الحق الذي لا محيد عنه في مسألة القدر هو اعتقاد أن كل ما يدخل في الوجود من أعيان وأعمال أي حركات وسكنات حتى الخواطر القلبية والنوايا والقصود والإدراكات كل ذلك لا يدخل في الوجود إلا بقدرة الله الأزلية وتخليقه، أي أن الله تعالى هو الذي يخلق هذه الأعيان أي الأجسام الصغار والكبار والحركات والسكنات الاختيارية وغير الاختيارية كل ذلك لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، لا فرق في ذلك بين العمل الاختياري للإنسان وبين العمل الغير الاختياري، ولنا معاشر أهل الحق دلائل نقلية أي من القرءان والحديث وبراهين عقلية على ذلك، أما أولئك الآخرون من معتزلة ومن شابههم فليس عندهم برهان عقلي ولا أدلة شرعية إنما هم يتشبثون بشبه يتوهمون أن هذه الآية تشهد لهم وأن العقل يشهد لهم على زعمهم، أما من حيث الحقيقة فالدليل العقلي مع أهل الحق أهل السنة والجماعة الذين هم على ما عليه الصحابة وقد ذكرت لكم ما قاله أعيان السلف من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم من التابعين.
والآن نسرد شيئا من ذلك من كتاب الإمام أبي بكر البيهقي رحمه الله المتوفى في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا المعروف بجلالته في علم الحديث ورسوخ قدمه في معرفة الأحكام الشرعية والزهد والورع، كان محدث عصره، قال بعض المحدثين الذين هم من أهل القرن السابع الهجري وهو الحافظ أبو سعيد العلائي قال عن البيهقي: إنه لم يأت بعده مثله ومثل الحافظ الدارقطني ولا من يقاربهما، يعني: أنه لم يأت بعد البيهقي والدارقطني وهما كانا في عصر واحد من يساويهما ولا من يقاربهما في علم الحديث.
قال المؤلف رحمه الله: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم [قال عليه الصلاة والسلام: «كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شىء ثم خلق السموات والأرض» فقوله «وكتب في الذكر كل شىء» يدل على أن القلم الأعلى هو ثالث مخلوقات الله تعالى].
الشرح يجب على كل المكلفين الإيـمان باللوح والقلم، واللوح هو عبارة عن جرم علوي [ليس كألواحنا]،
قيل هو تحت العرش وقيل فوقه
[قال بعض العلماء اللوح المحفوظ فوق بعض العرش منفصلا عنه ليس متصلا به]،
وأما القلم فهو جرم علوي [ليس كأقلامنا]، خلق قبل اللوح ثم خلق اللوح فأمر بأن يجري على اللوح،
فجرى بأمر الله تعالى فكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة [روى أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة»، ثم هذا الحديث جمع بينه وبين ما قبله بأن أولوية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش]،
قال الله تعالى: ﴿وكل شىء أحصيناه في إمام مبين﴾ [سورة يس/12]، فعلم الله غير متناه، أما المكتوب في اللوح المحفوظ شىء متناه، واللوح ليس فيه تفاصيل ما يقع في الآخرة لأن هذا الشىء لا نهاية له.جرى القلم بقدرة الله ومن غير أن يمسه أحد من الخلق وسطر في اللوح المحفوظ كل ما سيكون في العالم حتى نهاية الدنيا،
خلق الله تعالى القلم الأعلى بعد خلق الماء والعرش وهو ثالث المخلوقات، وهو جرم عظيم جدا على شكل نور، ثم خلق الله تعالى بعد القلم الأعلى اللوح المحفوظ وهو رابع المخلوقات، قال بعض العلماء إنه فوق العرش، وقال بعضهم إنه تحت العرش. وجرمه عظيم جدا مقداره ومساحته مسيرة خمسمائة عام، طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب.
وقد أمر الله القلم أن يجري على اللوح المحفوظ فجرى بقدرة الله ومن غير أن يمسه أحد من الخلق وسطر في اللوح المحفوظ كل ما سيكون في العالم حتى نهاية الدنيا، وهذا معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة».
والدليل من القرءان الكريم على أن كل شىء كائن في هذا العالم حتى يوم القيامة مسجل في اللوح المحفوظ هو قوله تعالى: ﴿وكل شىء أحصيناه في إمام مبين﴾ [سورة يس/12]، ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» رواه مسلم.
بعد أن خلق الله تعالى الماء والعرش خلق القلم الأعلى ثم اللوح المحفوظ ثم سائر المخلوقات.
القلم الأعلى واللوح المحفوظ: ورد فى وصف اللوح المحفوظ أنه من درة بيضاء حافتاه ياقوتة حمراء عرضه مسيرة خمسمائة عام.وهو فوق السموات السبع.
أمر الله تعالى القلم أن يكتب فجرى بقدرة الله تعالى من غير أن يمسكه أحد من خلقه فكتب على اللوح المحفوظ ما كان وما يكون فى الدنيا إلى نهايتها. ثم بعد ذلك بخمسين ألف سنة خلق الله السموات والأرض فى ستة أيام فلا يولد إنسان ولا تنزل قطرة ماء من السماء إلا على حسب ما كتب فى اللوح المحفوظ.
قال الإمام الهررى رضى الله عنه اللوح المحفوظ كتب الله فيه كل شىء يصير إلى نهاية الدنيا، أما ما بعد الحياة الدنيا فاللوح المحفوظ لا يحويه لأن الحياة الآخرة لا نهاية لها. وورد فى الأثر أن اللوح المحفوظ مساحته مسيرة خمسمائة عام.
كتابته ليس ككتابتنا القلم بقدرة الله جرى قبل أن تخلق الملائكة، لم يكن يوجد إلا هؤلاء الأربعة الماء والعرش واللوح المحفوظ والقلم.
آيات وسور جاء فيها ذكر اللوح المحفوظ عند المفسرين
تفسير سورة القدر
قال الله تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر} عظم القرءان حيث أسند إنزاله إليه دون غيره، ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه، روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة
تفسير سورة الطلاق من الآية واحد إلى الآية عشرة
{ذلك أمر الله} [أي: هذا كله من أول السورة إلى ههنا أمر أمركم الله تعالى به] {أنزله إليكم} من اللوح المحفوظ {ومن يتق الله} في العمل بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه {يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [وهذا يعم هذا الأمر وغيره]
تفسير سورة المنافقون
{ولن يؤخر الله نفسا} عن الموت {إذا جاء أجلها} المكتوب في اللوح المحفوظ {والله خبير بما تعملون} المعنى أنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه وأنه هاجم لا محالة، وأن الله عليم بأعمالكم، فمجاز عليها من منع واجب وغيره، لم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله تعالى([13]). ([13]) بمعنى لقاء حسابه وجزائه.

