفْسَهُ: هَلْ هَذَا يُرْضِي اللهَ فَأَفْعَلُهُ؟ أَمْ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَأَتْرُكُهُ؟ أَمْ مُبَاحٌ لَا نَفْعَ فِيهِ فَالأَوْلَى تَرْكُهُ.
حَتَّى المُبَاحَاتُ كَتَرْدِيدِ أُغْنِيَةٍ لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا، الأَفْضَلُ تَرْكُهَا وَاشْتِغَالُ اللِّسَانِ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا: ذِكْرُ اللهِ.
فَاعْمَلْ بِوَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ». وَكَانَ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ: مَاشِيًا، وَجَالِسًا، وَذَاهِبًا وَرَاجِعًا.
فالصَّالِحِينَ كَانُوا يَحْفَظُونَ أَوْقَاتَهُمْ فَلَا يُضَيِّعُونَهَا، لِأَنَّ العُمُرَ رَأْسُ المَالِ وَلَا يَعُودُ. فَيَمْلَؤُونَ أَيَّامَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالعِلْمِ وَالطَّاعَةِ.
فَالعَبْدُ المُوَفَّقُ مَنْ رَاقَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ الفِعْلِ، وَاغْتَنَمَ وَقْتَهُ بِذِكْرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، لِيَلْقَى اللهَ وَقَدْ أَحْسَنَ اسْتِثْمَارَ عُمُرِهِ.
بصوت فضيلة الشيخ الدكتور نبيل الشريف حفظه الله تعالى وجزاه عنا خير الجزاء
مِمَّا يُروى في الحكمة والموعظة البالغة ما ذكره الإمام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وكان من كبار الحفاظ والفقهاء والوعاظ، وقد أفاض الله عليه من العلم والفهم ما جعله من أبرز من وعظ الناس وأرشدهم إلى قيمة الأعمار وخطورة تضييع الأوقات.
يقول رحمه الله: ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسُّب بكثرة ماله
أي أن الله تعالى وسَّع على بعض الناس في الرزق ، فلم يعودوا محتاجين إلى الانشغال بطلب المعاش، ولكنهم مع ذلك لم يستثمروا هذه النعمة فيما ينفعهم عند الله تعالى، بل ضاعت أوقاتهم فيما لا فائدة فيه.
ثم يذكر رحمه الله بعض ما رآه من أحوال الناس ، فيقول فإن بعضهم كان يقعد في الأسواق أكثر النهار، يراقب المارة وينظر إلى الناس ، تمر أمامه المنكرات والآفات فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وكأن عمره خُلق لمجرد المشاهدة والتفرج.
ويقول: آخرين كانوا يخلون إلى اللعب بالشطرنج ساعات طويلة ، وليس المقصود هنا بيان حكم الشطرنج، وإنما المقصود التنبيه إلى أن المؤمن ينبغي أن تكون همته عالية، فلا يستهلك أوقاته الثمينة فيما لا يعود عليه بنفع في دينه أو دنياه.
ثم يذكر صنفًا آخر من الناس، فيقول:
ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين والغلاء والرخص.
وهذا أمر لا يزال يتكرر في كل عصر؛ فالناس يجلسون الساعات الطويلة يتحدثون عن ارتفاع الأسعار، وأخبار التجار، وأحوال الحكام، وتقلبات الأسواق، ثم ينصرف المجلس دون فائدة دينية أو علمية أو عمل صالح.
فلو سأل الإنسان نفسه: ماذا استفدت من هذه الأحاديث الطويلة؟ هل حصلت حسنة ؟ هل تعلمت علمًا نافعًا؟ هل أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر؟ هل ازددت قربًا من الله تعالى؟ لوجد أن كثيرًا من هذا الكلام مجرد ملء للوقت وإضاعة للعمر.
ولهذا ختم الحافظ ابن الجوزي كلامه بكلمة عظيمة ينبغي أن تُكتب بماء الذهب، فقال: “فعلمت أن الله تعالى لم يُطلع على شرف العمر، ولا على قدر أوقات العافية، إلا من وفقه الله وألهمه اغتنام ذلك.”
أي أن معرفة قيمة العمر نعمة من الله تعالى، وليست كل الناس يرزقونها. فكثير من الناس يعيش السنوات الطويلة وهو غافل عن حقيقة الحياة، أما الموفَّق فهو الذي يدرك أن كل يوم يمر لا يعود، وأن كل ساعة تنقضي هي جزء من رأس ماله الحقيقي.
فينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه في نهاية يومه : ماذا قدمت اليوم لآخرتي؟ كم من الوقت ضاع في كلام لا فائدة فيه؟ كم من ساعة استُعملت في طاعة الله؟ هل ازددت علمًا أو عملًا صالحًا؟ هل نفعْتُ مسلمًا أو دفعتُ منكرًا أو نشرتُ خيرًا؟ فمن أكثر من هذه المحاسبة عرف قيمة عمره، وسهل عليه اغتنام أيامه قبل أن تنقضي.
نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمارنا، وأن يرزقنا معرفة قدر الوقت، وأن يجعل أوقاتنا عامرة بطاعته، وأن لا يجعل شيئًا من أعمارنا يضيع فيما لا ينفع.
بصوت فضيلة الشيخ الدكتور نبيل الشريف حفظه الله تعالى وجزاه عنا خير الجزاء
تَابِعُوا قَنَاتَنَا : عِلْمُ الدِّينِ يُؤخَذُ من أهل العلم الثقات بالسماع وليسَ بالمُطَالَعَةِ في كتبهم
لا فلاح إلا بتعلم أمور الدين
قناةُ عِلْمُ الدِّيِن حَيَاةُ الإِسْلام دُرُوس مُحَررَة
https://t.me/alameddine
اللهمّ فقهنا في الدّين واجعلنا خدّامًا له ءامين

