وقال الإمام الجويني أيضا: «فصل مشتمل على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها: ومما تمسكوا به أن قالوا: قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهدا، فلم نجد فاعلا ليس بجسم، بل استحال ذلك في الشاهد، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل. قالوا: وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالما من غير علم، لزم طرد ذلك شاهدا وغائبا. وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون: لما علمنا وجوب الوجود للفاعل منا، قضينا بذلك على كل فاعل. فإذا وجب ذلك في وصف الوجود، وجب في الذي تنازعنا فيه.
وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه:
أحدها أن نقول: قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد، وهذا مما تمنعون منه. فإن الفاعل عندنا: كل جوهر فرد، فلا تتصف جملة بأنها تفعل فعلا واحدا. وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها. فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاهد فهم منه ممنوعون، وعن الاستدلال به مدفوعون. ويتضح ما قلناه بأن نعلمهم أن الرب تعالى لو خلق جوهرا فردا، وخلق له الحياة والعلم والقدرة، لكان ذلك ممكنا جائزا.
واعلموا أنه ليس من فرق المجسمة من ينكر ذلك، وإنما أنكره المعتزلة دون غيرهم من أصحاب المذاهب. فوضح بذلك بطلان ما عولوا عليه من أمر الشاهد. ثم لو سلم لهم جدلا ما ادعوه شاهدا، وقلنا لهم: كل فاعل من المحدثين جسم فليس في ذلك مستروح. فإن ذلك وإن سلم لهم تقديرا، فلسنا نقول: إنما كان الجسم حيث كان فاعلا، فلم نوجب القضاء بذلك على كل فاعل.
ثم أقصى ما تمسكوا به رد الغائب إلى الشاهد من غير تحقيق جمع بينهما. والتمسك بهذه الطريقة يجر إلى الدهر والإلحاد ونفي الإله.
إذ لو قال قائل: لم نعقل فاعلا محسوسا إلا حادثا، فيجب طرد ذلك.
أو قال قائل: لم نشاهد بشرا إلا من نطفة ولا نطفة إلا من بشر، فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول، فلا يكون المجسم فيما ذكره أسعد حالا ممن يسلك هذه الطرق التي أشرنا إليها. وسنوضح إن شاء الله إبطال الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير علة ودليل وشرط وحقيقة إن شاء الله.
وأما ما أسندوا إليه كلامهم من إثبات العلم شاهدا وغائبا فساقط. فإنا لم نقتصر في ذلك على مجرد الشاهد، بل أقمنا الدلالة على كون العلم علة في كون العالم عالما. ثم من شأن العلة أن تطرد ولو لم تطرد لبطل كونها علة في كل صورة.
وأما الذي استروحوا إليه من الوجود فباطل. فإنا لم نتوصل إلى العلم بوجود البارئ من حيث وجب للفاعل منه الوجود، بل إنما أثبتنا ذلك بطرق نوضحها إن شاء الله في الصفات، منها: أن العدم نفي محض، والجمع بين تقديره وبين إثبات الصانع تناقض. فهذا سبيل الاستدلال، لا ما استروحوا إليه من وجود الشاهد.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: المعلومات تتقسم إلى ما يعلم اضطرارا، وإلى ما يعلم استدلالا. وما يعلم استدلالا يستند العلم به إلى المعلوم اضطرارا. فإن كل دليل عقلي ينتهي في مساقة إلى الضروريات بدرجة أو درجات.
قالوا: فإذا ثبت ذلك بنينا عليه مقصودنا وقلنا: العلم بالإله وكونه فاعلا ليس من خبر الضروريات، بل يستدل عليه بكون المحدث فاعلا. ثم من شـأن المدلول أن يشابه الدليل: إما من جميع الوجوه، وإما من بعض الوجوه. ومن المستحيل المصير إلى أن القديم سبحانه وتعالى لا يشابه المحدث الفاعل بوجه من الوجوه. فإنا لو قلنا ذلك، لزمنا منه نفي الوجود عن الإله، وذلك تعطيل. فإذا لم يكن بد من تثبيت المشابهة من بعض الوجوه، فينبغي أن يقال: ما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه يجب طرده في كل فاعل اعتبارا بالوجود، قالوا: والتركيب مما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه، فوجب طرده.
وهذا الذي ذكروه اقتصار على محض الدعوى. فمما اشتمل عليه كلامهم قولهم: إنا نستدل على كون القديم فاعلا بكوننا فاعلين، وليس الأمر على ما قدروه، فإن كون القديم فاعلا مخترعا يمكن الاستدلال عليه مع الإضراب عن الاستشهاد بالفاعلين المحدثين.
والسبيل في ذلك أن يقال: إذا ثبت جواز الفعل واستحالة وقوعه بنفسه، ثبت افتقاره إلى فاعل مخصص. فوضح بطلان قاعدة المشبهة.
ومما يشتمل عليه كلامهم مصيرهم إلى وجوب مماثلة الدليل المدلول، ولو من بعض الوجوه. وهذا جهل منهم بمواقع الأدلة . ولا غرو، فهم متطفلون بالتمسك بطرائق العقل، وقد يستدل بالعدم على الوجود، وبالوجود على العدم، فبطل قول من ادعى مماثلة المدلول الدليل.
ومما انطوى عليه كلامهم، وهو من أعظم الزلل في الدين، إفصاحهم بمشابهة الرب سبحانه وتعالى الفاعل المحدث من بعض الوجوه. وقد أبطلنا ذلك في باب التماثل. واسلك معهم – إن دعت الحاجة إلى تقرير ذلك – طريق القول بنفي الأحوال ليتبين في أوجه ما تقدر استحالة التماثل من وجه مع الاختلاف من وجه. ثم نقول: ألستم قلتم لا يجب مشابهة الدليل المدلول من كل وجه، فلم زعمتم أن التركيب من الوجوه التي يجب الاشتراك فيها؟ فإن رجعوا فقالوا: لا نعقل فاعلا ليس بجسم، فهو عود منهم إلى الشبهة الأولى. وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا.
ومما استدل به الكرامية أن قالوا: الموجود ينقسم إلى ما يقوم بنفسه، وإلى ما لا يقوم بنفسه، وليس بينهما منزلة ليست في أحدهما، كما أن الموجود لا يخرج عن أن يكون صفة أو موصوفا. قالوا: والقائم بالنفس هو المتحيز. وهذا الذي ذكروه لا محصول له.
أما قولهم: ينقسم الموجود إلى ما يقوم بنفسه وإلى ما لا يقوم بنفسه، فصحيح لا مناكرة فيه. وأما قولهم: القائم بالنفس هو المتحيز، ففي هذا أعظم التنازع. فلم قلتم إن القائم بالنفس هو المتحيز، فلا يرجعون عند هذه الطلبة إلى محصول إلا إلى التمسك بمجرد الشاهد، وقد أبطلناه.
ثم نقول: أنى يستقيم ذلك منكم معاشر الكرامية، وقد خرجتم عن المعقول، فأثبتم كائنا ليس بصفة ولا موصوف، وذلك أن من حقيقة أصلهم: أن ما يقوم بذات الله تعالى من الحوادث، تعالى الله عن قولهم، ليست بصفات. إذ لا يتصف القديم بها عندهم، بل يقوم به قول حادث وهو غير قائل به، وقد خرج عن أن يكون صفة له. والصفة ليست بموصوفة على أصولهم. فقد أثبتوا قسما بين الصفة والموصوف.
ومما نعارضهم به أن نقول: قد أثبتم بين القديم والمحدث رتبة خارجة من القسمين، فكيف تستبعدون قائما بالنفس خارجا عن صفة التحيز ولم تستبعدوا شيئا خارجا عن وصف المحدث والقديم؟
ثم نقول: إن كان مرجعكم إلى الشاهد، فكل ما لا يقوم بنفسه شاهدا عرض، كما أن الذي يقوم بنفسه متحيز. فإن لزم طرد التحيز في القائم بالنفس، لزم طرد وصف العرض فيما لا يقوم بنفسه، حتى يجب من ذلك الحكم بكون علم الله عرضا من حيث كان غير قائم بنفسه.
وقد ناقشهم بعض أئمتنا في إطلاق القيام بالنفس وقال: الجوهر ليس بقائم بنفسه، وإنما القائم بالنفس هو الله تعالى. وقد قال شيخنا أبو الحسن في بعض مناظراته مع البغداديين: لا حقيقة للقائم بالنفس شاهدا وغائبا. قال: وذلك رد على أسقف من أساقفة النصارى. واستدل على ذلك بأن هذه اللفظة لم يرد بها شرع، وهي غير سديدة في موجب الإطلاق، إلا أن يتجوز بها توسعا، وهي موهمة قياما. ولا معنى لمناقشتهم في العبارات ما دمنا نجد سبيلا إلى التعرض للمعاني.
ومما تمسك به جملة الكرامية أن قالوا: لو أخبر مخبر عن رؤية فاعل ليس بجسم، كان مستنكرا على الوجه الذي نستنكر قول القائل: رأيت السواد والبياض مجتمعين في المحل الواحد.
وهذا الذي قالوه خلف من القول لا محصول له، ويتبين الغرض فيه بتقسيم، وذلك أنا نقول: إن ادعيتم جريان المتنازع فيه واجتماع الضدين مجرى واحدا في الاستحالة، فإنكم منازعون فيه. وإن ادعيتم الجمع بينهما في محض الاستنكار فهو مسلم ولا مستروح. فإن خوارق العادات يستنكر وقوعها، وإن كانت من الجائزات المقدورات. ولو أخبر مخبر عن غيض البحار، وتقلع الجبال إلى غير ذلك من خوارق العادات، لا يستنكر قوله. ثم لم يتضمن ذلك إخراج ذلك من الجائزات.
ومما يوضح ذلك أن الكرامية والمجسمة، وإن وصفوا القديم بكونه جسما، تعالى الله عن قولهم، لم يصفوه بكونه صورة على ما ذهب إليه الغلاة من المشبهة.
ثم لو قال قائل: رأيت فعالا ليس بصورة ولا جوارح، كان ذلك مستنكرا في العادة، وإن كان القديم عندهم غير متصور، ولا متصف بالجوارح. فبطل ما قالوه من كل وجه.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: إذا قلتم أن القديم شىء واحد لا يقبل الانقسام والتبعض، فيلزم منه أن يكون أصغر الأشياء وأقلها، فإن الجوهر الفرد لما لم يكن متركبا كان أقل قليل، وهذا ضرب من السخف والحبال. فإن الصغير يعبر به عن الأقدار، وإنما يتصف بالقدر ما له حظ من المساحة، وإنما تمسح ما له جرم وتحيز. وما يستحيل تحيزه، لا يتصف بالأقدار ولا يثبت له حظ من المساحة.
والذي يوضح ما قلناه أن المجسمة إن وافقونا في إثبات أن علم الله تعالى متعلق بالمعلومات التي لا تتناهى، لم يجب أن يقال: العلم من حيث لم ينقسم يتصف بالصغر والقلة، فبطل ما قالوه كل من وجه. فهذه جمل كافية في الرد على من أثبت لله حقيقة الأجسام»[(1013)] اهـ.
[1013] المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد بن يحيى الونشريسي (2/382 – 385)، دار الغرب الإسلامي بيروت.



